المركز الإعلامي لمدينة داريا

المركز الإعلامي لمدينة داريا

انتظار عدة أيام لكي تصل رسالتك الأولى لهم، يتبعه انتظار عدة أيام أخرى ليقرؤوا أسئلتك بعد موافقتهم، ليتبع أيضا بانتظار آخر حتى تأتي الأجوبة المقتضبة بطبيعة الحال، والتي بالكاد تكفي لإعداد هذه المادة عنهم، ومع ذلك ستكون أكثر من راضيا ومسرورا، لمعرفتك الظروف التي تحيط بهم من كل الجهات: حصار على الأرض وطائرات في السماء مما يؤدي إلى “انقطاع تام للكهرباء والأنترنت، ومن نقص أغلب مقومات الحياة”.

أنهم بضعة من النشطاء الصامدون في الداخل حتى اليوم، والعاملون في مدينة داريا في ريف دمشق تحت اسم “مركز داريا الإعلامي” الذي تواجد على “الساحة منذ اليوم الأول للثورة السورية، وكان ينشر باسم تنسيقية مدينة داريا باللوغو الملون” كما يقول أحدهم لـ “حكاية ما انحكت”، حيث أصدر المركز بيانا بالأمر جاء فيه: “نلفت انتباه الأخوة المتابعين إلى أن المركز الإعلامي لمدينة داريا جهة إعلامية مستقلة و ليس تابعاً لأي جهة كانت . وأن أغلب الشباب العاملين في المركز هم من كانوا يعملون في: تنسيقية مدينة داريـا”، الأمر الذي يعطينا مؤشرا لحجم التحولات التي جرت في الثورة السورية، فإذا كانت التنسيقيات قد ولدت في الطور السلمي للانتقاضة كأول محاولة لمأسسة الحراك المدني السلمي، فإنها عانت تحولات وتطوّرات شتى، أوصلت بعضها إلى أن تصبح مراكز إعلامية وبعضها الآخر مجالس محلية، وبعضها الآخر إلى الاندثار.

حال الحصار الواقعين في أسره لم يمنعهم من الإبداع بأقل الأدوات الممكنة، حيث أنتجوا بأدواتهم البسيطة فلم “ستسألون” الذي تدور أحداثه بين شهيد من داريا وأخر من جوبر لشرح ما آل إليه حال مدينة داريا، و “أخوة العنب والدم” الذي يتحدث عن محطات من تاريخ الانتفاضة في المدينة منذ البدايات السلمية وحتى لحظة العسكرة، و “الاجتياح” الذي يوثق مسيرة عام ونصف من الصمود والحصار في المدينة، إضافة إلى برومو حمل عنوان “الموت المتحرك”. وهو يوثق مجزرة داريا التي حدثت بتاريخ 25/8/2012 والتي راح ضحيتها 522 شهيدا موثقي الأسماء و 200 مجهولي الهوية و150 مفقودي المصير حتى الآن.

طفلة من داريا ترفع لافتة تخاطب من خلالها أطفال العالم. المصدر: مركز داريا الإعلامي

طفلة من داريا ترفع لافتة تخاطب من خلالها أطفال العالم. المصدر: مركز داريا الإعلامي

الذهول يزداد، حين يرى المرء حجم المخاطر التي يعملون في ظلها كما وثقتها عدستهم من خلال تصوير حي لاستهداف المركز الإعلامي لمدينة داريا من قبل الطيران الحربي وسقوط برميل متفجر أمام وبالقرب من المصوّر الخاص بالمركز أو أمام الكاميرا، الأمر الذي يدفعك للسؤال: ما الذي يجعل هؤلاء لمقارعة الموت والمتابعة؟

إيمانهم بأن الإعلام “هو صوت الشعوب الصادح بالحق”، وسعيهم لإيصال الحقيقة كما هي هو ما يدفعهم للصمود، مدركين أهمية ما يفعلونه في كسر سردية النظام عن الإرهاب، موثقين بالصوت والصورة حقيقتهم، و ساعين لأن “يبقى صوت الحق صادحا بعيدا عن التشويه والتسييس, ومن المعلوم أن للإعلام الدور الأهم والأول في امتداد الثورة السورية وانتشارها ومع ذلك لم يحظ بالاهتمام المرجو”، مذكرين أن المركز لم يتلق “أي دعم مادي أو معنوي من بداية الثورة السورية وحتى الآن وهذا حال غالبية إعلاميي الثورة”.
الصعوبات التي يعملون في ظلها جعلت المركز يكتفي اليوم بنشر أخباره على صفحة الفيسبوك التي أغلقت “عدة مرات من قبل إدارة الفيس بوك”. وكأن حصار الاستبداد لا يكفي ليأتي حصار التكنولوجيا والعولمة، الأمر الذي دفعهم إلى إنشاء الموقع الإلكتروني الذي تم “نشره في شهر كانون الثاني من عام 2014، وهناك فكرة بإنشاء جريدة ورقية وننتظر الظروف المناسبة للبدء بها” كما يقولون لـ “حكاية ما انحكت”.

نشطاء المركز الذين لا يكتفون بتغطية أحداث مدينة داريا بل “ودمشق وريفها. ولنا مراسلون ونشطاء متطوعون في أغلب المدن والقرى الدمشقية” اكتسبوا خبرتهم الصحفية في ظل الميدان، حيث “يتألف كادر العمل من مصورين ومحررين وناشرين ومعظمهم طلاب جامعات ونشطاء متطوعون وليس لديهم خبرة سابقة بالصحافة”، الأمر الذي يعطي مؤشرا آخر لما أنتج الميدان السوري من خبرات لم تمر على المحترف الأكاديمي حيث التجربة وحدها مدرستهم التي تعلّموا في ظلها على وقع الحصار والخوف المرافق لشجاعة لم تغب عنهم وهم ينادمون هذا الموت.

رغم استنزافهم وانشغالهم بالهم الإعلامي فإن الأمر لم ينسهم ضرورة الحفاظ على صورة الحراك المدني السلمي ولو بحده الأدنى، عبر الإصرار على رسم لوحات وجداريات على ما تبقى من بيوت وجدران مهدمة لم تسو بعد بالأرض لإدراكهم الواعي بأن هذه الرسومات هي وحدها من يؤكد عدالة قضيتهم ومدنيتها في وجه سعي السلطة وحلفائها الإقليميين لاتهام الثورة بالتطرف والإرهاب، وهو ما سلطنا الضوء عليه في حكاية خاصة.

مركز داريا الإعلامي، صورة مكثفة عن مآلات وتحولات وتطورات النشطاء السوريين بدءا من اللحظة التي صرخوا بها حرية إلى لحظة اليوم المثقلة بصمود توازت فيه الحياة بالموت، فبات الدرب واضحا رغم وعورته: لن نركع.

الميديا المتعلقة

معلومات المادة