أهالي الشمال السوري يرحبون بـ “فوائد” التدخل التركي

أهالي الشمال السوري يرحبون بـ “فوائد” التدخل التركي

هدى يحيىهدى يحيى

إعلامية وناشطة من ريف إدلب، حائزة على إجازة في التاريخ

 

بقلم .

(إدلب) رغم صفته العسكرية يلقى التدخل التركي ترحيباً كبيراَ من مختلف فئات المجتمع في كل من مناطق درع الفرات شمال حلب وإدلب وريفها، وذلك بعد أن ساهم الوجود التركي وعلى مدى سبع سنوات من الثورة بتحسين الواقع المعيشي للمنطقة المذكورة، وعلى كل الأصعدة.

مؤسسات تركية على الأراضي السورية

افتتحت واحدة من أبرز المؤسسات الحكومية التركية فرعاً لها على الأراضي السورية، في خطوة تحمل أكثر من دلالة وسط تفسيرات متضاربة في ظل الوضع المعقد الذي تعيشه البلاد نتيجة تحوّلها إلى ساحة تنافس لمختلف أشكال النفوذ.

 افتتح فرع مؤسسة البريد المسمى الـ ptt بتاريخ 11 تشرين الأول 2017 بمدينة جرابلس الواقعة في ريف حلب الشمالي تحت سيطرة “درع الفرات” (وهو فصيل معارض مدعوم من قبل تركيا)، وقد بدأ العمل بالفعل في إرسال الحوالات المالية والبريدية من وإلى مختلف بقاع تركيا.

حول الموضوع يذهب عضو مجلس مدينة جرابلس، أحمد محلي، بقوله إنّ للفرع أهمية في رفع بعض الأعباء البريدية عن المواطن السوري، من خلال تقديم خدماته البنكية والبريدية وعمليات الشحن وتسديد الفواتير لأهالي المنطقة من خلال ربط فرع جرابلس بكافة الأفرع المنتشرة على الأراضي التركية.

وهذا ما وضحه لحكاية ما انحكت، أحد تجار المنطقة ويدعى عمر الحسن (40 عاماً) حينما تحدث عن مدى استفادته من الفرع الأخير بالقول “كنّا نعاني نحن التجار في السابق من دفع الكثير من الأموال للوسطاء بغية تسيير أمور تجارتنا من وإلى تركيا، من ناحية تحويل المبالغ المالية الكبيرة وعمليات الشحن الضخمة من وإلى تركيا، غير أن تجارتنا باتت اليوم ميسرة وأكثر سهولة وسلاسة مع تعاون فرع البريد الـptt  الذي وفر علينا الكثير من الوقت والجهد”.  وافتتح فرع ثاني للـptt  في مدينة الباب كبرى مدن الريف الحلبي بتاريخ 22 تشرين الثاني 2017.

الحاج عثمان الستيني يمتدح فرع المؤسسة التركية كونها وفرت عليه قصد مناطق أخرى للحصول على المبالغ التي يرسلها له أبناؤه من تركيا، يقول “أعيش على الراتب الذي يرسله لي أولادي المنتشرون في مناطق متعدّدة من تركيا، ولأنّ للمؤسسة فروعاً منتشرة في كافة المناطق التركية، بت أستلم المبالغ من مصدر واحد وهو فرع المؤسسة هنا” لافتاً إلى أنّ خدمات المؤسسة لا تقتصر على مدينة جرابلس بل كامل منطقة “درع الفرات” (“المثلث” بين جرابلس، اعزاز والباب).

(فرع btt في مدينة جرابلس. المصدر: الصفحة الرسمية للمجلس المحلي في جرابلس وتنشر الصورة بموجب سياسة الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

إلى جانب مؤسسة الـptt  كان هنالك نشاط لجمعية مصعب بن عمير الخيرية التركية في ريف إدلب، والتي قدمت مساعداتها الإغاثية للأسر المهجرة والفقيرة والمتضررة، كذلك قامت منظمة الـ ihh التركية (المصنّفة “إرهابية” في عدة دول أوروبية بعد أن شاركت في حملة “أسطول الحرية” في غزة المحاصرة عام 2009) بافتتاح سوق خيري في ريف إدلب، وهو مجاني بشكل كامل ويضم عشرات المحلات توزع فيها “ملابس، أغذية، مفروشات، أدوية، أدوات مطبخية، وتستهدف عوائل الشهداء والمعتقلين” بحسب ما أكده محمد الطقش (35 عاماً) مدير المشروع لحكاية ما انحكت.

المؤسسات التركية اخترقت المجال الطبي في سوريا أيضاً حين قامت وزارة الصحة التركية بإنشاء مستشفى في مدينة جرابلس سمي باسم المدينة.

الليرة التركية تزيح السورية

عدا عن افتتاح مؤسسات تركية، فإنّ المنتجات الاستهلاكية، الغذائية، النسيجية ومواد البناء والسيارات طغت على الصادرات التركية الحالية إلى سوريا وفق ما تذكره إحصائيات تابعة للتجارة الخارجية التركية. وفي السياق يتحدث الاقتصادي خالد الحلبي (45 عاماً) عن أسباب استعانة أهالي إدلب والشمال السوري بالبضائع التركية، فيقول لحكاية ما انحكت “إن الواقع السوري يعيش أزمات اقتصادية خانقة فرضت عليه التكيف مع الواقع وإيجاد مصادر للسلع الأساسية، وخصوصاً المناطق المحررة، لذلك توجهت الأنظار إلى تركيا البلد القريب ذي الحدود الخاضعة لسيطرة الجيش الحر، وبدأ الأهالي يقبلون على شراء هذه البضائع، بغية سد نقص الاحتياجات فتشكلت الأسواق الشعبية”.

ويؤكد الحلبي أنّ هناك أكثر من 25 سوقاً شعبياً منتشراً في محافظة إدلب، الأمر الذي فرض الوجود التركي ليس على مستوى البضاعة فقط، بل الأسعار أيضاً، عبر تصريف اليرة السورية التي تنجر وراء ارتفاع سعر الليرة التركية وسط انهيار الليرة السورية، فأصبحت الأسواق ساحة صراع لليرتين بحسب الحلبي.

أم محمد المرأة الخمسينية أقدمت على تحويل جميع ما تملكه من مال من العملة السورية إلى التركية، حالها كحال الكثيرين في الشمال السوري، من أهالي وتجار، وتعزو السبب إلى “انهيار الليرة السورية بشكل متواصل ما سيجعلها تخسر قيمتها، وقد اخترت العملة التركية لأنها أكثر ثباتاً وتداولاً في السوق المحلية، وتتميز عن الدولار مثلاً بوجود قطع نقدية معدنية ” (كل 140 ليرة سورية تعادل ليرة تركية واحدة).

تعتبر بعض البضائع التركية المتوافرة في أسواق إدلب رخيصة مقارنة مع سعرها المباع في الأسواق التركية، لكن الباعة يفضلون دائماً إلحاقها بسعر السوق السورية لتحقيق ربح أكبر، مستغلين غياب الرقابة والتموين وجهل الناس بالبضاعة والأسعار. يبدو ذلك بارزاً في سوق الاحتياجات غير الأساسية، حيث يعزو التجار السبب لانهيار الليرة السورية وارتفاع الليرة التركية.

يحدثنا أبو سليم (38 عاماً) وهو صاحب إحدى بسطات الألبسة المستعملة (البالة) في مدينة معرة النعمان، عن سبب اهتمامه ببيع الألبسة التركية حصراً، قائلاً: “لطلبها من قبل المستهلك أكثر من الألبسة السورية، وذلك لجودتها من جهة، ورخص ثمنها مقارنة مع الألبسة السورية من جهة أخرى”.

(بضائع تركية منتشرة في إدلب وريفها. تصوير هدى يحيى نوفمبر 2017)

انتشار البضائع التركية واستهلاك الناس لها في مناطق المعارضة في إدلب، يعود لأسباب أخرى تتعلق بصعوبة إيصال البضاعة من مناطق النظام، والمبالغ التي تدفع لقاء إيصالها إن وصلت، يقول التاجر عدنان (اسم مستعار): “كميات كبيرة من البضائع يتم حجزها على حواجز النظام بغية دفع مبالغ مالية كبيرة لاستردادها، وهذا ما تسبّب بارتفاع أسعارها بشكل جنوني، وبالتالي بات الإقبال عليها ضعيفاً جداً، وهذا ما دفع بغالبية سكان المناطق المحررة للاستغناء عنها وشراء الألبسة المستعملة التركية باستمرار”. ويردف مبيناً سهولة استيراده للبضائع التركية بالقول: “أحضر الألبسة التركية المستعملة من تركيا بشكل مريح، عبر منطقة سرمدا الحدودية، حيث يكثر التجار الذين يقومون بإدخالها هناك، فأشتريها حسب وزن الكيلو بالجملة، وأبيعها لزبائني بسعر المفرق محققاً أرباحاً ممتازة”.

بضائع تركية في مناطق النظام أيضاً

لم يقتصر تواجد البضاعة التركية على مناطق المعارضة فحسب وإنما على مناطق النظام، إذ إن البضائع القادمة من الحدود السورية الشمالية متوافرة بكثرة في مناطق النظام بالساحل السوري، فرغم بلاغ رئاسة مجلس وزراء النظام السوري بمنع القطاعات الحكومية كافة من استيراد البضائع ذات المنشأ التركي، إلا أنّ القطاع الخاص متمثلاً بالمهربين اعتبر نفسه معفياً من القرار أمثال المهرب حسام القيرومي (اسم مستعار) الذي يعتبر من مؤيدي النظام السوري، غير أنه يعتقد أن الاقتصاد السوري منتهٍ ومتهالك ولن يقف انهياره “المحتوم” عند تهريبه للبضائع التركية التي تعد مصدر رزقه الوحيد، فهو يعمل على إدخال مختلف البضائع التركية لمناطق النظام وتحديداً اللاذقية مما يحقق له أرباحاً وصفها بـ “الجيدة”.

“القيرومي” يتمتع بعلاقات “جيدة” مع حواجز النظام، وهذا ما يساعده ليس في إدخال بضاعته إلى مناطق الأخير فحسب، وإنما في إدخال بضائع بعض التجار الآخرين ممن يصدرون بضائعهم عن طريق البحر بعد إيصالها إلى اللاذقية مروراً بحواجز النظام ومناطقه.

 هذا ما يؤكده الأربعيني رامز الحلاق (مستعار) الذي يقوم بجمع موسم التين من مناطق المعارضة كل عام ويصدرها إلى مصر بمساعدة القيرومي، يقول: “معروف عن القيرومي علاقاته الواسعة في أماكن سيطرة النظام، ربما عن طريق دفع الرشاوى باستمرار لهم، المهم في الأمر أننا نضمن بمساعدته ومساعدة أمثاله أن تصل بضائعنا إلى مصدّرها بأمان ودونما مشاكل وإن اضطررنا لدفع مبلغ ليس بالبسيط للقيرومي الذي يسهل الأمر علينا كثيراً”.

وفي سياق متصل كشف وزير التجارة والجمارك التركي نور الدين جاينكلي أنّ الحكومة التركية قررت إدخال البضائع السورية إلى تركيا، شريطة ألا تكون منتجة في مناطق النظام أو النصرة (مع أنّ النصرة تسيطر على مناطق واسعة من محافظة إدلب تحت تسمية “هيئة تحرير الشام”) أو داعش، وسمحت للبضائع السورية مثل مواد القطن والقمح والزيتون بالدخول، على أن تكون شهادة المنشأ لتلك البضائع صادرة حصراً عن الحكومة السورية المؤقتة وممهورة بأختامها.

إقبال ملحوظ على تعلم اللغة التركية

بعد الإقبال على تعلم اللغة التركية التي أصبحت من أولويات السوريين، انتشرت معاهد تعليم اللغة التركية في مختلف مناطق إدلب وريفها.

علاء الخطيب (35 عاماً) مدير مركز رؤية للغات في كفرنبل، يصف الإقبال على تعلم اللغة التركية بأنه “كبير”، من قبل الذكور والإناث، سيما وأنّ التعليم في المعهد مجاني، حيث قام المعهد بتخريج أربع دفعات منذ تأسيسه عام 2014 وحتى الآن، فيما يعترف الخطيب بأنهم لا يستطيعون “منح شهادات معترف عليها في تركيا وغيرها من الدول، لكننا نستطيع من خلال تدريباتنا رفع القدرات اللغوية للمتدربين لدينا، غير أننا  كثيراً ما نعاني من عدم توافر المدرسين الأكفاء”.

تنوعت الأسباب التي دفعت السوريين لتعلم التركية، منها الرغبة في متابعة الدراسة الجامعية في تركيا نتيجة الصعوبات المتعددة التي يواجهها القطاع التعليمي السوري بفعل استهدافه من قبل الطيران الحربي من جهة، وعدم حصوله على اعتراف دولي في مناطق المعارضة من جهة أخرى، وهنالك رغبة لدى بعض المقبلين على تعلم التركية بأن يقصدوا تركيا للبحث عن فرص عمل أمام انحسار الأخيرة في مناطقهم، بينما ينتاب البعض مجرد الفضول لتعلم التركية ولذلك يقدمون على تعلمها.

فؤاد الداني (50 عاماً) بحاجة لتعلم اللغة التركية بوصفه مدير شركة لوحات فسيفساء في ريف إدلب، لا سيما أنه  قرر مؤخراً افتتاح فرع لشركته في تركيا، يحاول أن يتقن التركية مع عدد من موظفيه بغية تعيينهم في الفرع التركي الجديد.

تضم إدلب وريفها أكثر من خمسة معاهد متخصصة بتعليم اللغات ومنها التركية، وفق معلم اللغة التركية أحمد مراد الذي يعتقد أن عدد طلابها يتراوح بين 1000 – 1500 طالب.

لم يكن في حسبان السوريين يوماً أن يرحبوا بالوجود التركي على أراضيهم، غير أن ذاك الوجود يبقى أفضل الشرور المتربصة بساكني المنطقة، ليبقى السؤال: هل سيعتبر تزايد قوة النفوذ التركي في إدلب والشمال السوري انتقاصاً للسيادة السورية عليها وتكون تركيا قد استغلت المناطق الآمنة لتغزوها اقتصادياً واجتماعياً، أم أن ذلك سيسهم في إنعاش المنطقة بعد سنوات من القصف والحصار والدمار؟

(الصورة الرئيسية: تصميم كوميك لأجل سورية، وهي صمّمت خصيصا لهذه المادة، خاص حكاية ما انحكت)

شارك المقالة: