خيارات الأهالي في حي الوعر.. المجهول أم “رحمة” النظام

خيارات الأهالي في حي الوعر.. المجهول أم “رحمة” النظام

جود مهبانيجود مهباني

صحافية وناشطة في مجال العمل المدني

بقلم .

(الوعر، حمص)، إدلب؟ أم جرابلس؟ أم ريف شمالي؟ كلمات يبادر بها أهالي حي الوعر غربي مدينة حمص بسؤال بعضهم البعض للتعرّف إلى وجهتهم التي قرّروها بعد إبرام اتفاق تسليم الحي الذي كان يعتبر آخر معاقل المعارضة المسلحة في المدينة التي لقّبت سابقاً بـ “عاصمة الثورة“.

غموض وعدم ثقة

وفقاً للاتفاق، الذي عقد بتاريخ 13/3/2017 بين وفد لجنة حي الوعر ووفد النظام برعاية روسية كاملة للاتفاق، سيستمر خروج الأهالي والمسلحين على شكل دفعات حتى خروج آخر من يرغب من الحي وتسليمه بالكامل للنظام السوري.

وبسبب عدم وجود ضمانات كافية لمن سيبقى في الحي من المدنيين، فإنّ كثيراً من الأهالي فضّلوا الهجرة إلى المجهول بدلاً من البقاء وانتظار “المحتوم” بحسب ما أفادته ابتسام المصري، أم لأربعة أولاد، مؤكدةً أنّ مصير الحي سيكون على غرار حلب الشرقية في أحسن الأحوال، وأضافت قبل صعودها في أحد باصات الدفعة الخامسة المتجهة إلى جرابلس “ما راح يخلوا شي ما يعفشوه، وراح ينتقموا من كلّ الناس يلي راح تبقى، لهيك أنا طالعة مستحيل ابقى بالحي واتفرج عليون وهنن وعم يقتلونا ويعفشوا بأغراضنا”.

ورغم كلّ ما يتم الحديث عنه على وسائل الإعلام المعارضة أنّ الوعر يسير على خطى تهجير ديمغرافي ممنهج من قبل النظام على غرار داريا والقصير وحلب الشرقية وغيرها من مناطق حوصرت سابقاً وتم إخلاؤها من سكانها، إلا أنّ الوضع في الوعر يعتبر أكثر غموضاً وتعقيداً، وليس واضحاً حتى الآن إن كان النظام يريد فعلاً إخلاء جميع سكانه قبل دخوله.

فقد اتسم اتفاق تسليم حي الوعر بخصوصية فتح المعابر لدخول أصحاب العقارات من المدنيين قبل دخول قوات النظام إليه، كما تضمّن الاتفاق إمكانية التسوية وبقاء من يرغب من الأهالي خلافاً عن حلب الشرقية مثلاً، حيث تم إخلاء جميع المدنيين فيها قبل دخول قوات النظام. ولكن عدم ثقة الناس بالضامن الروسي كضامن وحيد للاتفاق، بالإضافة إلى وجود قرى شيعية (المزرعة، والحيدرية، والزرزوية )  مسلّحة تحيط بالحي أدى إلى انتشار الخوف والذعر بين أهالي حي الوعر، فقد انتشرت العديد من الشائعات التي تتحدّث عن انتظار الشيعة في قرية المزرعة لحظة خروج الدفعة الأخيرة من مسلّحي المعارضة للانقضاض على الحي والتنكيل بمن بقي فيه.

وبهذا وقع الأهالي من المدنيين بين سندان الهجرة واقتلاع جذورهم أو البقاء في وضع يلفه الغموض.

الرحيل ليس خياراً..

يصف حيّان السيوفي، ناشط مدني 30 عاماً، السنوات الخمس الماضية التي قضاها تحت الحصار بـ “سنوات الضياع”، ويشرح لموقع حكاية ما انحكت، الظروف الصعبة التي مرّت عليهم من قصف وحصار وتدمير للبنى التحتية ويعترف بندمه لعدم اتخاذه قرار الهجرة منذ بداية الاضطرابات المسلحة في سوريا، ثم يضيف بلهجة حائرة “لست أدري كل ذلك لأجل ماذا؟ لأجل ماذا صبرنا؟ لكي ننزح أخيراً بهذه الطريقة ونهجر بيوتنا وأحبابنا؟!”

(لحظة صعود المهجرين على متن احدى الحافلات في نقطة التجمع في ساحة مدينة المعارض في حي الوعر. تاريخ الصورة: 27/3/2017. تصوير: ماهر الخالد/ خاص حكاية ما انحكت)

حيان، ليس إلا شاباً من آلاف الشباب الذين يشملهم سن السوق للتجنيد الاجباري أو خدمة الاحتياط، والذين فضلوا البقاء في الحي الذي خرج عن سلطة الحكومة السورية منذ عام 2011 ولم يسافروا خارج البلد على أمل انتهاء الحرب يوماً ما، وبهذا يعفون من قانون الخدمة الالزامية أو طلب الاحتياط. ولكن بعد أن أصبح تسليم الحي أمراً واقعاً ولم يبق أمامهم إلا أسابيع قليلة لتنتهي خروج جميع الدفعات، قرّر بمعظمهم التسجيل على الخروج ورفضوا البقاء خوفاً من نفس الموضوع القديم-الجديد الذي يشغل بالهم وهو الخدمة الإجبارية في جيش النظام السوري.

لكن الأمور لا تنتهي عند هذا الحد، فإن كان الشباب تحت سن الـ 40 قد حسموا خيارهم بسرعة وقرّروا الخروج إلى مناطق سيطرة المعارضة، إلا أنّ القرار الأشدّ صعوبة كان من نصيب ذويهم وأقاربهم، فاختلطت لديهم الأولويات والمسؤوليات والمخاوف والتوقعات، فبين التمسّك بالجذور والتعلّق بالابن المسافر احتارت الأهالي وانقسمت العائلة الواحدة في قراراتها وبعض العائلات سحبت طلبها للتسجيل على الوجهة المختارة وأعادته أكثر من مرة.

“سجلنا ع إدلب كرمال نروح فوراً ع تركيا، بعدين طلع التهريب مو بهالسهولة وبكلف كتير، فقررنا نغيّر ع جرابلس”، بهذه العبارة تبرّر أم رامي وجودها مع مجموعة من الأهالي عند أحد مراكز التسجيل رغم انتهاء الفترة التي تمّ الإعلان عنها لاختيار الوجهة. ولدى الحديث معها تبيّن أنّها موظفة حكومية وعمر زوجها يتجاوز السن المطلوبة للاحتياط، ولكنهم فضّلوا الخروج مع أبنائهم الثلاثة خوفاً عليهم “الكبير عمرو 26 ومطلوب احتياط، الوسطاني عمرو 20 ومطلوب خدمة الزامية، والصغير عمرو 15 سنة يعني كمان قرب على عمر العسكرية” تقول أم رامي، وهي تلف رقبتها براحة يدها لتهدّئ من غصّتها، ثم تضيف بصوت مبحوح “عندي شعور فظيع بالقهر، ما بدي اترك بيتي، أغراضي، ذكرياتي، بس كمان ما فيني اترك أولادي بهاد العمر”.

عند مركز التسجيل للوجهة المختارة (إدلب، جرابلس، ريف حمص الشمالي)، يتناصح الناس فيما بينهم ويتبادلون المعلومات التي حصلوا عليها ممن سبقوهم إلى إحدى هذه الوجهات الثلاث. وبدأت بعض العبارات التي تردّدت أكثر من مرّة على لسان أكثر من شخص تأخذ عناوين عريضة يتم تداولها في الحي كحقيقة علمية “إدلب فيها بيوت رخيصة للأجار”، “مشكلة إدلب إنها خطرة وفيها قصف”، “يلي بدو يسافر ع إدلب يعني اختار يسافر ع تركيا تهريب”، “راح تفوت الشيعة ع الحي وتسكن فيه”، “قوات النظام راح تعتقل كل مين راح يبقى بالحي”، “جرابلس آمنة ولكن تأمين البيت صعب جداً”، “إذا بتقدر تعيش بخيمة روح ع جرابلس”، “الريف راح يلحقها مصير الوعر”.

تنسل أم رامي من محادثة نسوية لتترك السيدات خلفها يتابعن حديثهن، تجرّ قدميها بصعوبة وتحبس دمعة أبت إلا أن تفيض في عينها دلالة على أن لا جدوى من الحديث، وتعلّق لموقع حكاية ما انحكت “كل هاد ع الفاضي، عم نغرق بالتفاصيل ونسلّي حالنا أنو أي وجهة أفضل نختارها إدلب أم جرابلس. بس نسيانين شغلة مهمة.. النتيجة وحدة.. راحلين من هون!”.

تشجيع على البقاء …  ولكن؟

بحسب الاتفاق، يتم تأمين خروج من يرغب من الأهالي مع المسلحين على شكل دفعات أسبوعية بمعدل بين 1500 و2000 شخص كل أسبوع ويتوقع أن تستمر الدفعات حتى منتصف شهر أيار، يتبعها دخول شرطة مدنية سورية وروسية، وبعد تمشيط الحي وتأمين من يبقى من الأهالي من خلال الإشراف الروسي الذي يفترض أن يردع أيّ عملية انتقامية، يسلّم الحي بشكل كلّي لقوات الحكومة السورية. وهذه النقطة بالذات هي ما تخيف الناس وتفسح المجالات لانتشار الشائعات، فما مصير من يبقى بعد تسليم الحي؟

(طفل ينظر من الباص لحظة صعود المهجرين على متن احدى الحافلات في نقطة التجمع في ساحة مدينة المعارض في حي الوعر. تاريخ الصورة: 27/3/2017. تصوير: ماهر الخالد/ خاص حكاية ما انحكت)

 هذه التكهنات لا أحد يملك الإجابة عنها رغم أنّ الحكومة السورية قد أعلنت وعلى لسان محافظ حمص، طلال البرازي، مراراً وتكراراً، أنّه لن يساء لمدني يبقى في الحي، وأنّ الحكومة تشجع الأهالي على البقاء. وكانت الحكومة السورية قد بادرت في محاولة لإبراز حسن نيتها تجاه الأهالي بأن طلبت من لجنة التفاوض الممثلة عن الحي تسجيل أسماء من يرغب في العودة إلى الحي من العائلات التي نزحت إلى جرابلس وإدلب في الدفعات السابقة بحال ندمت بقرار خروجها وقرّرت العودة إلى حي الوعر.

ولكن كلّ هذه التطمينات على ما يبدو لم تثن من تبقّى من عائلات في الحي عن قرارها بالخروج مع الدفعات المتبقية ليتكرّر مشهد التهجير أسبوعياً، حيث تشهد ساحة مدينة المعارض تجمهراً بشرياً حول الباصات الخضراء التي تدخل الحي لتقل العائلات نحو وجهتها التي اختارتها. هناك توّدع الناس بعضها، نظراتهم تخلو من الأمل وكثير منهم يرفض التحدث لوسائل الإعلام. هناك وأمام أحد الباصات تتردّد إحدى الشابات بالصعود إلى الباص بعد توديع قريبة لها، تلقي نظرة فاحصة على كلّ ما حولها ثم تنظر موطئ قدمها وتستمر مكانها، كأنّها اكتشفت أنّها خطوتها الأخيرة في حيّها الذي ربما لن تدوسه قبل سنوات،  لم تبق على هذه الحالة كثيراً فقد دفعتها سيدات أخريات ضقن ذرعاً منها إلى داخل الباص لتختفي عن الأنظار.

عند الباص المقابل يقف رجل عجوز لا يحمل أمتعة مما يدل على أنّه ينوي البقاء، يمسك يد حفيده بقوة، وتحين لحظة صعود الطفل برفقه والديه إلى الباص، يضم العجوز ولده بيد واحدة ويده الأخرى ما تزال ممسكة بيد حفيده، “من شان الله بابا خليني مع جدو”، يقول الطفل وعينيه ممتلئتان بالدموع، ولكن الأب يسحب يد ابنه ويفلتها من يد جده بصعوبة ثم يقبّل جبين والده العجوز مرّة أخرى، ويقول جملته الأخيرة “سامحني يا أبي مو بكيفي طالع” ليصعد بسرعة إلى الباص مع زوجته وولده ويتوارى هو الآخر عن الأنظار تاركاً العجوز واقفاً بمفرده في الساحة.

استمرت ترتيبات خروج الدفعة السادسة المقرّرة إلى جرابلس بتاريخ  24/ 4/2016 يوماً كاملاً مما أصاب الأهالي  بالأعياء والتعب الشديد. ليكون الحي على موعد متكرّر من نزيف التهجير القسري مطلع الأسبوع القادم.

يذكر أنّ حي الوعر الذي تسيطر عليه فصائل عسكرية معارضة كان قد تعرّض لعدّة حملات عسكرية عنيفة، وتمّ إطباق الحصار عليه بشكل تدريجي من قبل قوات النظام السوري مدة خمس سنوات ليشهد موجات نزوح فردية أدت إلى تقلّص عدد المدنيين. وبعد التصعيد العسكري الأخير على الحي مطلع شباط 2017 الذي تمّ فيه استخدام قنابل (نوع مظلي) وفقاً لشهادات النشطاء والأطباء المحليين.

 للمرة الأولى منذ 2011. استسلمت قوات المعارضة المسلحة أخيراً، وافقت على الخروج من الحي بشرط السماح لمن يرغب من المدنيين بالخروج أيضاً نحو مناطق المعارضة في إدلب وجرابلس وريف حمص الشمالي.

(الصورة الرئيسية: طفل ينظر من الباص لحظة صعود المهجرين على متن احدى الحافلات في نقطة التجمع في ساحة مدينة المعارض في حي الوعر. تاريخ الصورة: 27/3/2017. تصوير: ماهر الخالد/ خاص حكاية ما انحكت)

 

شارك المقالة: