إدلب الخضراء… سوريا مصغرة تجمع كل السوريين

إدلب الخضراء… سوريا مصغرة تجمع كل السوريين

في الحارة الواحدة في إدلب المدينة أو ريفها تجد الحمصي يجاور الشامي، والشامي يجاور الديري والحموي، حيث غدا الأدالبة قلّة في مدينتهم وسط أعداد كبيرة من المهجرين. إذ لم يقتصر استيعاب إدلب على عشرات الآلاف من مهجري ثماني مدن وبلدات دمشقية في إطار المبادرات التي وصفها نظام الأسد “بالمصالحات الوطنية”، وإنما شكلت المحافظة مأوى للآلاف من مناهضي الأسد من حمص وحماه واللاذقية وحلب ودير الزور ممن غادروا مدنهم وبلداتهم قسراً لظروف وأسباب متعددة خلال الأعوام الستة الفائتة.

رحلة يسودها التشرد والمعاناة

يتوزع المهجرون ساعة وصولهم بين المدينة والريف وضمن مخيمات محددة، بينما ينتقل آخرون إلى منازل ضمن البلدات، إضافة لاستقرار بعضهم في شقق سكنية تم بناؤها خصيصاً للمهجرين والنازحين من خارج المحافظة.

يصف الحاج حامد الجمعة (60عاماً) رحلة نزوحه مع عائلته من داريا بـ “الشاقة” حيث تنقّل في ريف إدلب بين منطقة وأخرى بحثاً عن منزل مناسب، غير أنّ قلّة المنازل وغلاء الإيجارات دفعه للاستقرار في إحدى المخيمات على الحدود التركية المجاورة لإدلب، حيث تزاحم الآلاف بحثاً عن المأوى والمساعدات.

بلهجة حزينة، يقول “عذاباتنا لم يحن لها أن تنتهي، فمن الحصار القاتل من قبل نظام الأسد إلى مصاعب الحياة ومشقتها والتشرد والنزوح والفقر المدقع هنا”. يسعى الحاج الستيني بكل ما يستطيع لتأمين حاجيات عائلته الكبيرة، المؤلفة من زوجة وثماني أبناء وعشرة أحفاد، فمساعدات المنظمات لم تكن لتكفي، على حد وصفه.

(مطعم لأحد المهجرين في مدينة إدلب/ تصوير: هدى يحيى/ خاص حكاية ما انحكت)

في مخيم “الدرية” بريف جسر الشغور، تجلس عشرات الأسر المهجرة من ريف دمشق مستسلمة لقدرها في ظروف معيشية قاسية. يقول محمود الحكيم (42 عاماً) من أهالي حي تشرين بدمشق، وهو نازح يقيم في المخيم: “خرجت وأسرتي من دمشق بحثاً عن حياة أكثر أمناً، ورغم استقبال أهالي إدلب لنا بحفاوة، إلا أن دور المنظمات كان غائباً نوعاً ما”.

أما بالنسبة للأرملة عائشة عثمان (40 عاماً) فقد انتقلت من خيمة صغيرة على الحدود السورية التركية بحثاً عن منزل يقيها وأطفالها الخمسة برد الشتاء القارس، ليستقر بها المقام بحصولها على شقة في قرية الرحمة السكنية، وذلك بعد أن تم اختيارها ضمن العائلات المهجرة التي لا تملك مأوى.

ماذا قدمت المنظمات للمهجرين؟

استنفرت منظمات المجتمع المدني في المناطق الشمالية لاستقبال المهجرين عن طريق تقديم المأوى والأغذية والأدوات المنزلية، حيث أنشأت جمعية الوفاء مجمعاً سكنياً يتألف من 200 شقة خاصة بالنازحين. واستهدف المشروع المهجرين من الفقراء والأرامل، وفق ما أوضحه مدير مكتب جمعية الوفاء في الداخل السوري محمد تعتاع (30 عاماً)، إذ قال لحكاية ما انحكت: “مؤخراً قامت جمعية الوفاء للإغاثة والتنمية بافتتاح مشروع الـ 100 شقة سكنية يوم الإثنين 20/11/2017، وتم خلال المشروع إيواء 100 عائلة من أهلنا المهجرين من وادي بردى وعرسال وعقيربات وبعض المناطق الأخرى”.

يحوي المجمع الذي يضم الشقق السكنية على العديد من الخدمات الأساسية المصاحبة التي تحتاجها الأسر المهجرة القاطنة فيه، منها التعليم والغذاء والنظافة والمفروشات… بحسب التعتاع.

أرقام وإحصائيات ومنظمات عاجزة عن الاستيعاب

يشكو عدد كبير من المهجرين عدم تلقيهم أيّة مساعدات من المنظمات الإغاثية العاملة في الشمال السوري، بينما يعزو المهندس محمد جفا (41 عاماً) منسق شؤون المهجرين في الشمال السبب “للأعداد التي تزايدت في المناطق المحررة، حيث يكون المهجّر غير ثابت الإقامة، وإنما يتنقل من منطقة لأخرى، وهذا من شأنه تأخر استجابة المنظمات بمساعدته”.

 يعطي الجفا مثالاً على ذلك بأن المهجر يدخل عفرين فتقوم هيئة ساعد بتقديم وجبات طعام سريعة وتصحبه نحو مخيمات للإقامة فيها بشكل مؤقت، حيث يتواجد مخيمان في الشمال، مخيم ميزناز التابع لمنظمة مرام، ومخيم مغارة الإخوان التابع لمنظمة ساعد. غير أن عدداً كبيراً من المهجرين يرفضون البقاء في هذين المخيمين كون النساء والأطفال فيه منفصلين عن الرجال والشباب، وهذا ما يدفع المهجرين للمكوث لدى أقربائهم أو معارفهم أو البحث عن منازل لاستئجارها والإقامة فيها.

ويؤكد الجفا بأن المنظمات تسعى لتقديم المساعدات للمهجرين قدر المستطاع من سلال طوارئ وسلال غذائية، غير أنّ “الأعداد الضخمة وعدم الثبات للمهجر تحول دون ذلك”. يصمت الجفا قليلاً ليردف واصفاً الوضع في الشمال بالـ “خطير وكأننا في يوم الحشر”.

وفي إحصائية أجراها الجفا (منطقي يكون هذا الشخص عمل الإحصائية لوحده؟) لعدد المهجرين في إدلب وريفها، يتبين أن هنالك ما يزيد عن 13000 عائلة مهجرة من ريفي حلب الشمالي والجنوبي، إضافة لـ 2350 عائلة مهجرة من المنطقة الشرقية بما فيها دير الزور والرقة والبوكمال. أما بالنسبة لعدد مهجري ريف حماه الشرقي بما فيهم عقيربات، فقد وصل إلى أكثر من 100 نسمة، حمص 3450 عائلة، الساحل 80 عائلة، دمشق 1825 عائلة، حتى عدد اللاجئين العراقيين الوافدين إلى إدلب وريفها وصل إلى 15000 عائلة، وهنالك 400 عائلة من مناطق متفرقة.

تتوزع هذه الأعداد من المهجرين واللاجئين بشكل أكبر في كل من إدلب المدينة والدانا وسلقين ودركوش بحسب “الجفا”.

في سراقب جمعيات أهلية تعنى بالمهجرين

أعلن المجلس المحلي في مدينة سراقب عن تأسيس جمعيات أهلية تعنى بشؤون النازحين قسراً من المحافظات السورية، وذلك عقب اجتماعات عدة عقدها مشروع منتدى إدلب للتنسيق والتواصل بين المجلس المحلي وبين ممثلين عن المهجرين وعدد من ممثلي منظمات المجتمع المدني.

حول الجمعيات ومهامها، يتحدث رئيس المجلس المحلي بمدينة سراقب، المثنى محمد، (35 عاماً) فيقول: “تم تشكيل جمعيتين، إحداهما تعنى بشؤون نازحي حلب، والأخرى تهتم بالقضايا المتعلقة بنازحي حمص، وقد اختار المهجرون ممثلين لهم في هاتين الجمعيتين”. الغرض من تأسيس الجمعيتين ليس العامل الإغاثي والوصول إلى كافة المهجرين في المنطقة فحسب، بل “يشمل العديد من القضايا ومنها تأمين أوراق ثبوتية للمهجرين من زواج وولادة ووفاة، تأمين أماكن إقامة، فرص عمل، إضافة لحل مشاكلهم الأمنية، فالجمعية عبارة عن صلة وصل بين المهجرين وجميع منظمات المجتمع المدني بما فيها المجلس المحلي والشرطة الحرة”.

المهجرون يصطحبون حرفهم معهم إلى إدلب

انتشار المهجرين في مختلف مناطق إدلب وريفها لم يكن عائقاً على المنطقة، بل ساهم بازدهارها وتقدمها وعلى كافة المستويات، لا سيما على الصعيد الاقتصادي من خلال ظهور الصناعات التي تشتهر فيها. وحول الموضوع، يتحدث عضو المجلس المحلي في بلدة حزانو محمود خطيب (25 عاماً) فيقول: “يشتهر أبناء حماه القاطنين في إدلب بصناعة الحلويات، بينما يعرف أهالي داريا غرب دمشق بمهنة النجارة، أما عن صيانة الدراجات النارية فدعها لأهالي مضايا، فلكل عمله الذي يتقنه، والذي ساهم بتحسين الصناعات بشكل واضح، كما وفر فرص عمل للبعض”. ويشيد بمهارة أهالي دمشق بتصليح السيارات بالقول: “لم يتحسن أداء سيارتي إلا على أيدي معلمي المصلحة الدمشقيين، إنهم محترفون، يكفي أن ينظروا إلى السيارة ليعرفوا ما هو عطلها”.

المطاعم الشامية تغزو إدلب وريفها

للمأكولات الشامية حكاية أخرى، يتحدث عنها المهندس أكرم الشايب (35 عاماً) وهو من عشاق الأطعمة الشامية للذتها، يقول: “لقد افتتحت العديد من المطاعم الدمشقية وأكثر ما يشدني إليها النكهة الشامية المحببة التي يضيفونها إلى  مأكولاتهم، التي تختلف عن المأكولات الإدلبية”. من جهته يتردد النازح أحمد على تلك المطاعم لأنها تذكره بمنطقته، وطعم مأكولاتها اللذيذ يجعله يسرح في حارات دمشق وأزقتها، وكله يقين بأنه سيعود إليها يوماً ما.

“سلطان داريا”، أحد مطاعم الشاورما، صاحبه أبو محمد، وهو من نازحي داريا، يشرح لحكاية ما انحكت عن بدايات عمله في إدلب المحافظة، فيقول: “لدى وصولي مع آلاف المهجرين، قمت باستئجار أحد المنازل، وأصبح علي البحث عن مشروع يؤمّن لي ولعائلتي معيشة كريمة، ولأنني كنت مالكاً لمطعم في دمشق فكرت بإنشاء مطعم في إدلب”. لا ينكر أبو محمد مواجهته لبعض الصعوبات في بداية عمله، تجلت بتأمين مكان مناسب للمطعم ومعدات، غير أنه تجاوز الأمر وغدا مطعمه من أشهر المطاعم التي لقيت إقبالاً لنظافتها وتميز مأكولاتها.

لهجات مختلفة في إدلب

باتت محافظة إدلب تحتضن العديد من اللهجات التي يعرف كل منها بحسب منطقته. معلم المدرسة فادي صبيح (30 عاماً) يحب اللهجات السورية، خاصة أنها اجتمعت في إدلب، فهو يميز أن من يحدثه حلبي من اللهجة الحلبية المعروفة بعبارات مثل “أبوس روحك”، أما بالنسبة للشوام فيرددون عبارة “كيفك معلم”، والحمصي يردد “يعطيك العافي أخي” وغيرها من دلالات اللهجات.

لا بد من المشاكل

رغم التعايش بين المهجرين والأهالي، إلا أن حالات قليلة من الشجارات تحدث كل حين حسب ما يؤكده فادي الشردوب (32 عاماً) وهو أحد عناصر الشرطة الحرة في معرة النعمان قائلاً “أحياناً يتردد جهاز الشرطة الحرة نحو مواقع الصراعات والخلافات بين أهالي ومهجرين، ويتم حل الخلاف بسرعة ويمنع تطوره”. ويشير الشردوب أنّ الخبر يصلهم على شكل مناطقي، كأن يقال “حمصي علق مع حموي، أو حلبية وأهالي، وحينها يكفي أن ينتهي الأمر بعبارة كلنا سوريون، ولن نقف عند توافه الأمور”.

الشبان المهجرين يتزوجون من إدلبيات

معظم الشبان المهجرين راحوا يبحثون عن الاستقرار وبناء الأسرة، وكونهم بعيدين عن مناطقهم فقد وجدوا في الإدلبيات ضالتهم، حيث استعانوا بمعارفهم وأقربائهم في اختيار العروس المناسبة. الأمر لم يكن بتلك السهولة، إذ يروي الشاب هيثم الصعوبات التي واجهته في سبيل الزواج من إدلبية، والتي تمثلت  بعدم ثقة الأهالي بالغرباء سيما وأنهم لا يعرفون عنهم أي تفاصيل، لكن وعلى المدى القصير، تمكن عدد من الشبان المهجرين من كسب ثقة المجتمع المضيف، من خلال حب العمل وحسن السيرة، ما شجع الأهالي على تزويج بناتهم. هيثم اليوم يعيش حياة أكثر استقراراً بعد زواجه. من جهة أخرى، أحجم البعض عن الزواج من إدلبيات للاختلاف في العادات والتقاليد بحسب زعمهم.

دون رغبة منهم، اضطر الألوف لقصد إدلب بعد قطع الأسد أي أمل لهم بالبقاء في مناطقهم، فبدت “الخضراء” بما ضمته من لهجات وثقافات رغم صغر مساحتها، وكأنها سوريا مصغرة ضمت جميع السوريين، الذين تقاسموا الآمال والآلام، فكان زادهم الصبر والصمود وحلمهم العودة ذات يوم.

(الصورة الرئيسية: مجمع الوفاء السكني في قرية حاس  في ريف إدلب وهو مجمّع خاص بالمهجرين، تصوير هدى يحيى/ خاص حكاية ما انحكت)

شارك المقالة: