ليس من السهل أن تكون نسويا

ليس من السهل أن تكون نسويا

رولا أسدرولا أسد

صحفية ومدربة في مجال الإعلام والجندر، مديرة ومؤسسة شبكة الصحفيات السوريات

بقلم .

كانت الساعة الثانية عشرة ظهراً، في يوم دمشقي حار جداً، وقتها كان عمري ثماني سنوات أكثر أو أقل بسنة، وصلت المنزل بعد سير ما يقرب الساعة عائدةً من المدرسة، وكالعادة نزعت جواربي واتجهت للمغسلة كي أغسلهما، لحظات وصل أخي الذي يكبرني بعامين، رمى فردتي حذائه، كلّ في اتجاه مختلف وكذلك جوربيه، لم أكترث، كنت مستمتعة بتطاير قطرات الماء العشوائية. تقطع أمي متعتي بأمر ديكتاتوري من الطرف الآخر للمنزل: اجمعي جوارب أخيك واغلسيهما معك.

حينها توقف كل شيء، شعرت بسخونة في أذني وتوتر في أحبالي الصوتية كاد يقطعها، فقلت: لقد وصلنا كلينا للتو من المدرسة، ليقم هو ويغسلهما.

لم تقتنع أمي بما قلت وأصرت أن أغسل الجوارب بينما حاولت الإصرار على موقفي. لم أعد أذكر هل غسلتها تحت التهديد أم أنّ أختي من احتوت الموقف. بالتزامن مع هذا التحول التاريخي في حياتي كان أخي مستلقياً كعادته وبشكل طبيعي مستفز، يشاهد أفلام كرتون ويرمقني بنظرات مختلطة بين شماتة وانتصار.

اليوم، وبعد ما يقارب أكثر من ٢٠ سنة ما زلت أبحث عن كيف حولتني هذه الحادثة البسيطة لنسوية عنيدة. نعم قضية الجوارب المضحكة ربما هي أولى شرارات ثورتي الشخصية، ومنها من الأمثلة الكثير: ترتيب غرفته بينما أرتب غرفتي، تحضير الطعام له بينما للتو أنوي تحضير وجبتي، مساعدته في دروسه حين أنتهي وأحياناً قبل، البحث عنه والقلق عليه إن اختفى، حتى ولو كنت أنا الأصغر سناً وحتى ولو كان هو يلعب الكرة في حي آخر كعادته، وغيرها الكثير. خلاصتها أنّ كل ما ذكر يبدو استياءً نسائياً مضحكاً، لكنه النمط الأول الذي يتم فيه ربط الأخوة الذكور بأخواتهم للعناية بهم وتلبية طلباتهم، وبنفس الوقت درس مبكر لي أنا الأخت كي أصبح امرأة مطيعة فاضلة وأخت رئيفة، سريعاً سأطمئنكم، لم أصبح لا هذه ولا تلك، ولكن أصبحت أفضل، أصبحت نسوية.

أنا نسوية بدون مبالغة ولا تواضع، على الرغم من أنني ما زلت في رحلة البحث والنقد الذاتي، ورغماً عن كلّ التعميمات والإشاعات والتقليل من النسوية والاتهام بأنّ كل النسويين والنسويات مثليّو الجنس، وكأن المثلية عار أو عيب! أو أنهن مسترجلات وبأحسن الأحوال شديدات النقد أو متنمرات ولا يعجبهن العجب… إلخ.

لا علينا من كل ما سبق، فهي نمطية مستوردة رافقت استيراد المصطلح لفترة من الزمن مع مشاريع التنمية وموجات التمويل، وهذا فقط الجانب النمطي السلبي الذي لحق بالنسوية كحركة. وبدون شك هناك جوانب إيجابية أيضاً للحراك، وما يحصل لم يحصل لنا فقط بل حصل لدول الجنوب، لدول العالم الثالث، ولكن بكل تأكيد حصل للدول المحكومة بالديكتاتوريات التي أسرت معها الحراك المدني والحراك النسائي وحرية التعبير والنظام الاقتصادي والتعليمي، ووضعت في جيبها صكوك الوطنية، فضاعت فرصة اكتشاف الذات. وهنا أعني تجربتنا المحلية كنسويات ونسويين، إذ لم يكن هناك مساحة كافية للنقاش الحر عن حراكنا، عن نحن، عن قيمنا، عن ماذا يجمعنا وماذا يفرقنا، عن المساحة المشتركة وعن الأولويات القصيرة والبعيدة، عن الاحتمالات والفرص.

لكن منذ انطلاق الثورة السورية ٢٠١١ وربما قبلها ببضع سنوات، فُتح الباب قليلاً ربما لطول سنوات القمع، ولربما كان لشارع الشعلان الدمشقي وأمسيات أيام الخميس دور في محاولة المجموعات الكويرية (الكويرية ترفض وتتحدى رؤية الهويات الجنسية كأمور جوهرية (ليس فقط المثلية منها) وإنما كبنية اجتماعية والتي ينبغي تفكيكها تماماً)  الشجاعة بالتحرك ولو ضمن دوائر مغلقة ولكن في الفضاء العام فرصة لملاحظة أنّ من يعيش هنا ليس فقط نساء ورجال بهوية جندرية أحادية بل هناك مثليون ومثليات، عابرون للجنس..إلخ.

(بوستر من صفحة “خرابيش نسوية” ويستخدم بإذن خاص)

وبدون أدنى شك كان لنساء سوريات في المدن الصغيرة والبلدات دور في إعادة صياغة الحراك النسائي المحلي في سياق جنوني معقد من الثورة والصراع والنزوح واللجوء، فلم يعد للتحرّر ارتباط بالنخبة والمدن الكبيرة، ولا ينتهي بتحرير بلدة من قوة عسكرية بل الثورة هي اجتماعية ونضال للحفاظ على المكتسبات خلال زمن الثورة، مؤكدات أنّ نضال النساء أطول ثورة وأعمق من الثورات السياسية التي تنتهي بتحقيق النصر واعتلاء الكرسي، والتي يتم خلالها الاستفادة من النساء ومن ثم تجاهلهن وإبعادهنّ حين تحقيق ذاك الانتصار كما كتبت جولييت ميتشل منذ ١٩٦٦.

في الحقيقة ليس من السهل أن تكون نسوياً، لأنّ ذلك يعني أن تخوض معارك مستمرة بينك وبين ذاتك على مدار اليوم، بالتوازي مع إجراء نقد وتحليل، والمقارنة بين الهنا والهناك، البارحة والآن وغداً.

إشكالية المصطلح وأسئلة لا بد منها

أبحث في هذا المقال بصوت عالٍ حول إشكالية النسوية كمصطلح فقط، كبداية لسلسلة من التساؤلات، إذ لفتني نفور بعض الناشطين والناشطات من أن يتم تعريفهم/ن كنسويين أو نسويات، لا بل أبعد من ذلك، نفور حتى من أن تحتل النسوية ولو حيزاً بسيطاً من هويتهم التعريفية، على الرغم من الاتفاق المطلق على المفهوم أي قلب النسوية الصافي، حرية الاختيار، المساواة والعدالة الجندرية.

يبقى المصطلح إشكالياً، لا بأس، أتساءل: ما الخطأ في المساواة والعدل بين النساء والرجال تحت مظلة النسوية؟ ألم نمر جميعنا بشكل أو بآخر بمواقف كغسيل الجوارب وترتيب الغرف أو ربما كليشيه “لا تبكي أنت رجل”؟

عادة يجيب الجميع: لا مشكلة في ذلك، بل ويذهبون بالمزايدة أحياناً لحد القول “بل أنا من أشد المطالبين بتلك المساواة”، ولربما تلحق بالنكتة المصطنعة “يا ستي نحن الرجال صار بدنا نطالب بحقوقنا”.

تتولد أسئلة أخرى، أمنع نفسي من الاسترسال في طرح أسئلة فقط، لكن أيضاً لا يسعني في نص واحد أن أثير كل الأسئلة وأبحث عن أجوبة لوحدي، لأنني مؤمنة أنّ ذلك من مهمتنا جميعاً نحن المعنيون بالشأن العام كناشطين وناشطات، نحن العاملون والعاملات، مع ما تسميه مشاريعنا، فئات مستهدفة متنوعة ومعقدة التركيب الديموغرافي اليوم، نحن مسؤولو ومسؤولات برامج التنمية في الداخل السوري وأينما استطعنا للسوريين والسوريات سبيلاً، نحن مديرات ومدراء المنظمات والجمعيات المدنية.

لحسن الحظ أنني أعيش في زمن التكنولوجيا والإنترنت، وزمن الفيسبوك تحديداً، منذ فترة تجاوزت العام، فُتح نقاش في إحدى الصفحات النسوية المغلقة التي أتابعها وأستفيد منها جداً لحالة النقد وإعادة التفكير، عن النسوية كمصطلح ولماذا ترفض بعض الناشطات تعريفهن كنسويات.

النقاش كان حياً وجامعاً لنساء سوريات من بقع جغرافية متعدّدة وخلفيات اجتماعية وأكاديمية متنوعة. أفضى النقاش لوجود فئتين: الأولى لا تجد في النسوية عيباً أو وصمة، بينما الفئة الثانية جادلت بأنّ النسوية (كمصطلح) وجد للتعبير عن حالة ثورية معينة، وباعتقادهن اليوم لم يعد يعبر عنها دون شرح المصطلح بحد ذاته.

تطورت التعليقات لمناقشة حل، ربما مصطلح بديل قد يكون حلاً، ولكن المطب في ذلك هو: كيف يمكن حماية ذلك المصطلح دون الوقوع في ذات الفخ؟

مرة أخرى، أسأل نفسي: لماذا أكتب عن هذا الموضوع؟ ولماذا أنشره ولا أكتفي بنقاشه مع من أشبههم ويشبهونني؟

لسبب قد لا يكون مقنعاً للبعض لكنه كاف لإعادة التفكير. حين قرأت للمرة الأولى ما كتبته  الناشطة جولييت ميتشل محاولة التوفيق بين التحليل النفسي والنسوية (في كتابها التحليل النفسي والنسوية. فرويد، راش، لينج والنساء). في ذلك الوقت اعتبر فيه الكثيرون أنّهما متنافيان، رأت ميتشل أن فرويد المنحرف عن الذكورة والأنوثة يعكس حقائق الثقافة الأبوية، وسعت لاستخدام نقده للأنوثة لتنتقد النظام الأبوي نفسه. وهنا يأتيني الجواب، بأن عدم نقل نقاش موضوع بهذه الأهمية وإبقاءه في دوائر خاصة وصغيرة وشبيهة ببعضها البعض، تحرمنا فرصة الاكتشاف، ولأنني مؤمنة بأننا نستحق أن نعيش تجربتنا بكل كبوتها وانتصاراتها، ولكن عميقاً، أعتقد أن علينا أن نتجرأ أولاً بأن نعبر عن آرائنا بهذا الخصوص أكثر، دون خوف من تصيّدنا والسخرية منا وانتقادنا وتحطيمنا وسحقنا كنسويات ونسويين.

ليس من السهل أن تكون نسوياً، لأنّ النسوية منظومة مفاهيم مثالية وطوبابية في بعض الأحيان. لا يكفي فقط أن تكون سياسياً مثلاً، وأن تتكرم على النساء بالموافقة على حقهن في تمثيل سياسي عادل، إذ عليك أن تعمل لتحقيق ذلك دون تحميل النساء منّة، لا يكفي أن تكون صاحب شركة تؤيد عمل النساء ولكن تشغلهن في شؤون السكرتارية وتعطيهن أجوراً أقل. وبالتأكيد لا يكفي أن تكون معلماً تدرس الصبيان والفتيات في صف واحد دون أن تعيد التفكير في المنهج الذي يضع العائلة في قوالب نمطية مبالغ فيها، ولا يكفي أن تكون صحفياً مهنياً دون أن توازن بين مصادرك وتنوعها جندرياً وطبقياً، ودون أن تستحي حين تقول “أنا مع حقوق النساء ولكني ضد بعض النسويات”، ولا يسعني  إلا أن أنهي هذه السلسلة التي قد تمتد لتصل لمكان لا أعرفه حقيقة، بالناشط الثوري الذي توقفت دائرة مناصرة حقوق النساء لديه بتكراره “المرأة هي أمي وأختي وبنتي”، أرجوك فكر قبل أن تنطق.

ومرة أخيرة، كيف لا يمكن ألا تنتمي لحركة تاريخية تحمل منتجاً فكرياً وثقافياً ونضالياً لتحقيق المساواة وليس فقط حقوق النساء على الرغم من أنها تشغل جزءاً كبيراً منها. كيف يمكن ألا تنتمي إلى حراك يناضل من أجل حق المساواة في التعليم والصحة والأجور، وحرية الحركة واللباس والجسد؟

إن كنت لا تؤمن بالنسوية، أنت مثل نموذج أخي الطفل الصغير المنتصر، والذي كبر وأصبح رجلاً متسلطاً، وذلك ببساطة لأنك تخاف من فقدان امتيازاتك ولأنك لا تثق بكونك إنسان مجرّد عن امتيازات ثقافية، ولأنك تخشى ندية النساء وتحديهن بتجرّد، ولأنك رجعي تؤمن بالوصاية على النساء وإجبارهن على الزواج طفلات وبالغات، فأنت (حينها) بكل تأكيد سترى التحرش سلوكاً رجولياً وليس انتهاكاً تجب المعاقبة عليه. لا تسخر، فقط اصمت وفكر بينك وبين نفسك.

النسوية “وسيلة رائعة للطيران“. أقتبس هنا من مديرة دراسات القرون الوسطى في جامعة تكساس في أوستن، جيرالدين هنغ، محفزة نفسي على الاستمرار في الكتابة ومحاولة توسيع دائرة النقاش النسوي بيني وبين نفسي وبين من قد يجدون في هذا المقال تحفيز للإسهام في خلق نقاش نسوي فكري لا معيار له إلا الحرية.

ذات يوم كتبت هنغ بأن “جميع الحركات النسوية في دول العالم الثالث معرّضة للخطر، ويجب عليها أن تكتب سيناريوهاتها وأنّ تخطط لبقائها من لحظة لأخرى. وإنّه لتقدير عميق لروح المبادرة والإصرار النسويين أن مجموعات نسوية مختلفة مستمرة بالبقاء والتكاثر في مناطق متعددة من العالم الثالث اليوم”.

(الصورة الرئيسية: بوستر من صفحة “خرابيش نسوية” على الفيسبوك. والصورة تستخدم بإذن خاص)

شارك المقالة: