كوباني إذ تشعل السجال العربي الكردي


12 تشرين الأول 2014

لم يكن اقتراب داعش من مدينة "كوباني – عين العرب" هو الحدث الوحيد الذي فتح سجالا بين العرب و الكرد السوريين، خلال مسار الانتفاضة، إلا أنه قد يكون الأحد بينها كلها، نظرا لتراشق الاتهامات في ظل اقتراب السكين الداعشية من عنق منطقة كردية، بعد أن فتكت بالرقة ومناطق أخرى من سوريا.

بدءا من الاسم يبدأ الخلاف، فالعرب يطلقون عليها "عين العرب" والكرد يطلقون عليها "كوباني" في سباق محموم بين الطرفين لإثبات شرعيتهم التاريخية على المدينة، فبعد وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963 أقدم على تعريب كل القرى والمدن الكردية، الأمر الذي دفع الكرد اليوم لاستعادة أسماء مدنهم التي سرقتها الدكتاتورية كما يعمل كل السوريين على استعادة أسماء مدنهم وشوارعهم من جديد، وهو أمر يستفز بعض العرب المتعصبين لقوميتهم العربية بالمقابل.

وفي الوقت الذي يجري فيه هذا السجال تتمدّد داعش لتحرق المدينة، الأمر الذي دفع الناشطة "خولة دنيا" للقول: "قرأت عن تسمية كوباني ومن أين جاء اسمها. كما قرأت عن عين العرب. كغير عروبية ولست كردية لا يؤثر بي الاسم ولا أصله وفصله. كل ما يعنيني اليوم أننا خسرنا كوباني كما خسرنا عين العرب. لم تنتصر الشوفينية العربية ولا الكردية.المغول وحدهم من يحرز التقدم دون نصر على القلوب المحروقة للسوريين".

لوحة للفنانة زاريا زردشت تصور امرأة مسنة من مدينة كوباني ترفع ذراعيها نحو السماء وهي تدعو الله بعد ان هجرت من منزلها بسبب دخول داعش .المصدر: صفحة الفنانة زاريا زردشت على الفيسبوك
لوحة للفنانة زاريا زردشت تصور امرأة مسنة من مدينة كوباني ترفع ذراعيها نحو السماء وهي تدعو الله بعد ان هجرت من منزلها بسبب دخول داعش .المصدر: صفحة الفنانة زاريا زردشت على الفيسبوك

أحد عناصر السجال بين الطرفين تجّلت في ضعف الاحتجاج والتعبير العربيين عن مأساة المدينة، إذ اتهم بعض الأكراد العرب السوريين بأنهم لم يتضامنوا كما ينبغي مع المدينة التي تتعرّض اليوم لأشنع هجوم من داعش، بالمقابل رد عليهم العرب بأن هذا التضخم الكردي في التعبير عن مشاعر الحزن على كوباني وهو محق، لم يروه لدى تعرَض مدن أخرى لما تتعرض له المدينة اليوم، إذ قال الفنان "تمام عزام": "كوباني ليست أولى المدن المحاصرة ( مع كل تعاطفي )، والبطلات الكرديات اللواتي يحاربن داعش، سبقتهن سوريات بطلات أيضاً من درعا وادلب وحلب وحمص دون خبر على شريط الأخبار. أطفال سوريا الذين ماتوا بقصف البراميل تفوق أعدادهم أطفال عكرمة ( مع كل الرحمة ). مجازر داعش في الرقة وقبيلة الشعيطات لم تلق اهتماماً ولا حتى تعاطفاً كهذا التعاطف المبني على ما تريده الميديا والحلف الدولي.الحزن لا يتجزأ يا ( سوري ) !!!"، الأمر الذي دفع بعض الأكراد للرد عبر إبراز بعض اللافتات التي رفعتها كوباني تضامنا مع المدن الأخرى طوال فترة الانتفاضة السورية.

في حين رأى البعض الآخر قدرة الأكراد على رفع قضية كوباني أكثر من المدن الأخرى، من زاوية أخرى عكست ضعف العرب في إيصال قضاياهم، إذ قالت الكاتبة "سميرة المسالمة: "النجاح الكبير للسوريين الأكراد إعلامياً في التعريف بقضيتهم بما يتعلق بعين العرب (كوباني ) يظهر حجم الفشل الإعلامي لمن يمثل الثورة سياسياً بالتعريف بالقضية السورية وحشد الدعم اللازم لها خلال السنوات الماضية رغم ملايين الدولارات التي أهدرت".

خارج هذا السجال رأى البعض أن ما يجري في كوباني كشف وجوها أخرى للمناطقية والتحيّزات السياسية، إذ قال الكاتب "دلير يوسف": "كتير حلو التضامن العربي مع كوباني. بس كتير بشع إنو في ناس عم يتضامنو مع كوباني لأنو عم تحارب داعش ونسيو يتضامنو مع مناطق تانية عم تحارب الأسد".

ملصق للدفاع عن كوباني. المصدر: صفحة الاعلامي جوان سوز على الفيسبوك
ملصق للدفاع عن كوباني. المصدر: صفحة الاعلامي جوان سوز على الفيسبوك

و برز التعاطف واضحا على صفحات الفيسبوك مع النساء الكرديات اللواتي يواجهن داعش، إذ تم الاحتفاء بهن، حيث قالت الناشطة كفاح ديب: " لو كنت رجلاً

لما عشقت إلاّ امرأة كرديّة من كوباني!"، في حين قال الصحفي المثير للجدل "نزار نيوف": "لو كان لوركا بيننا اليوم لكتب مسرحية ملحمية بعنوان "نساء كوباني!"، حيث توازى هذا الاحتفاء بصور لمقاتلات حزب العمال الكردستاني تم تناقلها بكثافة على صفحات الفيسبوك، إضافة إلى صور للأكراد وهم يهيمون في الصحارى بحثا عن ملجأ آمن بعيدا عن عيون "داعش"، في صور تذكر بأن محنة ورحلة السوريين ( كردا وعربا) نحو منافي الله لم تتوقف، إضافة إلى بوسترات وملصقات تدعو لإنقاذ كوباني. ولهذا كان أغلب السوريين مع كوباني كما مع كل مدن سوريا الأخرى، لأن " كوباني هي فصل مأساوي من فصول المأساة السورية الكبرى، من القصير إلى داريا إلى القلمون. قوّة احتلال غاشمة تريد استئصال أهالي مدينة بأكملها، كما أنها كارثة كردية تضاف إلى الكوارث الكبرى في التاريخ الكردي المعاصر" كما يقول الكاتب دارا عبد الله.

خلف هذا اليأس والدمار كان الأمل قابعا، إذ رغم سقوط المدينة فإن الشعراء ( خاصة الكرد منهم) رؤوا ميلادا من قلب هذا الدمار، إذ قال الشاعر حسين حبش: "لا تلتفتوا إلى الحاقدين. نظرات كوباني تتجه إلى الأمام وتشع بالأمل، لتكن نظراتكم أيضاً كذلك"، في حين قال "ابراهيم حسو": كوباني ذاك الأمل العنيد الذي لا يقهر".

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد