بين الاعتقال وحكم المجتمع… خسرت حلمها

بين الاعتقال وحكم المجتمع… خسرت حلمها

هدى يحيىهدى يحيى

إعلامية وناشطة من ريف إدلب، حائزة على إجازة في التاريخ

 

بقلم .

(ريف إدلب)

الرابع والعشرين من شهر إبريل 2014، هو يوم لا تستطيع هناء (اسم مستعار)، ابنة الحادي والعشرين عاماً نسيانه، إنّه يوم اعتقالها من قبل الأمن السياسي بينما كانت في جامعة حلب قسم الطب البشري في سنتها الثالثة.

كان يوماً صعباً ومليئاً بالرعب والتوّقعات السيئة. هناء التي تحمل داخلها أحلاماً كبيرة بأن تصبح جراحة ماهرة لتساعد أبناء بلدها وتكون عوناً لهم في ثورتهم المباركة شعرت بأنّ حلمها دمّر في ذلك اليوم، خاصة أنّها كانت على اطلاع بما يتداول عن أخبار المعتقلات في سجون النظام من اغتصاب وتصفيات وتعذيب تقشعر منه الأبدان.

دقائق معدودة، وكانت هناء داخل قسم التحقيق، وتخضع للعديد من الأسئلة، وكان منها: أنت كنت ضمن الخارجين في مظاهرات مدينة كفرنبل؟ لقد ساهمتي في إسعاف وعلاج الإرهابيين؟ وكنت من المحرّضين على المظاهرات في الجامعة؟، وغيرها من الأسئلة التي روتها هناء لحكاية ما انحكت.

آثرت هناء الصمت وعدم الإجابة، لا سيما وأنّها علمت مسبقاً بأنّ أي إنكار سيفضي لضربها وإهانتها، خاصة أنّ لهجة المحقق كانت حادة وقد بدا عليه الغضب والتعجرف والإجرام.

أمام صمتها الدائم أمر المحقق بزّجها في السجن، وهي اللحظة التي كانت هناء تخشاها، أسئلة عديدة راحت تدور في مخيلتها: ترى ما شكل هذا السجن؟ هل سيتم تعذيبي؟ هل سأتعرّض للإغتصاب؟

 كاد قلبها يتوقف من الخوف وقد شحب لونها بينما تسير مكبّلة مع شرطي في ممر طويل وهي معصوبة العينين لتسمع فجأة صوت باب يفتح ثم يرفع الشرطي عصابة عينيها ويفك وثاقها ويدفعها بعنف إلى الأمام ثم ليغلق الباب ويحكم إقفاله.

نظرت هناء حولها لترى مجموعة من النساء والفتيات اللواتي رحن يبادلنها النظرات قائلات لبعضهن: إنها فتاة جامعية جديدة هكذا يبدو عليها، ثم تنهض إحداهن لتجلس هناء بقربها، قائلة لها: ما هو جرمك أو بالأحرى ماهي تهمتك؟ فأجابتها هناء: لا أدري فأنا لم أفعل شيئاً؟

 في هذا الوقت بدأت هناء تشعر بنوع من الراحة النفسية إذ لم تتعرّض حتى الآن لما كانت تتوقعه. صحيح أنّ المكان مظلم وضيق ومزدحم لكن ذلك أفضل بكثير مما كانت تسمعه عن هذه المعتقلات.

لم تستطع هناء النوم في تلك الليلة، وهي تفكر بأهلها وخوفهم عليها إذا علموا بالأمر، فأمها لن تحتمل خبر اعتقال ابنتها هي التي تعاني من أمراض الضغط والسكري، ثم ماذا عن والدها وأخوتها الذين سيشعرون بالذل لمجرد أن يعلموا بذلك.

“نعم إنها نظرة المجتمع المحافظ للفتاة المعتقلة، سوف ينسجون عنها القصص والأقاويل التي ستؤلم أهلها أكثر من ألمهم باعتقالها” هذه الأفكار التي تجول في مخيلة هناء (كما قالت لنا) يقاطعها صوت شاب يستغيث من الغرفة المجاورة، فهم يعذبونه ويضربونه بقسوة. بكت هناء كما لم تبكي من قبل، لقد بكت بصمت فهي طيلة الوقت تحاول أن تتماسك كيلا تنهار خوفاً وحزناً مما آلت اليه أوضاعها ولكنها لم تستطع إلا أن تبكي.

تم استدعاء هناء للتحقيق في صباح اليوم التالي فارتأت أن تجد تبريرات تقنع فيها المحقق بدلاً من الإنكار الذي لا فائدة منه، فهي كانت تعلم بأنّ أحدهم كتب تقريراً عن نشاطاتها بغية حصوله على المال من النظام وتغييبها في السجون.

كانت تبريرات هناء بأنّها بالصدفة مرّت مظاهرة أمامها بينما كانت تتسوّق، فبدا وكأنّها تمشي معها، وأنّ ذهابها للمشفى ليس لتعالج أحد فهي لم تنهي دراستها بعد، وليست مؤهلة لمداواة المرضى، وإنّما كانت في زيارة لبعض صديقاتها الممرضات هناك. ورغم عدم قناعة المحقق بهذه التبريرات فهو لم يكذبها ولكنه أمر بإعادتها للسجن، وأثناء مسيرها للسجن أخبرها الشرطي بأنها إلى الآن بخير، فهي في قسم التحقيق وسيتم تحويلها بعد أشهر لسجن دمشق حيث “المعاملة الممتازة” قال ساخراً.

أمضت هناء ثلاثة أشهر في هذا السجن، ليتم استدعائها وإطلاق سراحها بمساعدة أحد أمهر المحامين الذين وكله لها أهلها، وكانت فرحة كبيرة لهناء التي شعرت بأنها ولدت من جديد بحصولها على الحرية غير أنّها في الوقت ذاته كانت على يقين بأنّ أشياء كثيرة ستتغيّر في حياتها بعد هذا الاعتقال.

نعم لقد صدقت توقعات هناء إذ حرمت من إكمال دراستها بضغط من أهلها الذين خافوا عليها من تكرار حادثة اعتقالها، ولم يكن أصعب بالنسبة لهناء من هذا القرار، هي التي ترى حياتها ومستقبلها وسعادتها وأحلامها التي كانت على وشك التحقق كلّها في دراستها للطب، كما أنّ هناء التي كان يتقدّم لخطبتها الكثير من الشبان لم يعد أحد يرغب بطلب يدها بعد اعتقالها.

“كم هو قاسي هذا المجتمع، فهو يبرىء الظالم ويتهم المظلوم” تقول هناء وتضيف “ليتني أستطيع أن أتحاشى وأتجاهل كلّ ما يحدث حولي من كلام فارغ عني، وعما يدّعون بأنّه حدث معي في المعتقل”.

لفترة ليست بالقصيرة امتنعت هناء عن مقابلة أيّ شخص كان، حتى صديقاتها المقربات إلى أن قرّرت أخيرا أن تخرج من عزلتها وتساهم في العمل الثوري الذي بدأته سابقاً، فتطوّعت في أحد المشافي الميدانية، وأخذت تعمل على إسعاف المصابين ومساعدتهم، وهي اليوم تزاول مهنتها مع طبيبة مختصة في عيادة طبية متنقلة تابعة للمكتب الطبي النسائي في كفرنبل، حيث تقوم بقصد القرى النائية والخالية من الخدمات الطبية لتقدّم لهم خدمات المعاينة والدواء مجاناً آملة أن ينعم هذا الشعب البائس بالحرية والكرامة يوماً ما.

(الصورة الرئيسية: كاريكاتير للفنان جوان زيرو لدعم حملة “ إضرابكم صرخة حرية“/ 2 تموز 2013. االمصدر: الصفحة الرسمية للحملة على الفيسبوك. وتستخدم الصورة ضمن سياسة الاستخدام العادل والحقوق محفوظة للفنان والحملة)

شارك المقالة: