باسل الصفدي.. شرق القلب ومتوسطه

باسل الصفدي.. شرق القلب ومتوسطه

شيار خليلشيار خليل

كاتب وصحفي سوري

بقلم .

يقول عبد الرحمن منيف في روايته “شرق المتوسط”: “السجن ليس فقط الجدران الأربعة، وليس الجلاد أو التعذيب فقط، إنه بالدرجة الأولى: خوف الإنسان ورعبه، حتى قبل أن يدخل السجن، وهذا بالضبط ما يريده الجلاد، وما يجعل الإنسان سجيناً دائماً”

تلك الجملة التي زوّدها، باسل خرطبيل، أحد ضحايا “الأسد” في غرف الاعتقال؛ بروحٍ لم يستطع أغلب المعتقلين فهمها فكرياً وروحياً، فلم يكن يوماً سجيناً بفكره وروحه، بل كان يحاول أن يصنع من الجمل كلها مدناً تشبه مدن الملح مزوّدة بإلهٍ يزورنا في أسرتنا ليحدثنا عن مكنونات الكلمات خلف أقبية النظام المجرم.

كان باسل كثير السفر والترحال في ذاكرته المشتتة؛ بين فلسطين الوطن الأم ودمشق المنشأ والحلم، والغرب، العالم التقني، الذي كان باسل يحوّل كل هواجسه فيها إلى أدوات مطوّرة للمعرفة والعلم هناك، يحاول من خلال ذاكرته نقل العالم معرفياً وتقيناً إلينا في السجن، ينسج منها خيوطاً أولى نطير من خلالها إلى الحرية، حيث العالم، الموسيقى، الحب، وكينونة البقاء الاولى، وكنا أنا وهو ووائل سعد الدين، نتقاسم صفحات الكاتب “عبدالرحمن منيف” لنزاوج بين كلماته ومكاننا الجغرافي، فكما يقول منيف: “الذاكرة لعنة الإنسان المشتهاة ولعبته الخطرة، إذ بمقدار ما تتيح له سفراً نحو الحرية فإنها تصبح سجنه، وفي هذا السفر الدائم يعيد تشكيل العالم والرغبات والأوهام”.

نعم، الذاكرة لعنة السجين وخيطه الأول للتحليق خارج أسوار السجن، فلم نكن نفكر يوماً أنّ عبارات “منيف” تلك ستنبت فينا روحاً سبقتنا إلى الخارج. ثلاث مرات أعاد باسل قراءة تلك الصفحات ليكتشف كم من الحواجز نستطيع أن نحطمها بوجه الجلاد، ثلاث مرات في كلّ مرة كان باسل يعيد علينا اكتشافه لأرواح جديدة في روايته تلك، صانعاً لنا مختبراً لغوياً حسياً نشكل من خلاله عشقنا المترامي على أسوار تلك المدينة الأمنية (سجن عدرا) دون أن يكون هناك تأثير زمني وفكري على تنقلنا بين أسرة المعتقل ومكتبة السجن التي تحتفظ على رفوفها بكتب البعث وفق نظريات “الأسد وطلاس”.

في ذلك المكان المهجور من القلوب، كان باسل خرطبيل يحدّثنا عن الحب والمرأة والسجن، نورا حبيبته وزوجته ورفيقة آلامه، التي كان ينتظرها باسل كل يومين بزيارة زمنية لا تتعدّى ساعات قليلة. خلف أبواب ذلك السجن كانت تحاك قصة حبٍ نستمد منها الأمل بأنّ بقاء الأوطان مرتبطة ارتباطاً عميقاً بتلك القصص.

بعد انتهاء كل زيارة كانت ابتسامة باسل تشق طريقها إلى مهاجعنا لينقل إلينا نبضاً من ذلك العالم الخارجي، ذلك الحب كان حباً فكرياً روحياً مبنياً بالأمل لغد أجمل، فلعل كلمات “باسل” لنورا كانت اللغة الوحيدة التي تعبّر عن عشق ذلك السجين هناك، ففي إحدى الرسائل لنورا، يقول باسل: “كل دقيقة بحاول فكر بطريقتك بالحياة وبحاول كون متلك، بس لسا ما وصلت، عم أتحسن بس ما عم أوصل، بحب أنك تضلي سابقتيني حتى ضل عم آخد إلهامي منك… السجن هو محاولة للسيطرة على الأحلام وتقييد الرغبات، وطالما إنو حلمي فيكي ومعك وإلك، فالسجن بيفقد معناه يلي انوجد مشانو، من اللحظة الأولى يلي كنت فيها بزنزانة معتمة، قضيت عالعتمة والرتابة والعدم فيكي، كان حبّك أقوى من القيود والحدود وأكبر من المكان، الحد الوحيد هو قلبك يلي ما لو حدود، كانت السما أقرب من أي وقت سابق، وبعدني عايش بين البحر والسما عصوت الموج، بعيونك…”.

كان “باسل” يجسد رواية “شرق المتوسط” بحالاتها الروحية المرتبطة بالذكر والأنثى وقضبان السجن التي تصنع من فكرنا روحاً تستطيع أن تحطم أدوات الجلاد بكل أشكالها.

 “إذا رأيت رجلاً ليس في قلبه امرأة، فتأكّد أن ما تراه ليس رجلاً، إنه جثّة تريد قبراً”، نعم، لم يخطئ منيف بذلك، ولم ينتظر باسل ساعة واحدة لينسج من ذلك الرجل وتلك الأنثى عالماً ينتشي بحركات الضم والكسر والفتح، لينسج ألوانه الأولى على لوحات صغيرة سُرّبت إلينا من خارج السجن، فيرسم عليها أحلامه وخيوطه الخاصة، ألوان لوحاته التي ما زلت أشتم رائحتها المؤسسة لوجهٍ يصنع كيبورداً فنياً يكتب من خلاله عن الأحلام التي تقلبت معنا على أسرة السجن، مشَكلةً لا سجناً ولا قيوداً، بل سماءً نطيّر فيها أحلامنا دون خوف.

لم يكن باسل مجرّد تقني معلومات ومبرمج يصنع من الشبكة العنكبوتية مصادر مفتوحة للسوريين، بل كان رساماً جميلاً نرسم معاً من المواد الأولية في السجن لوحات عشقٍ تدور الآن في أروقة المنظمات الدولية لتتحدث عن سجنٍ زرعنا فيه الحب والأمل، فلوحة “كن نفسك” التي رسمتها في الغرفة 707  لم أستطع اصطحابها معي وتركتها لباسل لعله يوماً ما يخرج للحرية حاملاً معه كل الألوان تلك، لكن بقيت اللوحة ورحل باسل جسداً، تاركاً روحه في سجن عدرا بلوحة تتنقل بين غرف المعتقلين لتحدثهم أنّ الموت ليس له علاقة بالجسد، ولا بالقوانين التي تحاول اغتصاب أروحنا، دون نتيجة.

ما زلت أتذكر جيداً عندما اقتادوني من سجن عدرا إلى الأمن الجنائي ليسجلوا معي حلقة درامية عن الإرهابي الإعلامي “شيار خليل”، أتذكر دائماً لحظة اقتيادي لإحدى الأفرع من سجن عدرا، وقتها رافقني باسل إلى باب الجناح السابع بالدموع ليقول لي كن قوياً، وقتها قلت له: “إنّنا أحياء ننمو؛ ونكبر بقدر بقائنا، وأنا الآن ذاهبٌ إلى مصيرٍ مجهول لا أعرفه، كن كما كنّا، كما كنّا نحيك أحلامنا بأمل، وتذكر أنه يوماً كان لك نديم اسمه شيار، يمدّك وتمدّه بكل ذلك الفكر بتداعي أفكارنا التي زرعناها في أرواحنا، ورحلتْ”.

 رحلت وعدت بعد أشهرٍ عدّة أحمل معي تشوّهات جديدة في جسدي من شدّة التعذيب، عدت ولم أكن أعرف أنه يوماً ما سيقتاد باسل أيضاً، لكن إلى مصير أسود مجهول خلف مشانق “الأسد” التي كانت ترتوي من أرواحنا.

(الصورة الرئيسية: ملصق لباسل الصفدي. المصدر: صفحة الفعالية المطالبة بالحرية لباسل الصفدي، والصورة تنشر ضمن سياسة الاستخدام العادل واالحقوق محفوظة لأصحابها)

شارك المقالة: