غالية الرحال: الأفضل أن نموت في أوطاننا

غالية الرحال: الأفضل أن نموت في أوطاننا

هدى يحيىهدى يحيى

إعلامية وناشطة من ريف إدلب، حائزة على إجازة في التاريخ

 

بقلم .

انتفضت وخرجت من ركام حرب شعواء ومجتمع ذكوري محافظ، تحدّت ظروفها الصعبة، وأرادت أن تصنع حاضراً ومستقبلاً أكثر صلابة لنساء منطقتها، مستقبلاً يكنّ فيه قادرات على الاستمرار والعطاء في زمن الحرب القاسية، فأسّست لأحد أنجح مشاريع دعم وتمكين المرأة السورية في المنطقة.

 إنّها غالية الرحال (43عاما) ابنة مدينة كفرنبل، ولدت بمنطقة الطبقة التابعة لمحافظة الرقة السورية، حيث كانت تقطن عائلتها بحكم وظيفة والدها، ثم انتقلت إلى مدينة كفرنبل بعد سنوات وهناك تزوجت الرحال ولم يتجاوز عمرها الخامسة عشرة، أنجبت ثلاثة صبية وفتاة، عملت بمجال تصفيف الشعر وتزيين العرائس.

كانت الرحال قبل الثورة ممن لايفوّتن فرصة لانتقاد نظام الأسد وفساده، من كبته للشعب إلى سياسة الكيل بمكيالين تجاه أبناء طائفته وبقية الشعب رغم تحذيرها من قبل البعض من عواقب هذه الانتقادات.

عند قيام الثورة في مارس2011 كانت فرحة الرحال “لا توصف” إذ تقول: “قلت في نفسي لقد آن الأوان للتغيير، فمن حقنا أن نعيش بحرية وكرامة وأن نختار ما نريد”.

(غالية الرحال. المصدر: غالية الرحال/خاص حكاية ما انحكت)

 شاركت الرحال بجميع المظاهرات النسائية التي خرجت في مدينة كفرنبل، ترفع اللافتات وتهتف مع الأخريات “واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد”، و”الموت ولا المذلة” وغيرها من العبارات. لا تزال الرحال تذكر تلك المظاهرة التي قام فيها عناصر جيش النظام بإطلاق النار عليهن أثناء المظاهرة، حيث اعتقل البعض منهن وأصيب آخريات/ين.

لم تتوان الرحال عن مساعدة الثوار بكلّ ما يمكنها، حيث ساهمت مع غيرها من النساء بتأمين الطعام والدواء لهم، وخاصة بحكم قرب منزلها من مكان اختبائهم، وهي المنطقة التي تدعى “التيانة”.

 إحدى الحوادث تتذكرها الرحال بابتسامة قائلة: “كان ذلك في الصباح الباكر حين تعالت أصوات الرصاص في شارعنا بينما كان الجيش يطارد عنصرين من الثوار، وبسرعة كبيرة فتحت لهم الباب ليدخلا ويختبئا الى أن غادر الجيش، شعرت آنذاك بالخوف الشديد من فكرة مداهمة المنزل، ومع ذلك شعرت بالسعادة لإنقاذ هذين الثائرين ومرّت الحادثة بسلام”.

بعد خروج جيش النظام من كفرنبل، بدأ نشاط الرحال فأنشأت مركز مزايا الذي بدأ بثلاثة متطوعات، وذلك بتاريخ 1/6/2013 وهو عبارة عن قبو أرضي تبلغ مساحته 400 متر ورثته الرحال عن أبيها، وبدأت بتدريب النساء على المهن المختلفة من خياطة، تمريض، نسيج.. وذلك بغية مساعدة أنفسهن وأسرهن مادياً، وخاصة بعد أن أصبحت معظمهن في موضع المعيل بعد استشهاد الزوج أو اعتقاله. وتعبّر الرحال عن ذلك لحكاية ما نحكت بالقول “لقد تضاعف دور المرأة زمن الثورة، ووقع عليها العبء الأكبر فكان عليها أن تكون الأب والأم معاً، غير أنّ الأوضاع الأمنية والعادات والتقاليد كانت تحول دون خروجها، إلى أن قرّرت كسر هذه العادات وإنشاء هذا المركز النسائي.

 أطلقت الرحال شعاراً للمركز، وهو “لم أعد عبئاً أصبحت سنداً”. إلا أنّ ما فاجأ الرحال “الأعداد الكبيرة للنساء بمختلف الفئات العمرية اللواتي تردّدن للمركز، ولذلك قمت بإضافة دورات جديدة كتعليم اللغة الانكليزية ودورات لف شعر، إضافة لنشاطات ترفيهية ومسابقات وفعاليات ومحاضرات تثقيفية ودورات دعم نفسي”.

 ومن أهم النشاطات التي قام بها المركز بحسب الرحال”نسج أطول علم في الثورة وهو بطول خمس وسبعين مترا وعرض مترين وربع المتر، قامت بنسجه أكثر من خمسين امرأة وتم رفع العلم بمظاهرة نسائية وسط مدينة كفرنبل فكان محط إعجاب المجتمع والإعلام”.

أيضا قامت الرحال بإنشاء مجلة مزايا، وهي مجلة شهرية تعنى بشؤون المرأة والقضايا الإنسانية، عدا عن احتوائها على فقرات نقدية وساخرة وصحة وجمال. وكذلك كان هنالك مكتب المرأة الذي هدفت الرحال من إنشائه إلى توثيق الحالات الإنسانية والتحرّي عنها بغية مساعدتها قدر المستطاع، سواء بالأدوية أو الرواتب أو مساعدات إغاثية.

أرادت الرحال أن تعمّم تجربة مراكز تمكين المرأة على بعض قرى ريف إدلب لكي يستفيد أكبر عدد ممكن من النساء فقامت بإنشاء مراكز في كل من قرى جبالا، إحسم، معرة النعمان، معرة حرمة، ومؤخراً في بسقلا.

(غالية الرحال. المصدر: غالية الرحال/ خاص حكاية ما انحكت)

شددّت الرحال ضمن حديثها لموقعنا على الوضع النفسي السيء للمرأة السورية التي “فقدت أبنائها وعاشت ألم الخوف والنزوح والتهجير، ولكن كلّ ذلك لم يثني من عزيمتها ولم يمنعها من العمل والعطاء”.

 وبرأي الرحال، فإنّ المرأة السورية بحاجة لمزيد من الخصوصية والحرية في عملها وحياتها، كما وطالبت بأن يكون هناك تكتّل نسائي داخل وخارج سوريا لضرورة التنسيق وإلقاء الضوء بشكل أكبر على هموم المرأة ومعاناتها وبالتالي إيصال صوتها ومتطلباتها بشكل أكثر فاعلية ومصداقية.

دلال الحسين (26عاما)، واحدة من النازحات من ريف حماه، تدرّبت في مركز مزايا على فنون الخياطة وراحت تمارس المهنة في منزلها مما سمح لها بالإنفاق على طفليها وزوجها المصاب. تقول دلال لحكاية ما انحكت: “لقد مدّت لي الرحال يد العون حين تفقدت أحوالي ودعتني لتعلّم مهنة في المركز، فأنا غريبة ولا أعرف أحداً هنا، وتعرّض زوجي لحادث سير جعله عاجزاً عن العمل، ولم أكن أعرف إلى أين أذهب وماذا أفعل، غير أنّ غالية لم تدعني وحيدة وساعدتني مادياً ومعنوياً، أحترم إنسانيتها ومساعدتها الآخرين وأدعو لها دائما”.

رائد الفارس (45عاما) ناشط ثوري، وهو مدير منظمة اتحاد المكاتب الثورية، يشيد بعمل الرحال التي ساهمت بمساعدة النساء في وضع الحرب، وصرح خلال الحفل الذي أقيم بمركز مزايا بمناسبة يوم المرأة العالمي بالقول: “أتوّجه بالشكر والاحترام والتقدير لكل امرأة وفتاة تمرّدت على واقعها المؤلم وخرجت من بيتها وحاولت التعبير عن نفسها محدّدة موقعها الهام في المجتمع من خلال مشاركتها الفاعلة فيه”.

للصعوبات.. محطة

صعوبات عديدة واجهت الرحال خلال مشوارها الثوري وعملها الإنساني. تتطرق الرحال لأهمها “الإنتقاد من المجتمع المحيط الذي لا يتقبّل فكرة خروج المرأة من بيتها وبحثها عن عمل، ومع ذلك استطعنا تدريجياً كسب ثقة الجميع بأعمالنا من خلال نشاطات مراكزنا البناءة المتعددة”.

كما وتلفت الرحال إلى تعرّض مركز كفرنبل لعملية سرقة لجميع معداته ثم حرق ما بقي من أثاثه، وكان ذلك بتاريخ 11/10/2014، أيضا تعرض المركز بعد مدة من الحادثة للمداهمة من قبل تنظيم جند الأقصى الذين دخلوا على النساء والمتدربات بهمجية وراحوا يوّجهون إليهنّ الشتائم والإتهامات والألفاظ البذيئة في محاولة منهم لتخويف النساء ومنعهن من الحضور ثانية، كما وتعرّضت سيارة الرحال للتفخيخ مرّات عديدة، وكانت تنجو في كلّ مرة. كلّ ذلك لم يثني من عزيمة الرحال التي تابعت طريقها متحدّية كلّ الصعوبات.

حازت الرحال على جائزة “المرأة البطلة الثقة” التي منحتها إياها وكالة رويترز للأنباء على خلفية تنظيم مراكز مزايا لمنتديات نسائية صغيرة يتم من خلالها طرح مشاكلهن العائلية والاجتماعية بطريقة قريبة من تفكيرهن وأعمارهن، فضلاً عن تقديم ما يمكن من الدعم النفسي حسب الحالات المطروحة، والعمل على ترابط وتكتّل النساء في كلّ الظروف التي تتجه للأسوأ ومساندتهن للتأقلم معها، وقد عبّرت الرحال عن ذلك بالقول “من الضروري أن تجد المرأة السورية اليوم من يساندها ويشعرها بأنّها ليست مهمّشة، فالحرب وضعت المرأة بين مطرقة الإعالة وسندان العادات والتقاليد، وعندما يكون هناك دورات دعم نفسي واجتماعي للمرأة ستشعر بأنّها أصبحت أقوى وأقدر على مواجهة ظروفها”. هذا في الوقت الذي تهدي فيه الرحال فوزها بالجائزة لكلّ امرأة مناضلة وصامدة في وجه مايواجهها من أزمات.

فقدت الرحال ابنها البكر العشريني خالد الناشط والمصور الإعلامي، وذلك بتاريخ 24 يونيو 2016، خالد نشط منذ بدايات الثورة بتصوير المظاهرات مع المكتب الإعلامي لمدينته كفرنبل المشهورة بلافتاتها، ثم التحق بالناشط هادي العبد الله وأخذ يتنقل معه بين مناطق الشمال السوري التي كان آخرها حلب، حيث تعرض للإغتيال بتفجير عبوة ناسفة على باب البناء الذي كان متواجداً داخله بصحبة العبد آلله.

 “شهيد ياعمري؟ صار اسمك شهيد؟ الله يهنيك يا أمي باسمك الجديد”، كلمات نعت بها الرحال ولدها الذي كان الأقرب لروحها ولحياتها وصديق دربها الثوري،  ومشجعها في كلّ وقت على المضي بعملها رغم كل الظروف.

حصلت الرحال على فرص كثيرة للسفر إلى خارج البلاد ولكنها رفضت المغادرة قائلة: “نحن أطلقنا الثورة وسنمضي فيها حتى الشهادة أو النصر”، وتتابع: “في حال هاجرنا من سيبقى، وإذا كنّا سنموت في النهاية الأفضل أن نموت في أوطاننا”، منوهة أنّها الآن في فرنسا إذ تلقت دعوة لحضور مؤتمر حول المرأة، مؤكدة أنّها وبعد حضورها المؤتمر ستعود إلى كفرنبل لمتابعة مشاريعها التي صرّحت أن من ضمنها مدرسة سوق نسائية في ريف إدلب.

(الصورة الرئيسية: غالية الرحال. المصدر: غالية الرحال/ خاص حكاية ما انحكت)

شارك المقالة: