رسالة إلى سليم بركات

رسالة إلى سليم بركات

دلير يوسفدلير يوسف

كاتب ومخرج من سوريا، أخرج عدداً من الأفلام السينمائيّة منها: “أمراء النحل” و”منفى” و”بانياس: البدايات” و”حبل غسيل”. وله كتاب مطبوع بعنوان “حكايات من هذا الزمن” صدر في العام 2014 من بيروت. مقيم حالياً في برلين- ألمانيا.

بقلم .

كثيرًا ما فكرت بالكتابة إليك، لكنني لم أعرف ما يجب عليّ قوله، ولم أعرف كيف أرسل إليك ما سأكتبه. لا أعرف أصلًا لماذا يكتب قارئٌ ما رسالة إلى كاتب يحبه، هل يرغب في تبادل فعل الكتابة معه؟ على كل حال بعد أن بدأت الكتابة أصابتني حالة من الخوف؛ خفت من أن تخونني لغتي وأنت من يستطيع مسك اللغة من حيث يريد ويقلبها بين يديه كما يشاء. أعرف أنّك تُظلم حين يتم الحديث عنك وعن قدراتك الكبيرة في اللغة العربيّة وعن “استعراض عضلاتك اللغويّة” فيما تكتب دون الالتفات إلى مواضيع ما تكتب. أعرف أنّ هذا ظلم وأنّ من يكتب عنك لم ينتبه إلى الصور والعوالم التي تخلقها، ولنا في أقاليم الجن مثال. يا لهذا العالم الذي خلقته في هذا الكتاب! ما هي حدود خيالك؟

يقولون إنّك كنت قدوة للشباب في القامشلي إلّا أنّني لم أعرف هذا حين كنت طفلًا هناك. كانوا يقولون إنّ من كان يدور في فلك الثقافة في صدفة الشمال السوري كان يقلّد طريقة كتابتك وطريقة حياتك وحتى تسريحة شعرك. أما أنا فقد تعرفت عليك أولًا في دمشق. ديوان المعجم كان أول ما قرأت لك. وضعه أحد أعمامي على الطاولة، كنت أعرفك من قبل لكنني كنت أخاف لغتك الصعبة، كانوا يقولون في بيتنا: قبل أن تقرأ سليم بركات، ضع معجم اللغة العربيّة إلى جانبك. لم أجرؤ حينها على قراءة ما كنت تكتب.

بعد المعجم قرأت السيرتان. يا إلهي، لقد جعلتني أحب حارات الطين في مدينة أبي. وهكذا بدأت تتوالى قراءاتي لك، حتى بتُّ أنتظرُ كتبك الجديدة بفارغ الصبر. في السابق، أي حين كنت أعيش في البلاد، سوريا، لم أكن أملك ترف شراء الكتب. هل تتخيل شاب جامعي في دمشق يستطيع شراء الكتب التي يريد ساعة ما يريد؟ تبًا لها من حياة. اليوم وأنا أعيش في برلين أسأل أصدقائي القادمين من بيروت على أن يحملوا لي كتابك الجديد، كلّما صدر لك كتاب جديد.

عندي ثلاثة قصص صغيرة أريد أن أحكيها لك. أول القصص هو ما حلمت به منذ شهور قليلة. كنت قد حلمت بفوزك بجائزة نوبل للآداب. هل من الممكن أن يتحقق هذا الحلم يومًا ما؟ أتمنى. ستكون الجائزة، حين تفوز بها، كما لو أنّها قُدمت إليّ.

قصتي الثانية من كوباني. في سنة ٢٠١٥ قمت بزيارة صحفيّة مع صديق ألماني إلى مدينة كوباني. كانت المدينة حينذاك قد تحرّرت من قبضة داعش قبل أيام قليلة بعد قتال دام أسابيع طويلة. كانت المدينة مهدمة، لا حجر فيها أكبر من حجم الكف. مدينةٌ خراب. جثث مقاتلي داعش في كل مكان؛ رائحة قاتلة. وسط هذا الدمار، حين كنّا نتفقد الحارات المهدمة بحذر خوفًا من لغم ينفجر فينا، رأينا بعضَ نباتٍ مزروع بأصص، أصلها علب سمنٍ وزيت، مرتبة بشكل لطيف. اقتربنا من هذا النبات. كان رجل يجلس هناك. أصبح صديقنا نسامره كلّ يوم تقريبًا خلال أسبوعين قضيناها في المدينة الحرب.

هذا الشخص هو أستاذ لمادة الفلسفة في المدارس الثانوية، نزح مع عائلته إلى تركيا حين هاجمت داعش المدينة. أرسل عائلته إلى عفرين في ريف حلب وبقي هو ينتظر على الحدود، العودة. كان من أوائل العائدين بعد تحرير المدينة. بيته كان مهدّمًا بشكل شبه كامل. بقيت له غرفة صغيرة ومطبخ بثلاثة جدران. قال إنّه رجع إلى كوباني من أجل أن يزرع بعضًا من النبات الأخضر. قال إنّ كلّ هذا الدمار يحتاج إلى بعض اللون الأخضر من أجل خلق توازن في العالم.

كان يقضي جلّ وقته في شرب العرق والمتة وقراءة الكتب التي يجدها بين الأنقاض أثناء بحثه عنها. أهداني أول كتاب وجده. كان اسم الكتاب “ترجمة البازلت” كان كتابك يا سليم. قال إنّه يحّبُ هذا الكتاب. كتب لي إهداءً بالكرديّة على الصفحة الأولى ما ترجمته: “إهداء إلى أخي وضيفي دلير”. هذا من أغلى الكتب على قلبي اليوم. يا له من كتاب! يا لها من ذكرى!

حكايتي الثالثة شخصيّة جدًا وأنا مترردٌ قليلًا إن كنت سأبقيها بعد أن أكتبها أم لا. صديقتي حامل الآن ونحن ننتظر طفلة تملأ حياتنا وتشغلنا بنفسها عمّا حولنا. الأطباء يقولون إنّ الجنين يسمعنا ويتوجب علينا الحديث مع هذا الجنين. سألت طبيبتنا الخاصة: هل أقرأ لها؟ قالت لي: نعم القراءة تُفيد في توسيع مداركها. صرت أقرأ لها أشياءَ من علوم مختلفة، وكلّي أمل أن أستمرَ بالقيام بذلك حين تُخلق وتكون رضيعةً ومن ثم طفلة ذكية.

ديوانك، الغزلية الكبرى، هو من جملة ما أقرأ لها. كل يوم أقرأ لها مقاطع من غزليتك. أقول لنفسي: من لا يحب الشعر لا يعرف شيئًا، أريدها أن تحب الشعر. أقرأ لها “عاشقاتٌ هُنّ، بقلوبٍ أو من دونها” وأقول لنفسي: إنّ هذا الشعر يوسّع المدارك أيضًا.

قررت في هذا العام قراءة ما فاتني مما كتبت؛ فقرأت: الريش، طيش الياقوت، سبايا سنجار، هياج الإوز، المثاقيل، السيل، السماء شاغرة فوق أورشيلم، بجزأيها. لقد أبهرتني. كيف تستطيع أن تكتب بهذه البلاغة والكثافة والكثرة. من أين تأتي بلغتك ومن أين تأتي بخيالك؟ حقيقة، إنّني أغار منك. وحقيقة أخرى هو أنّني أتعلم منك. أتعلم أن أكتب بكثرة دون هدف سوى الكتابة. أتعلم أن أحترم القارئ، وأن أضع نصب عيني بأنّ أحدًا ما، أذكى مني، يقرأ ما أكتب، فأبذلُ أقصى ما أستطيع من أجل إخراج أفضل ما عندي.

إن سألني أحدهم يومًا ما لماذا تكتب إذًا؟ مثلما سأل التاجر كرياكوس المقاتل توران في رواية السماء شاغرة فوق أورشيلم: لماذا تحارب، إذًا؟، سوف أجيب في محاكاة لإجابة توران وأستبدل فعل الحرب بفعل الكتابة وأحذفُ فعل الربح: أكتب من أجل الكتابة”.

(الصورة الرئيسية: سليم بركات. المصدر: ألترا صوت)

شارك المقالة: