تداعيات استعصاء سجن حماه المركزي (2)

تداعيات استعصاء سجن حماه المركزي (2)

بعد الاستعصاء الذي نفذه معتقلو سجن حماه المركزي، والذي سبق لحكاية ما انحكت أن أورد تفاصيله في مقال سابق، قام النظام بقطع الكهرباء والماء بشكل كامل عن السجن، كما قام بعدة محاولات اقتحام باءت بالفشل، وبالنهاية، حدثت مفاوضات بين حكومة النظام وبين ممثلين عن السجناء، بوجود رئيس جناح الشغب “مصطفى شعيرة أبو غالب”، ووزير الداخلية ووزير العدل ورؤساء الأفرع الأمنية، وقد تم إبرام اتفاق شفهي بين الطرفين، تلخص في إنهاء الاستعصاء مقابل أن يعيد النظام الكهرباء والماء والطعام والأدوية إلى السجن، وأن يطلق سراح جميع المعتقلين لأسباب تتعلق بالثورة، سواء الذين قُرر نقلهم إلى سجن صيدنايا، أو الذين قُررت محاكمتهم في محكمة الإرهاب بدمشق، إضافة إلى المعتقلين المحكومين سابقاً، وذلك على دفعات، ودون التزام بمدة زمنية محددة، كما اشترط السجناء أن لا يتم اعتقال أي منهم لاحقاً.

“حكاية ما انحكت” تابع مدى التزام النظام بتطبيق الاتفاق، وذلك بالتواصل مع الناشط عبد الحميد الشحنة من حماه، والذي صرح أن “النظام أطلق  سراح 46 معتقلاً، شملت المجموعةُ الأولى منهم ثلاثين معتقلاً، تم إخراجهم من السجن بواسطة سيارات منظمة الهلال الأحمر، أما الدفعة الثانية فقد تم إطلاق سراحها من خلال قائد شرطة محافظة حماه، والذي أشرف على نقلهم حتى آخر حاجزٍ للنظام بالقرب من (قلعة المضيق) شمال حماه، وذلك حتى تاريخ الثامن والتاسع من أيار 2016، كما قام النظام بإعادة الكهرباء والماء إلى جميع أجنحة السجن”.

المعتقلون يعالجون الخبز اليابس بعد قطع المواد الغذائية عنهم، المصدر: صفحة "معتقلو سجن حماه المركزي"، فيسبوك.

المعتقلون يعالجون الخبز اليابس بعد قطع المواد الغذائية عنهم، المصدر: صفحة “معتقلو سجن حماه المركزي”، فيسبوك.

يُعد هذا الاستعصاء السلمي الأكثر تأثيراً ونجاحاً خلال تاريخ الثورة السورية منذ عام 2011 وحتى اليوم، فهي المرة الأولى التي يُجبر فيها نظام الأسد على تنفيذ مطالب الشعب السوري، نتذكر هنا المظاهرات الأولى في الثورة، والتي كان من أهدافها إخراج المعتقلين السياسيين، عندها واجه النظام تلك المظاهرات بمزيد من الاعتقال، وقد كان أولها مظاهرة دمشق في 15/03/2011، حيث اعتقل ستة متظاهرين، ثم تطور الأمر من الاعتقال إلى مواجهات بالرصاص الحي من قبل قوات الأمن، حيث سقط محمود جوابرة، أول ضحية خلال المظاهرات السلمية في درعا بتاريخ 18/03/2011.

لا يستجيب النظام إلى ما يطالب به السوريون من حقوقهم إلا عندما يكون مجبراً على ذلك، خوفاً من أن يتصاعد الاحتجاج فلا يقوى على احتوائه، كما حدث خلال مظاهرة وقعت في دمشق القديمة، سوق الحريقة في 17/02/2011، إثر اعتداء شرطي بالضرب على أحد المواطنين، ما استدعى مجيء وزير الداخلية محمد الشعار آنذاك إلى المظاهرة، حيث وعد بمعاقبة الشرطي.

الإرباك الذي أصيب به النظام جرَّاء استعصاء سجن حماه دفعه إلى الرضوخ لمطالب المعتقلين، حيث لا يستطيع أن يقوم بعملية إبادة جماعية لهم، فهذا يستلزم تدمير السجن بالكامل بكل ما يحتويه من مستلزمات يحتاجها النظام، وهو ما ليس في صالحه، وليس في صالحه أيضاً أن يقوم بهكذا مجزرة في حق معتقلين سلميين يمتلكون أجهزة اتصال تنقل الأخبار من داخل السجن إلى العالم، كما أن المناطق التي يسيطر عليها النظام في حماه ستكون في مرمى صواريخ الجيش الحر، وهو ما هدد به لواء “أجناد الشام”، حيث أعلن في بيان له عن أنه سيستهدف بلدتي “محردة والسقيلبية” في حال تمت مداهمة السجن أو لم تتم الاستجابة لمطالب المعتقلين، ما سيؤدي إلى اشتعال مناطق ريف حماه، ومن الواضح أن النظام بغنىً عن فتح جبهات جديدة في هذه المرحلة، وهو الذي يتكبد الخسائر العسكرية في ريف حلب، وما يؤكد جدية تهديدات الجيش الحر، أنه سبق وأن نفذها في 14/08/2015، عندما قام المعتقلون في سجن حماه باستعصاء مشابه للذي يحدث اليوم، فقامت قوات الأمن وقتها بمداهمة السجن وقتلت أحد المعتقلين، وكان رد الجيش الحر إطلاق عدة صواريخ على مدينة “محردة” المؤيدة، والتي تعج بقوات الأمن والشبيحة.

المعتقلون في حالة ترقب خلال محاصرة السجن من قبل قوات النظام في 07/05/2016، المصدر: صفحة "معتقلو سجن حماه المركزي"، فيسبوك.

المعتقلون في حالة ترقب خلال محاصرة السجن من قبل قوات النظام في 07/05/2016، المصدر: صفحة “معتقلو سجن حماه المركزي”، فيسبوك.

لكن لنظام الأسد تاريخ طويل في الغدر ونقض العهود، منها في 18 نيسان 2011، عندما قام أبناء حمص باعتصام ضخم في ساحة الساعة الجديدة، وقد وعد النظام بعدم المساس بالمعتصمين، وفي اليوم التالي، الساعة الثانية صباحاً، فتح النار عليهم موقعاً 800 ضحية، وكان السيناريو جاهزاً في وسائل إعلامه، وهو أن المخربين والمندسين هم مَن قام بإطلاق النار، في حين كانت حواجز الأمن تحيط بالاعتصام، أما في حالة استعصاء سجن حماه، فمن المستحيل فبركة الاعتداء على السجن الواقع ضمن المناطق التي يسيطر عليها الجيش بشكل كامل، مع ذلك قام النظام بعدة خروقات للاتفاقية مع السجناء، منها إعادة اعتقاله لأحد المفرَج عنهم، واسمه “أحمد نواف شعيب”، من قبل حاجز للأمن العسكري في المنطقة التي يسكن فيها بريف دمشق، قرب جبل الشيخ، مما أدى إلى عودة التوتر إلى السجن، الأمر الذي دفع النظام للإفراج عنه صباح اليوم التالي 10/05/2016، كما أن “قوات الأمن داهمت منزل أحد المعتقلين المُفرج عنهم في حماه بقصد إعادة اعتقاله، لكنها لم تجده في المنزل” حسبما أضاف عبد الحميد الشحنة لـ (حكاية ما انحكت).

معلومات المادة