رامة كديمي: بوجود ترامب في الحكم، يواجه السوريون مستقبل قاتم وغامض

رامة كديمي: بوجود ترامب في الحكم، يواجه السوريون مستقبل قاتم وغامض

بقلم . ترجمه‫/‬ته إلى العربية .

بعد أيام، سيحيي العديد من السوريين والسوريين/ الفلسطينيين ومناصيريهم، الذكرى السادسة للإنتفاضة السورية.

 في خضم الحوارات الدبلوماسية الجارية التي تعرّي مدى تعلّق مصير سوريا بقوى خارجية، من المهم تقييم التحديات والمناقشات التي تواجه السوريين العاديين.

في مارس٢٠١١، تظاهر محتجّون سلميون في الشارع في مواجهة قوات الجيش والميليشيات الأسدية. إلا أنّ المعركة تحوّلت بعد ٦ سنوات لتصبح معركة ما بين أنظمة (النظام الأسدي، روسيا، ايران، تركيا، السعودية، قطر، الأردن، الولايات المتحدة) وجهات فاعلة غير حكومية (داعش، جبهة فتح الشام، أحرار الشام، الخ) ضد شعب عالق بأغلبيته ما بين الطرفين.

شاركت رزان غزاوي في احتجاجات عام ٢٠١١ في سوريا واعتقلت مرتين من قبل النظام الأسدي. تهديدات بالاعتقال للمرة الثالثة أجبرتها على الهروب من بلادها. ومع ذلك، في عام ٢٠١٣، عادت للعيش في كفرنبل، وهي بلدة خارج سيطرة الحكومة، قبل الدخول في برنامج الدكتوراه في جامعة ساسكس.

 هنا، تقوم غزاوي بمقابلة مع الناشطة الأهلية الأمريكية رامة كديمي حول قضايا النشاط الشعبي والتضامن العابر للحدود الوطنية، السياسة الأمريكية، ومواقف اليسار حول سوريا. تناقش الاثنتان الحاجة إلى إعادة التفكير في استراتيجيات التعبئة والمناصرة في خدمة حماية الشعب، العدالة والمساءلة في سوريا. (الحوار نشر بالنسخة الأولى والانكليزية على موقع Jacobin، وترجمته حكاية ما انحكت إلى العربية/ ترجمة نجوى صبرة)

(1): الأسابيع الأولى لترامب في الحكم كانت حافلة بالأحداث، فقد وقّع على عدة أوامر تنفيذية مقلقة للغاية. اثنين منها على وجه الخصوص سيكون لها تأثير فوري على سوريا: الأول هو ما يسمى بـ “الحظر الإسلامي،” والذي يتضمن رفض لأجل غير مسمّى لدخول اللاجئين السوريين الى الولايات المتحدة، والثاني يدعو وزارة الدفاع إلى تقديم خطة لتصعيد الحرب ضد داعش. ما الذي يعنيه هذا من حيث سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا مستقبلاً؟

كان هناك الكثير من الخوف عند المجتمعات في جميع أنحاء العالم بعد انتخاب ترامب. وقد ثبتت مشروعية كلّ هذه المخاوف بتوقيعه هذه الأوامر العنصرية واليمينية. استمرار الإدارة الأميركية في  نشر السردية الإسلاموفوبية بأنّ اللاجئين السوريين هم إرهابيون  إلى جانب حرصها على توسيع “الحرب على الإرهاب” في شراكة مع بوتين أمر لا يبشر بالخير فيما يخص إنهاء الحرب في سوريا، ناهيك بما يضمن الحرية والكرامة للشعب السوري، خاصة بالنسبة لقدرة اللاجئين على العودة إلى ديارهم.

سيكون هناك الكثير من سفك الدماء، ففي ظلّ إدارة أوباما كان هناك لفترة ما على الأقل ادّعاء بأنّ حكومة الولايات المتحدة تدعم الثورة، هذا ليس الحال على الإطلاق مع ترامب. الأولوية بالنسبة له هي هزيمة “الإرهاب الإسلامي المتطرف”، كما أعلن خلال خطاب تنصيبه. ولتحقيق ذلك، هو سيعمل مع أي أحد بما في ذلك الأسد الذي يدّعي أنّ له نفس الأولوية. لذلك سوف تستمر الولايات المتحدة في نفس مسار الهجمات تحت إطار الحرب على الإرهاب في سوريا، ولكن بشكل مكثف أكثر وبطريقة تدعم الأسد بصراحة أكبر.

(2): وسائل الإعلام الحكومية الأسدية والمدافعون عن النظام صوّروا حلب في نهاية عام ٢٠١٦ كرمز لـ “النصر” ضد “الإرهابيين”. برأيك، كيف يجب أن نرى حلب، ولا سيما أنّ منطقة وادي بردى هي حالياً كذلك تحت قصف مكثف من قبل النظام؟

ما حدث في حلب كان يحضّر له منذ أعوام. النظام وداعموه قاموا باستخدام هذا التكتيك من الحصار والطرد الجماعي لمقاتلي المعارضة والمدنيين لاستعادة السيطرة على أجزاء أخرى من البلاد مثل حمص وداريا. الولايات المتحدة تخلّت لفترة من الوقت عن التظاهر بأنّها تدعم تطلعات الشعب السوري في العيش حرّاً من نظام قمعي، وتنحت جانباً للسماح لروسيا وإيران بفعل ما تشاءان في سوريا.

ونحن الآن في عصر أعمال حربية لا تحاول حتى الالتزام بأيّ من معايير القانون الإنساني الدولي الأساسية، كما يتضح على سبيل المثال من العدد المتزايد من الهجمات على المستشفيات ليس فقط في سوريا، ولكن في اليمن وأفغانستان كذلك، واستمرار استخدام الأسلحة الكيميائية من قبل الأسد في سوريا دون محاسبة.

رأينا كلّ هذه الحقائق مجتمعة في حلب. ومن المعيب على المجتمع الدولي أنّ ما حَفظ السوريين من القتل الجماعي في حلب هو طردهم جماعياً من منازلهم، الذي هو بحدّ ذاته جريمة حرب، بحيث يتم استخدام جريمة حرب واحدة للتخفيف من معاناة الناس في مواجهة جريمة حرب أخرى.

الفظائع التي وقعت في حلب والانعدام التام لأيّ مساءلة أعطت الأسد وحلفائه الضوء الأخضر لمواصلة هذه التكتيكات لاستعادة السيطرة على مناطق في جميع أنحاء البلاد، وبالفعل نحن نشهد نتيجة لهذا في وادي بردى. لا يبشر المستقبل القريب بالخير للسوريين فيبدو أنّ النظام سيبقى في السلطة في الوقت الراهن وهناك ترسيخ لدور مؤيدي الأسد في تحديد مستقبل سوريا.

(3): مؤخرا، اقترحت روسيا “وقفاً لإطلاق النار” بالتعاون مع إيران وتركيا. ماذا يعني هذا للناشطين الأهليين في سوريا؟

روسيا، إيران، وتركيا دول تلعب دور قوات محتلة في سوريا، وفي هذه المرحلة لا يبدو أنّهم يكلّفون أنفسهم عناء استشارة حتى النظام حول مستقبل سوريا، لأنّ كلّ دولة تسعى لإقامة مناطق نفوذ لها وللحصول على ما يريدون من أجل مصالحهم الخاصة. تمّ إقصاء الشعب السوري من المناقشات حول مستقبل بلدهم من قبل مختلف القوى المتدخلة، ومن المثير للضحك أنّ الأسد وأنصاره يستمرون بالادّعاء بأنّه يدافع عن سيادة سوريا في حين أنّه سلّم البلاد إلى دول أخرى وميليشيات أجنبية.

واجهت الانتفاضة قدراً كبيراً من النكسات وقد نجحت مختلف القوات المعادية للثورة في الوقت الحاضر في إحباط طموحها من أجل الحرية والكرامة. من المهم الآن بالنسبة للسوريين والمتضامنين مع الثورة إعادة تجميع صفوفهم لفهم كيف ستؤثر أحداث حلب إلى جانب رئاسة ترامب على المستقبل.

(4): أريد رأيك في ترامب باعتبارك ناشطة يسارية أهلية أمريكية. في عهد أوباما، تركز الكثير من التنظيم والضغط السوري/ الأمريكي على صناع القرار في الإدارة الأمريكية، على أمل التأثير على سياستها الخارجية في سوريا. هذا لم يجدي نفعاً على مدى السنوات القليلة الماضية. والآن بعد وصول ترامب للحكم، هل تعتقدين أنّه على السوريين مواصلة تركيز جهودهم على التأثير على واشنطن؟

ركزت أغلب الجماعات السياسية السورية/ الأميركية السائدة في السنوات القليلة الماضية على التأثير على إدارة أوباما والضغط على الكونغرس لدعم الثورة. وتشمل الأمثلة على هذا الضغط الطلب بإقامة منطقة حظر الطيران وفرض العقوبات ضد النظام. ولكن منذ البداية، أخطأ الأمريكيون/ السوريون بافتراض أنّ الولايات المتحدة تسعى لتغيير النظام، وأنّ هذا يمكن أن يستغل لصالح الثورة.

قامت هذه الفكرة على أنّ النقاد السياسيين الأمريكيين يعتبرون النظام السوري عدو، وكذلك على تحالف سوريا مع إيران، وهي دولة يتحيّز الكثير من المحافظين الجدد والصهاينة الفرصة لإضعافها والهجوم عليها. في حين تكلّم أوباما ضد النظام، وحتى دعا الأسد إلى التنحي، فالواقع أنّ الولايات المتحدة فعلت الكثير للحفاظ على النظام خلال السنوات الخمس الماضية.

لمَ قد تريد الولايات المتحدّة التخلّص من زعيم لطالما كان مفيداً واستبداله بآخر من شأنه أن يكون فعلياً ديمقراطياً ومناهضاً للإمبريالية؟ كان الأسد يخدم مصالح الأمن القومي الأميركي لسنوات: شاركت سوريا في برنامج الترحيل السرّي لوكالة المخابرات المركزية، وأبقى النظام الحدود مع إسرائيل هادئة على مدى عقود، كما كان البلد يمرّ بإصلاحات اقتصادية نيوليبرالية لصالح الرأسمالية العالمية.

قدّمت الولايات المتحدة بعض التدريب والإمدادات الأساسية لجماعات متمرّدة مختلفة، ولكنها أيضا منعت إرسال أسلحة أكثر تطوّراً، وطلب من الذين تمّ تدريبهم تركيز المعركة على داعش، وليس النظام. والأهم من ذلك، حين تدخلت الولايات المتحدة مباشرة في سوريا في سبتمبر ٢٠١٤، كان ذلك لقصف القاعدة وداعش، وليس النظام، وحتى قبل انتخاب ترامب، كان أوباما وبوتين يكثّفان التنسيق بينهما حول سوريا.  لم تفعل الولايات المتحدة أيّ شيء لدعم تطلعات الشعب السوري من أجل الحرية والكرامة.

أخطأ العديد من المجموعات السياسية السورية/ الأمريكية بالتظاهر بأنّ حكومة الولايات المتحدة التي قمعت الثورات في جميع أنحاء العالم قد يكون لديها أيّ نوايا طيبة تجاه الثورة السورية. ومن المعيب على العديد من المجموعات السياسية السورية/ الأمريكية هو تجاهلها لقمع الولايات المتحدة للثوار في مصر، البحرين، اليمن، العراق، فلسطين، والقائمة تطول، لأنّ بعض الساسة في الولايات المتحدة أدانوا جرائم حرب الأسد.

الدعوة للمناصرة السياسية سوف تستمر تحت حكم ترامب، ولكن الآن هناك فرصة لإعادة التفكير في الاستراتيجية والضغط من أجل سياسة خارجية تحترم فعلياً حقوق جميع الناس وتطالب بالمساءلة عن جميع جرائم الحرب، وهذا لن يساعد السوريين فحسب، بل كلّ هؤلاء الذين يقاتلون من أجل الحرية.

 

(5): أثار ترامب موجة من المقاومة تشمل شريحة واسعة من الأمريكيين، كما هو واضح من خلال التعبئة واسعة النطاق ضد سياساته. لماذا يجب على السوريين التنظيم على المستوى الشعبي مع المجتمعات المحلية بدلاً من مجرّد التركيز على استهداف صانعي القرار في الحكومة؟

بالنسبة لي، السلطة تبنى من الأرضية صعوداً. وهذا يبدأ من خلال بناء قاعدة لك في المجتمعات المحلية. رئاسة ترامب هي فرصة للسوريين في الولايات المتحدة لاتخاذ بعض الدروس الرئيسية من خبرة التنظيم تحت أوباما والتفكير مليّاً لاختيار مع من نريد بناء علاقات من أجل تعزيز مجتمعنا، وخاصة اللاجئين السوريين، الذين هم بوضوح من أوّل المجموعات المستهدفة.

خصوصاً بوجود واقع جديد يفرضه كون أولوية ترامب ستكون توسيع الحرب على الإرهاب، وفي سوريا هذا يعني توثيق التنسيق مع بوتين والأسد، أصبح الآن أكثر أهمية من أيّ وقت مضى أن يتعاون السوريون في الولايات المتحدة مع المجتمعات المضطهدة الأخرى لوضع حدّ للآثار المدمرة لإمبريالية الولايات المتحدة، وهذا سيعود بالفائدة على جميع حركات التحرّر.

التحرير الجماعي هو السبيل الوحيد للمضي قدماً. السوريون والمتضامنون معهم بحاجة لضمان كون سوريا جزء من حركة مقاومة ترامب. وهذا لا يمكن أن يتم بطريقة غير مسيّسة تركز على محنة اللاجئين دون إدانة النظام ومؤيديه لكونهم الجناة الرئيسيين في ممارسة العنف ضد السوريين والسبب الرئيسي لفرارهم. في الوقت الذي يتوّطد فيه هذا التحرّك ضد نظام ترامب، من الضروري أن يتوّضح التضامن الأممي مع النضال ضدّ الأنظمة القمعية عالمياً، ويجب أن يكون لسوريا حيّزاً كبيراً في هذا النضال.

(6): السياق الذي يجب على الشتات السوري أن ينظّم نفسه فيه يبدو مقلقاً. هناك اليمين المتطرف الناشئ في أوروبا، والتعاون الأميركي/ الروسي بشأن سوريا الذي أحيا الإمبريالية الروسية، وأخيرا رئاسة ترامب في الولايات المتحدة. ما هي أهداف وتحديات التنظيم على مستوى القاعدة في هذا السياق؟

نحن بحاجة إلى التضامن مع المجتمعات المضطهدة وإلى البناء محلّياً. أسمع بعض السوريين في الولايات المتحدة يسألون: لماذا لا يهتم الناس أكثر لأمر سوريا؟ لكن متى كانت آخر مرة شاركت فيها مجموعة سورية في احتجاج لمجموعة “حياة السود مهمة”، أو في مظاهرة مضادة للترحيل، أو نقاش عن السجناء السياسيين في الولايات المتحدة؟ من واجبنا كسوريين في الولايات المتحدة أن نتكلم عن سوريا بطريقة تساعد الناس على فهم الثورة، لكنّنا لا نستطيع أن نفعل ذلك إن لم نكن على بيّنة من الصراعات التي تجري في محيطنا القريب.

لا يمكن إلقاء اللوم على الناس لعدم اهتمامهم بسوريا في حين لم نظهر نحن اهتماماً بنضالهم، أو حين نسمح لأعضاء من النخبة في الشتات بتحديد جدول أعمالنا.

(7): جزء من معرفة ما يجب القيام به مستقبلاً كسوريين ونشطاء مؤيدين للانتفاضة السورية هو التوقف والتأمل في الأخطاء والاستراتيجيات الماضية. ما برأيك كانت أكبر الأخطاء في مجال المناصرة في السنوات الخمس الماضية فيما يتعلق بالعدالة في سوريا، وما هي برأيك السبل للتقدم إلى الأمام؟

يوجد إشكالية عندما يريد الناس خوض ثورة تقوم على البراغماتية. الثورة تعني انفصالاً كاملاً مع السياسة كالمعتاد. لم ينزل السوريون إلى الشارع ابتداءً من مارس ٢٠١١ من أجل استبدال النظام المدعوم من إيران وروسيا بآخر مدعوم من قبل أي من هذه الأنظمة المختلفة التي تدّعي كونها صديقة لسوريا. لم تمت النساء السوريات على يد النظام لكي يتم قهر النساء الآن من قبل الجماعات المتمرّدة صاحبة المعتقدات الدينية المتطرفة، كلّ بحسب الأنظمة التي ترسل لها المساعدات.

لا يمكننا أن نتجاهل جرائم الحرب من الأنظمة الأخرى لمجرّد أنّ قادتهم يدعمون اللاجئين السوريين. النظام الذي يقصف ويذبح الأطفال في اليمن ليس صديقاً حقيقياً للسوريين. الزعيم الذي يرفض الاعتراف بحق الأكراد بتقرير المصير ليس صديقاً حقيقياً للسوريين. الإمبريالية التي دمرت العراق ليست صديقاً حقيقياً للسوريين. إن كانت هذه ثورة فعلية، فينبغي السعي لإحقاق أقصى المبادئ الثورية.

في الواقع، الرأسمالية، الإمبريالية الأمريكية، وقوى الثورة المضادة المختلفة موجودة، وعلى السوريين التعامل مع هذا الواقع وهم في خضم نضالهم من أجل الحرية والكرامة. لذا، أنا لا أريد الادّعاء أنّه لا ينبغي على السوريين التصرّف على أساس الواقعية من أجل البقاء على قيد الحياة. ولكن نحن بحاجة لأن نحافظ على مبدئية خطابنا حول الثورة ولأن نرفض الأمور كما هي الآن لأنّ هذه هي الطريقة الوحيدة التي تمكّننا من تقويض كلّ من الرجعية والليبرالية السياسية وبناء عالم تحوّلي بالفعل خالي من جميع الأنظمة القمعية.

شيء آخر أريد أن أسلّط الضوء عليه، ألا وهو أنّه من الخطأ عدم إدانة قتل المدنيين السوريين بغض النظر عمن هو المذنب. لا يمكننا السكوت عن أفعال قوات التحالف الأمريكية التي أسفرت عن مقتل أكثر من ألف سوري. لا يمكننا السكوت عن جرائم الحرب المرتكبة من قبل الجماعات المتمرّدة. يجب أن نحاسب باستمرار النظام وداعميه لكونهم المسؤول الأول عن تدمير سوريا وانتشار الطائفية ولكن هذا لا يعني غض النظر عن أفعال القوى الأخرى التي تساهم بالأمر.

(8): هل تعتقدين أنّ بعض هذه الأخطاء تساهم، بشكل أو بآخر، في استبعاد بعض الأصوات التي كانت في البداية متضامنة مع الانتفاضة في عام ٢٠١١؟ كيف يمكننا بناء حركة تضامن عابرة للحدود قوية اليوم على الرغم من كل هذه التحديات؟

أنا لا أريد وضع الكثير من اللوم على السوريين لعدم وجود تضامن مع الثورة. نظام الأسد هو واحد من أكثر الأنظمة وحشية في المنطقة والسوريون تربّوا في دولة استبدادية حيث كان عليك أن تشك حتى في عائلتك. فكيف يمكن للناس في مثل هذا المناخ تنظيم معارضة لهذا النظام الذي كان منذ البداية عازماً على استخدام العنف والطائفية للبقاء في السلطة؟

ومع هذا فقد تمّ كسر حاجز الخوف وانتشرت مظاهرات جميلة وملهمة في جميع أنحاء البلاد. وحتى بعد أن أصبحت الثورة مسلحة وهيمنت عليها الجماعات المسلحة في نهاية المطاف، تواصلت الاحتجاجات ليس فقط ضد النظام بل أيضاً ضد الجماعات المسلحة التي لا تلتزم بقيم الثورة ومجموعات مثل القاعدة وداعش.

شاهدنا مئات من الاحتجاجات في أنحاء البلاد بمناسبة الذكرى السنوية الخامسة لانطلاق الثورة، وشهدنا احتجاجات في مدينة حلب في الفترة ما بين آخر حملات القصف، وكذلك اندلعت الاحتجاجات مرة أخرى في جميع أنحاء البلاد مع الإعلان عن وقف إطلاق النار الشهر الماضي. وتبقى الرسالة هي نفسها: نطالب بسقوط النظام. والحقيقة هي أنّه لم يكن هناك تضامن عابر للحدود بما فيه الكفاية مع هذه الدعوة بل قوبل السوريون بكمية من المطالب لإثبات جدارتهم بالتضامن، وهي مطالب قد تبدو سخيفة لو كانت موجهة لصراعات أخرى.

(9): خلافاً لمعظم الانتفاضات في المنطقة، لم يكن اليسار، سواء إقليمياً أو دولياً، داعماً للانتفاضة السورية كما أنه لم يتخذ موقفاً متضامناً مع حق الآلاف من المتظاهرين السوريين في تقرير المصير تحت نظام استبدادي ونيوليبرالي. بدلًا من ذلك، تصاعدت العديد من الأصوات للدفاع عن نظام الأسد. لماذا؟

تجاهل الكثير من اليساريين الأدلة ولم يتخذوا موقفاً متضامناً. لدينا مجموعات مناهضة للحرب أعلنت على الملأ ​​دعمها لنظام الأسد والإمبريالية الروسية. لدينا نقاد ومدونين يعملون كمدافعين عن النظام ويحاولون إلقاء مسؤولية  تدمير البلاد على أيّ جهة غير النظام، واعتماد إطار “الحرب على الإرهاب” لتمويه جرائم النظام، وذلك باستخدام الإسلاموفوبيا لتشويه سمعة النشطاء السوريين بإظهارهم كمتعاطفين مع المتطرفين .

لدينا يساريين يتجاهلون هذا تماما، هذا السلوك خطير لأنه على الرغم من أنّ الأسد مجرم، لا يمكن معرفة ما قد يأتي بعده، لحماية السيادة، أو لأنّ الإمبريالية الأمريكية هي الشرّ الحقيقي في العالم. كلّ هذه الحجج كانت لتبدو بغاية السخافة في سياق صراعات أخرى.

الصهاينة طالبوا ببقاء مبارك في السلطة في فبراير ٢٠١١ لأنّه خلاف ذلك، سيصل المتطرفون للسلطة. لا أحد يذكر السيادة لتبرير التدخل السعودي في اليمن لكونها دعيت للتدخل من الحكومة اليمنية. وإن كانت معاداة الإمبريالية موافقة على استبدال الإمبريالية الأمريكية بالإمبريالية الروسية، اذاً هي معاداة للإمبريالية لا يعوّل عليها. وهناك أيضا جهل متعمّد يتمّ نشره في جميع أنحاء سوريا من قبل أولئك الذين يريدون لنا أن نعتقد أنّ الخيار هو إما الأسد أو داعش، ويتم تجاهل وجود لجان التنسيق المحلية وغيرها من التشكيلات الشعبية التي يمكن أن تكون بديلاً وهي بحاجة للدعم.

اليسار الأمريكي بجزئه الأكبر استمر بدفع سردية تغيير النظام، متجاهلاً جميع الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة للحفاظ على النظام على الرغم من خطابها العلني. سخر اليساريون الأمريكيون من فكرة وجود جماعات متمرّدة سورية معتدلة، مدعين أنّ كل من يقاتل الأسد متطرّف، ثم تظاهروا بالصدمة لدى تصوير اليمينيين لكلّ اللاجئين السوريين على أنّهم إرهابيون والمطالبة بحظرهم من دخول البلاد. والأبشع من هذا كله هو أنّ اليسار الأمريكي قضى معظم العامين الماضيين تقريباً ينظّم الجهود بشكل هستيري ضد منطقة حظر جوي غير موجودة بدلاً من الاحتجاج ضد القنابل الأمريكية الفعلية التي تقع على سوريا مسفرة عن مقتل أكثر من ألف شخص.

لهذا أنا لا أصدق الادّعاء بأنّه على النشطاء الأمريكيين المناهضين للحرب أن يحصروا اهتمامهم بأفعال الولايات المتحدة، وبالتالي تركيزهم في الشأن السوري هو لضمان عدم حصول تدخل عسكري أمريكي. في الواقع، الكثيرون في الحركة الأمريكية المناهضة للحرب حشدوا في الموضوع السوري فقط للحفاظ على الأسد. في سبتمبر ٢٠١٣، كانت هناك احتجاجات لوقف الحرب الأمريكية على سوريا في أعقاب الهجوم بالأسلحة الكيميائية في الغوطة. الولايات المتحدة لم تقصف سوريا حينها. منذ سبتمبر ٢٠١٤، تقوم الولايات المتحدة بقصف سوريا باستمرار، ففي عام ٢٠١٦ وحده، ألقت الولايات المتحدة اثني عشر ألف قنبلة على سوريا، أكثر من عدد القنابل الملقى على العراق.

أنا لم أر احتجاجاً واحداً ضد هذه القنابل من قبل طاقم “ارفعوا أيديكم عن سورية”. الفرق الوحيد بين سبتمبر ٢٠١٣ وسبتمبر ٢٠١٤ هو الجهة المستهدفة من القنابل الأمريكية. لذلك، عندما ينزل النشطاء المناهضون للحرب إلى الشارع احتجاجاً على القصف الأمريكي المقترح ضد النظام في حين يلتزمون الصمت تجاه القصف الأمريكي الفعلي لسوريا، ليس من المستغرب أن يستنتج الناس أنّ اليسار الأميركي متعاطف مع الأسد.

أمام اليسار الأمريكي فرصة لتصليح موقفه في عصر ترامب. فإنّ الدعم الأمريكي لجرائم النظام والحرب الروسية في سوريا أصبح أكثر وضوحاً، لن يكون هناك مقترح بالحظر الجوي لإفشال الحوار، والتضامن مع الثورة السورية سيصبح أمراً لا بدّ منه.

جزء من المشكلة أيضا هو أنّ الناس يريدون تحليل الشأن السوري في فراغ دون أي سياق تاريخي أو إقليمي. مرّت ست سنوات منذ إحراق محمد البوعزيزي نفسه احتجاجاً على المضايقات التي واجهها من قبل الشرطة. تصرّفه ألهم التونسيين للخروج إلى الشارع والمطالبة بإسقاط النظام، وهي دعوة ردّدها بعد ذلك العديد من الناس في جميع أنحاء المنطقة بما في ذلك مصر، ليبيا، البحرين، اليمن، وسوريا. ست سنوات، ولا يزال الناس يناضلون من أجل أهداف هذه الانتفاضات أي الحرية والكرامة في مواجهة قمع النظام، قوى الثورة المضادة، والتدخلات الخارجية.

أعتقد أنّ مشكلة كبيرة في تحليل المنطقة بشكل عام هي إما التظاهر أنّ السنوات الست الماضية لم تحدث أو حظر التركيز بشكل ضيّق على السنوات الست الماضية. الناس يريدون التحدث عن الأنظمة المدعومة من الولايات المتحدة ومحاولات تغيير النظام كما لو أنّ سكان المنطقة ليس لديهم أي قدرة ذاتية لتحديد المصير. إما يرفض الناس الإقرار بالتأثير طويل المدى للغزو والاحتلال الأمريكي للعراق في المنطقة أو يرون المنطقة فقط في سياق الولايات المتحدة، وهذا شكل من أشكال الخصوصية الأمريكية ولكن عند اليسار. ونحن بحاجة إلى أن نكون متضامنين مع جميع النضالات من أجل الحرية والكرامة في المنطقة، وهذا يعني أن نكون واضحين جداً بموقفنا ضد كل الأنظمة والقوى الإمبريالية.

(10): كيف ترين العلاقة بين النضال الفلسطيني والسوري؟

في العلاقة مع فلسطين على وجه الخصوص، أنا من أشدّ المؤمنين بأنّ فلسطين لن تتحرّر حتى تسقط كلّ الأنظمة العربية المجرمة، وأنّ شعوب المنطقة لن تتحرّر حتى سقوط النظام الصهيوني. من الواضح أنّ تأثير الصهيونية المباشر أكبر على الفلسطينيين، لكنها تستهدف أيضا العرب والمسلمين بشكل عام.

دعونا لا ننسى أنّ اسرائيل احتلت الجولان السوري منذ عام ١٩٦٧، عندما قامت بتطهير المنطقة عرقياً من غالبية سكانها. أوّل مستوطنة أقامتها إسرائيل على أرض مسروقة لم تكن في الضفة الغربية بل في الجولان. استخدمت الأنظمة العربية فلسطين كوسيلة لإضفاء شرعية على حكمها، في حين هي نفسها تقوم بقتل وتعذيب الفلسطينيين.

عبارة تضامنية مع الفلسطينيين في مخيم اليرموك من قبل فريق كرتونة من دير الزور. المصدر: كرتونة من دير الزور.

في سوريا، اللاجئون الفلسطينيون قتلوا وعذّبوا من قبل النظام، تمّ قصف مخيمات اللاجئين ووضعها تحت الحصار. ولكن هناك من يدّعون أنهم مؤيدين للفلسطينيين يدافعون عن النظام باسم تحرير فلسطين. محنة اللاجئين الفلسطينيين/ السوريين كان يجب أن تدفع نشطاء حقوق الفلسطينيين لمناقشة أهمية حق العودة ولكن بدلاً من ذلك، النقاش المهيمن هو كيف أنّ سوريا قسّمت الحراكات، فلم تعد موحدة بسبب الخلاف حول سورية.

 نحن بحاجة إلى فهم أنّ الصراعات في المنطقة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً ببعضها، وليس بمعنى ارتباط شوفيني قومي عربي، ولكن بمعنى أنّ كل الناس في المنطقة (العرب والأكراد والإيرانيين، والأرمن، وغيرهم) تواجه القوات القمعية المختلفة ولا يمكن لتحرّر مجموعة واحدة أن يأتي على حساب مجموعة أخرى. بشكل عام في جميع أنحاء العالم، مع تصاعد اليمينية السياسية والجماعات الفاشية إلى السلطة، نحن بحاجة إلى القيام بعمل أفضل في مجال العمل سوياً نحو التحرّر الجماعي.

وأريد أن أشير أيضاً لحدوث عروض جميلة من التضامن بين الفلسطينيين والسوريين. بعد إلقاء قنابل حارقة من قبل مستوطنين إسرائيليين على منزل عائلة دوابشة في قرية دوما بالضفة الغربية في يوليو ٢٠١٥، قام السوريون في بلدة كفرنبل بحمل لافتة كتب عليها: “دوماكم ودومانا، قاتلكم وقاتلنا. فلسطين والسنون شاهدة على ألمنا وألمكم وسنبقى إخوة في الموت“. مدينة دوما السورية كانت قد شهدت عدّة حملات قصف مكثف من قبل النظام.

لافتة رفعت في بلدة كفر نبل شمال سورية في 1 اغسطس 2015. المصدر: اتحاد المكاتب الثورية.

في أبريل من العام الماضي، قصفت الطائرات الروسية والنظام مستشفى في حلب اسمه “القدس”. الفلسطينيون في مخيم جباليا للاجئين في غزة، الذين كانوا تحت الحصار لأكثر من عشر سنوات، الذين حرموا من حقهم في العودة منذ ما يقرب من سبعين عاماً، نظموا مظاهرة تضامن حملوا فيها لافتات تحمل شعارات: “حلب تنزف، غزة تخنق، غزة وسوريا يداً بيد “.

نضع الكثير من الوقت في تنظيم المساحات لمناقشة نظريات التضامن، لكن في بعض الأحيان، أفضل طريقة لاستيعاب معنى هذه المفاهيم في الواقع هو مجرّد أن نشهد كيف يقوم المقموعون الذين يكافحون فقط من أجل البقاء على قيد الحياة وهم تحت القنابل والحصار، بممارستها في حياتهم اليومية.

(11): عندما التقينا في واشنطن العاصمة، اقترحت أنّ دعوة المناصرة التي يحتاج السوريون للعمل عليها اليوم هي الدعوة لوقف الحرب على السوريين. لماذا تعتقدين أن هذه الدعوة ستحمل المزيد من الشرعية من دعوات سابقة، وكيف يمكننا تطبيق ذلك في الواقع؟

يجب أن يكون هناك حد فوري لجميع أنواع القصف في سوريا. يجب أن يكون هذا الطلب الأول. لا يوجد حالياً أي مساحة للسوريين لمواصلة الثورة لأنّ البقاء على قيد الحياة هو كلّ همهم، لأنّ الكثير من دول العالم، بالإضافة إلى النظام، تشن حرباً ضدهم. ولكنه يمكن للناس الالتفاف حول هذا الطلب على الأقل واستخدامه لتثقيف الآخرين وبناء التضامن مع السوريين. الحاجة إلى التثقيف السياسي هي ذات أهمية خاصة جدا لمواجهة حملات التضليل الهادفة لتشويه الثورة وتمويه جرائم النظام. أبسط شكل للتضامن هو بمواجهة السرديات الكاذبة حول سوريا.

شيء آخر علينا التفكير به، ألا وهو كيفية لفت الانتباه والدعوة بشأن قضايا محدّدة تتعلّق بالثورة. على سبيل المثال، إذ اهتم الناس بقضايا الحبس الجماعية أو التعذيب، سيكون من المنطقي التركيز على السجناء السياسيين السوريين. إذا كان الناس مهتمون باستخدام الفن في السعي إلى التغيير السياسي، يمكن دراسة الكثير في هذا المجال في سوريا.

يمكن للناس في المجال الطبي أو في الصحافة أو التعليم التفكير حول كيفية تسليط الضوء على شجاعة زملائهم في سوريا والمطالبة بالسماح لهم بالقيام بعملهم. في ظل عدم وجود مشروع سياسي محدّد بوضوح للتحرّك قدماً، فإنّ أعمال التضامن كهذه تحدث فرقاً لأنها تستمر بالتأثير على الخطاب، وهذه هي الخطوة الأولى في التنظيم من أجل التغيير.

نحن بحاجة إلى أن نفكر حقاً على المدى الطويل الآن، وأن نعمل لإيجاد سبل لمواصلة الدفع لتمكين بذور الحرية والكرامة التي تزرع في جميع أنحاء سوريا من أن تنمو وتزهر.

(12): أدت حملة الأسد العنيفة على المتظاهرين السلميين منذ اليوم الأول للانتفاضة لعسكرة الانتفاضة. فرض هذا تحديات كبيرة على مشاركة المرأة ومجموعات أخرى في المجتمع في التظاهر. مع الوقت، تمّ تهميش هذه المجموعات في الغالب. كيف برأيك يجب معالجة هذه التحديات؟

في أيّ صراع، العسكرة تميل لصالح مشاركة الرجال على حساب النساء. كانت النساء حاضرات بشدّة في الاحتجاجات الأولى في سوريا، ولعبن أدواراً أساسية في لجان التنظيم المحلية، وهن يقمن بعمل إعلامي شديد الأهمية. عانت النساء أيضاً على يد النظام مثل الرجال فهنّ تعرّضن للقتل والسجن والتعذيب والنفي، ولكن أيضا بطرق لا يواجهها الرجال، مثل جرائم الاغتصاب والعيش في ظلّ التفسيرات المتطرّفة للعقيدة الدينية من قبل بعض الجماعات المسلّحة الحاكمة في أجزاء معينة من البلاد.

قد يساء استخدام قضية حقوق المرأة في المنطقة من قبل كلّ من الليبراليين والمدافعين عن النظام مع مرور الوقت ولكن هذا لا ينبغي أن يمنعنا من مناقشة التأثير السلبي الذي خلّفه تهميش المرأة على الثورة والتفكير في ما يمكننا القيام به لخلق مساحة للنساء السوريات ليكن قادرات على المساهمة الكاملة في إحقاق هذه الثورة.

(الصورة الرئئيسية: لوحة للفنان هاني عباس. المصدر: الصفحة الرسمية للفنان على الفيسبوك)

شارك المقالة: