الشباب الخائفون.. الخدمة الإلزامية للذكور

الشباب الخائفون.. الخدمة الإلزامية للذكور

رافيا سلامةرافيا سلامة

صحفية وناشطة نسوية سورية تقيم في ريف دمشق، تكتب لعدد من المواقع السورية والعربية، تنشط في مجالات تمكين المرأة والدراسات النسوية. كما تعمل في مجال السينما الوثائقية.

بقلم .

(ريف دمشق)، “والله حرام على شب يطلع من بيته”. يلّف سائق الميكروباص المقود بغضب، بعد وقوف طويل في انتظار الشابين الصغيرين والكهل المتعب ليأتوا ببطاقاتهم الشخصية من الحاجز، بعد التحقّق من كونهم غير مطلوبين لخدمة جيش أو تهمة ما، ما يعرف في سورية بعملية “التفييش”.

كثيرة هي نقاط التفتيش أو الحواجز العسكرية، بأشكال ثابتة و”طيارة” أي مفاجئة. تمارس مهمات مختلفة يبدو أنّ آخرها، وهو السحب إلى الخدمة العسكرية، يجعل الحركة في الحيّز العام للذكور بين 18 و42 من العمر (وبالتالي عملهم وحياتهم) مرهونة بسلسلة شروط معقدة، أمام خيارات تتراوح بين الكارثية إلى المزعجة.

 لكلّ شاب حكاية، يعيش يومياته متاعب متصلة لا يخرجها إلا غضباً أمام مقرّبين، ولبعض غرباء ممن يشاركونه الهمّ نفسه إن أمن جانبهم. الحل غالباً ما يكون ترك البلاد، وغير ذلك عذاب متصل يبقى الأمر في حيّز الفردي، قصص عادية لناس عاديين، ما اعتقلوا وما ماتوا ولم يحسب لهم حتى شرف ثورة، قصص هي الأقل تناولاً، الأكثر تأثيراً.

إزعاج لا أكثر، امتهان لا أقل

من الممكن لمن يعتبر محظوظاً اليوم، مؤجلو الخدمة الإلزامية أو المعفيون كوحيدين أو لأسباب صحية التحرّك بشجاعة في أرجاء البلاد، هذا لا ينجيهم من أوقات لا توصف بالأكثر سعادة عند تفييشهم للتأكد من سلامة التأجيل، أو لمجرّد الإزعاج والإهانة.

 سامر حسن (اسم مستعار) شاب عشريني، مؤجل دراسياً بحجة الماجستير، هو لا يهتم كثيراً بالتأهيل التربوي الذي تمّ قبوله لاختصاصه بعد دراسة اللغة الإنجليزية، هو حتى لا يريد النجاح، “أحتاج البقاء خارج الحرب فقط” يؤكد. لكن العسكريين على الحاجز يعرفون كلّ هذا بسليقة سورية يلعب الجميع فيها ضد بعضهم مكشوفين مختبئين، يعرفون ويمارسون سلطتهم مسيئين لسامر كلّ مرة بطريقة، فمن إبقائه واقفاً ساعات عند حاجز برزة حتى يستعيد هويته، إلى إنزاله من الباص في ذروة الازدحام ليدع عسكري شهم فتاة تجلس مكانه، حيث يرى هذا الأخير ألا مكان لشاب اليوم إلا على الجبهات.

وللحصول على التأجيل حكايات لا يخجل أصحابها من سرد غرابة محاولاتهم. “فترة التسمين دون الذبح” كما يسميها مهند (اسم مستعار)، هي الوقت بين بداية العام والفحص الطبي للخدمة الإلزامية في شهر آذار، يأكل كلّ يوم ما يزيد عن 5000 حريرة ليزيد وزنه ويحافظ على التأجيل الذي ناله لعدم صلاحيته للخدمة. أهمل رائد (نذكر الاسم الاول فقط) مهندس الكمبيوتر عينه اليمنى الكسولة حتى باتت بحكم العمياء؛ كان هذا كي يستطيع الحصول على تأجيل بحجّتها. هؤلاء وغيرهم ممن يستطيعون إيجاد وسيلة لإرجاء الخدمة بشكل نظامي والبقاء في البلد محسودون من قبل كثيرين لا يملكون عجزاً يقعدهم عن الذهاب للجيش أو لم يسعفهم التفكير بواحد يستطيعون تحقيقه في الوقت المناسب، قبل أن تدق ساعة السحب.

غيرهم، المتخلفون

لا أرقام دقيقة لعدد المتخلفين عن الخدمة الإلزامية في سوريا، أسماء أكثر من نصف مليون مطلوب نشرت على موقع “زمان الوصل” المعارض في عام 2016. من الواضح أنّه ليس لأحد (إلا قلّة من مؤيدي السلطة) رغبة في الذهاب إلى الحرب، وبشكل تلقائي يحوّل هذا معظم الشبان في سن الخدمة الإلزامية أو الاحتياط ممن اختارهم سوء الحظ إلى متخلّفين، هؤلاء القابعون خوفاً في منازلهم أو الهاربون خارج سوريا بغير أمل قريب في العودة.

سعيد (نذكر الاسم الأول فقط، رغبة منه) لا يغادر منزله منذ أصبح متخلّفاً عام 2012 بعد تأجيلات دراسية متعدّدة في الجامعة والدراسات العليا، “لا أظنّني عشت السنوات الخمس الماضية، الشيب وبدايات الصلع تفاجئني كلّ مرة أنظر في المرآة”، فهو يقضي وقته على الأنترنت معتمداً تماماً على أهله لإعالته وهو الشاب الذي بلغ الثلاثين، العام الماضي. يعاني خوفاً مزمناً يلزمه البيت وغرفته فقط أحياناً، يرتعد لطرقات الباب، أو أي تواجد لعسكريين قرب نافذته، وكثير مما يختاره القلق المزمن الذي يعانيه، ليكون سبباً للخوف.

الاحتياط

أواسط عام 2014 بدأ سحب الاحتياط لتلبية نقص العدد في الجيش السوري، منذ ذلك الحين وباضطراد بات الرهان هو العودة إلى المنزل بعد الخروج منه يومياً. “نلعب الروليت الروسية على حياتنا”، يهزأ نورس الذي يفيّش اسمه كلّ شهر تقريباً ليتأكد أنّه ما زال بإمكانه العيش في دمشق والتنقل بين عمله وبيته ومشاويره القليلة لملاقاة من ما زالوا مثله يستطيعون البقاء في البلاد، هذا لا يتركه دون خوف، كلّ حين وآخر يسمع فيه قصص صديق تأكد من سلامة وضعه المدني ليفاجئ بسحبه عند حاجز طيار بعد يومين مطلوباً للاحتياط، “لا يعرف أحد متى تنزل قوائم جديدة”، كلّ ما يمكن فعله هو الاستمرار في الحياة وغض الانتباه عن الضغط المحيق بهم.

حسين (نذكر الاسم الأول فقط)، الموظف الأربعيني الذي طلب إليه الالتحاق بالفيلق الخامس (اقتحام) مرّشحاً إجبارياً من قبل مدراءه في العمل، موظفاً في محافظة دمشق، اعتذر لإصابته بالربو ومسؤوليته عن طفلة في التاسعة. إلا أنّ القرار قد صدر، حتى أنّه فقد الحق في الدوام مكان عمله، وبات مطلوباً بعد أسابيع لتخلّفه عن الالتحاق بخدمته المفترضة. ينتظر اليوم حكم المحكمة الإدارية التي رفع فيها دعوى يطالب فيها بإعادته لمقرّ عمله “أرغب بشدّة بالمشاركة بالدفاع عن وطني ضد الإرهابيين، لكني لا أستطيع ذلك” كان عليه أن يكتب في معروض دعواه.

العسكريون، الاحتفاظ

المشكلة في العسكرية اليوم سوى الاحتمالات المرعبة للموت أو العجز الجسدي هو أنها لا تنتهي. ما زال أبناء الدورة 102 التي التحقت بالخدمة في 2010 في الجيش حتى اليوم؛ من بقي منهم حيّاً على الأقل. كلّ الدورات بعدها تواجه نفس المصير “الاحتفاظ المؤبد” كما يسميه العسكريون اليوم. بعضهم يتسبّب بإصابة نفسه كي يعفى من استكمال نمط حياة هو الأسوأ في ظرف الحرب هذا، حيث لا طعام ولا راتب يكفي وشظف العيش هو القاعدة، هذا قدر من لا يمتلكون المال لرشوة الضابط المسؤول كمعظم أبناء العائلات المرتاحة مادياً، وإكمال الخدمة دون دوام فعلي في القطع الحربية المخصّصة، أو ببساطة ترك البلاد والسفر قبل مواجهة كلّ هذه الاحتمالات.

للبؤس شكل الحياة

الاحتياط والسحب المفاجئ يحوّلان الحال الاقتصادية لأسرة ما إلى كارثة، “إذا مت تحصل عائلتي على تعويض يفيدها أكثر من وجودي حيا”. هذا ما يقوله سومر، العسكري الاحتياط والوالد لطفلتين. يخدم سومر على جبهة في ريف الجزيرة بعيداً عن الحياة المدنية، فيما يتاح لبعض العسكريين العمل إلى جانب الخدمة، إذ أصبح من العادي اليوم أن ترى بائع فول على عربة بلباس عسكري، سائق تكسي أو حمالاً، فاللون الزيتي والقماش المموّه يحتل مرتبة أكثر الألبسة انتشاراً دون منازع في شوارع المدن حيث يحكم النظام، متعبون هم وبائسون، ويغارون من كلّ شاب يمشي مدنياً لا تلاحقه همومهم التي لا يلقي لها أحد بالاً.

عن النساء

لا يخفي كثير من الذكور اليوم امتعاضهم من كونهم مطالبين بكلّ ما اعتادوا فعله من قبل من تأمين العيش وتوفير الحماية، وبعدم قدرتهم منطقياً على كلّ هذا. يرون النساء مرتاحات، محظوظات وحتى طفيليات، فلا يستحي سائقو سيارات الأجرة التعبير عن حسدهن للنساء إذ لا تطلب بطاقاتهن الشخصية عند حواجز كثيرة، ولا يسألون عن تأجيل أو خدمة، ولا يغفل الشبان في الجامعة تذكير زميلاتهن أنهنّ لا يحملن همّاً مثلهم، ولا يدع حتى الناشطون مناسبة للسخرية من حقوق المرأة كلّ حين، مرددين الجملة الشهيرة “آن أوان المطالبة بحقوق الرجل”.

قد يكون في وجهات النظر تلك إجحاف يتجاهل عشرات أشكال التمييز المعلنة والرمزية ضد النساء، وفيه طريقة مواساة رائجة في البلد يتمنى فيها المرء السوء الذي يصيبه للآخرين كيما يقل إحساسه بالغبن، فالعسكري النظامي يتمنى للقوات الرديفة خدمة كخدمته الجائرة، ويتمنى كلاهما للمؤجلين سحباً مفاجئاً رغم أعذارهم التي يعتبرونها حججاً واهية، وكلهم يحسدون النساء لكونهم خارج هذه المعادلة، رغم أنّهم الرجال وليس النسوة من وضع القوانين التي منها يعانون.

تغيّر ديموغرافي وزواج

يحدث فقدان الشبان في الحرب واللجوء تغيّرات إجبارية في بعض الأنظمة الاجتماعية، فصفحات مواقع التواصل الاجتماعي تستعمل للخطبة والزواج، والفتيات بتن لا يخجلن من عرض مواصفات الطول واللون والعمر والتفاعل مع طلبات الخاطبات اللائي تغيّر عملهن من نقر أبواب البيوت إلى وضع المنشورات. كثير من حفلات الخطوبة تنتقل إلى بيت الشاب خلافاً للعادة لعدم تمكنه من الحركة، وليس غريباً أن تعقد حفلة زفاف دون عريس كونه خارج البلاد. هذا طبعاً في حال القدرة على الزواج إثر الظرف المادي المروّع الذي يعيشه الجميع بفعل الحرب.

لكن، بالمجمل لم يعد هناك من (عرسان) حسب هلا ذات الثلاثين عاماً، التي قرّرت الانتقال إلى بيروت علّها تحظى بشريك مناسب “عينتنا العمرية لم تعد موجودة في البلد” تؤكد.

عطالة إجبارية

تطلب طعاماً إلى المنزل فيعتذر صاحب المطعم “لا يرغب الشبان بعمل فيه تنقّل كثير تحاشياً للمضايقات”، ترجو تقني الكهرباء أن يرسل عاملاً يشرف على صيانة الكهرباء في المنزل “آخر شابين ذهبا للاحتياط”، تسأل عن الشامبو الذي تعتاد استعماله في محل المنظفات “لم يعد الموّزع يعمل فلديه خدمة علم”.

صعوبة الحركة تعني صعوبة العمل بشكل مباشر، في سوق مبرمج بشكل ذكوري بالكامل. مهن كالحمالين والسائقين باتت للشيوخ، ومهن المساعدين في الورشات بشكل عام باتت للأطفال. النساء يدخلن بخجل مجالات لم يعهدنها لكنها لا تنبأ بتغييرات عملية كبيرة، هنّ بائعات ومضيفات ومساعدات في أحسن أحوالهن، دون أن يحللن مهنيات لتغطية النقص الحاصل.

السفر

“الهريبة تلتين المراجل” يقول شادي ذو العشرين عاماً، طالب الطب ودارس اللغة الألمانية بغية متابعة الماجستير في إحدى جامعات ألمانيا، ليفرّ من الخدمة. تقضي العائلات سنواتها الأخيرة مع أولادهم الشباب، معظمهم على أهبّة رحيل ما، فليس من أم تريد لابنها مصيراً كشهيد.

الحلي الذهبية والبيوت تباع لدفع تكاليف الدراسة، الديون تتراكم على الأهل وأمل ضعيف بمستقبل يعينهم فيه المسافر الصغير يوماً ما. آباء وأمهات وحيدون في كلّ مكان، والفتيات فقط من يبقين للعون. زينة الفتاة الثلاثينية سعيدة بخبرتها الجديدة في تصليح أعطال كهربائية وتمديدات صحية مختلفة إذ أصبحت هي المسؤولة عن أمور كهذه بعد سفر أخوتها الاثنين هرباً من الجيش.

الإجرام

يلتحق من ضاقت به السبل إلى أحد القطع الرديفة. تقدّم راتباً أفضل، ويستفيد عناصرها من ميّزات السلطة مثل أيّ عسكري نظامي دون أن يطالبوا بنفس الالتزام، أي الارتحال إلى أماكن فرز بعيدة، والصبر على قلّة الراتب والطعام والاحترام، ويمكن طبعاً المشاركة في حملات (التعفيش) أي سرقة البيوت في المناطق المستعادة من قبل النظام.

مأساة لتستمر

ذكور غير معنيين بالحرب من قريب أو بعيد، مصابون بأضرارها كلّ بطريقته ككلّ سكان البلد، لكنهم مجبرون وحدهم على الذهاب إليها بقوة القانون وإلا باتوا فارين من السلطات.

يبدو التفكير بحل ضرباً من الجنون، البلاد في قيامة تأخذ أشكالاً مختلفة حسب المكان والتوقيت، ولعنة مناطق النظام بعد الإفقار وأزمات البنى التحتية المتتابعة هي هذا السلب الكبير لحياة البشر، هي هذه الاستهانة بمصائرهم ورغباتهم المسمّاة “الدفاع عن الوطن”، هذه التي لا يعتقد بها أو يريدها إلا قلّة، هذه التي تفرّغ البلد يوماً بعد يوم من طاقاته وشبانه، بقتلهم أو إعجازهم، طردهم أو حبسهم، وما لم يوجد حل نهائي للصراع السوري فجميع من يرتدي اللباس العسكري راغباً أم كارهاً محكوم بمصير مهلك، وبأمل أن يتغيّر شيء ما، جميعهم منتظرون، جميعهم خائفون.

(الصورة الرئيسية: ملصق للرئيس السوري عند نقطة تفتيش على مشارف دمشق، 14 يناير/ كانون الثاني 2012 (E. Arrott/VOA via Wikimedia Commons))

(ملاحظة: الأسماء في هذا التحقيق مستعارة لأسباب أمنية تتعلق بحماية الشهود، وفي بعض الأحيان تم ذكر الأسماء الأولى)

شارك المقالة: