اللاجئون السوريون في روسيا يستميتون لتحصيل حقوقهم (2)

اللاجئون السوريون في روسيا يستميتون لتحصيل حقوقهم (2)

إيكاترينا فوميناإيكاترينا فومينا

صحافية روسية في جريدة نوفايا غازيتا

بقلم . ترجمه‫/‬ته إلى العربية .

(ينشر هذا النص ضمن ملف يتناول تداعيات التدخل الروسي في الحرب السورية على المستوى اﻻجتماعي واﻻقتصادي في كلا البلدين، وهو ينشر بالتعاون مع أوبن ديموكراسي روسيا. النص متاح أيضاً باللغة الروسية)

يقتصر الدعم الروسي لسوريا على القوات المسلحة، في حين يحظى المدنيون باهتمام لم يكف عن التناقص بمرور السنوات. حتى تموز/ يوليو الماضي، منح مواطنان سوريان فقط صفة اللاجئ في روسيا. وفي كانون الثاني/ يناير 2017، منح 1,317 مواطن سوري صفة اللجوء المؤقت، ولكن بحلول الصيف انخفض هذا العدد إلى 1,301. ورغم أن روسيا واحدة من الدول القليلة التي ما تزال تصدر تأشيرات للسوريين، وبالتالي الحق في الهرب بصورة قانونية من الحرب، إلا أنّ الذين نزحوا صوب روسيا في وضع لا يحسدون عليه.

سفيتلانا غانوشكينا وناتاليا غونتسوفا، من لجنة المساعدة المدنية، وهي منظمة روسية مقرها موسكو وتعمل على دعم اللاجئين والنازحين قسراً، تحدثتا إلى “أوبن ديموكراسي روسيا” عن المشكلات التي يواجهها هؤلاء في روسيا.

كم عدد السوريين المقيمين حالياً في روسيا؟

سفيتلانا غانوشكينا: وفقاً لدائرة الهجرة الاتحادية، هناك ما يقارب 7,000 سوري في روسيا. هذا عدد قليل بالنسبة لحجم روسيا، لكنه يشكل عبئاً غير قليل على منظمتنا. بحساباتي، هناك 2,000 سوري يعيشون هنا بشكل دائم وقانوني، وهناك 1,300 آخرون حصلوا على اللجوء المؤقت، وليس هناك سوى اثنين يتمتعان بصفة اللجوء. ما من مفاجأة في ذلك: وفقاً للأرقام الرسمية هناك 589 شخصاً فقط في كل روسيا يتمتعون بوضعية اللجوء.

إلا أن هناك حوالي 5,000 سوري في مأزق، وهم الأشخاص الذين يتوجهون إلينا للحصول على مساعدة. معظم هؤلاء يعيشون في محافظة موسكو، في بلدة لوسينو-بتروفسكي ومدينة نوجينسك. هناك أيضاً من لم يجدد لجوءه المؤقت، ويبدو أنّ هذا أصبح القاعدة.

هل هناك معايير محددة يمنح على أساسها السوريون الذين غادروا بلادهم حق اللجوء؟

ناتاليا غونسوفا: مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تعتبر جميع السوريين لاجئين لأنهم يفرّون من حرب.

(سفيتلانا غانوشكينا، رئيسة المنظمة، وناتاليا غونسوفا، استشارية شؤون الهجرة. الصورة تقدمة الكاتبة. جميع الحقوق محفوظة)

لماذا يختار سوريون روسيا كبلد لجوء؟ لا يبدو ذلك خياراً بديهياً.

ن.غ: أولاً روسيا واحدة من الدول القليلة التي ما تزال تمنح السوريين تأشيرات سياحية. ثانياً لدى بعض السوريين علاقات جيدة هنا. حلب، على سبيل المثال، معروفة تاريخياً بصناعة ألبسة. وقد سبق لرجال أعمال ناجحين من المدينة أن افتتحوا مصانع ألبسة في روسيا واستقدموا سوريين للعمل معهم. البعض مثلاً قام فعلاً بفتح محلات تجارية في روسيا عام 2011، وبعد ذلك أدركوا أنهم غير قادرين على العودة إلى ديارهم، فاستقروا هنا ودعوا عائلاتهم للانضمام إليهم. هذا ما حدث في نوجينسك. استقر عدد محدود من الشباب السوريين هناك، ومنحوا إخوتهم أو آباءهم توكيلات رسمية ليتسنى لهم الزواج من سوريات. وبعد تثبيت الزواج في سوريا بإمكان العروس الانضمام إلى زوجها.

س.غ: نعم، التأشيرات تلعب دوراً هنا. والقنصليات الروسية تمنحها بمنتهى السهولة. والناس يغادرون إلى أي بلد يستقبلهم. مؤخراً قدمنا مساعدة لعائلة سورية، أم وطفلين، وعندما سألناها عما أوصلها إلى روسيا قالت إنهم دفعوا 3,000 دولار لكل تأشيرة سياحية. بالطبع يعرف أي قنصل أنّ القادمين من سوريا أو من اليمن، أي من بلد يمر بحالة نزاع، سيطلبون اللجوء حتماً. ولكن ليس هناك منطق محدد تسير وفقه الأمور بعد ذلك: فالخارجية الروسية التي تمنح التأشيرات، والتي تعلم أن هؤلاء ليسوا آتين كسياح، لديها سياستها؛ وفي الوقت نفسه الداخلية ترفض منحهم حق اللجوء.

إلام يعود هذا السلوك غير المتسق؟

س.غ: أعتقد أن هذه القسوة مفروضة عليهم من الأعلى. روسيا ليست بحاجة إلى مهاجرين، هذا ما تعتقد به الحكومة، وما تبرره بالقول إن “الشعب لن يعجبه ذلك”. الحجة تسير على هذا النحو: إذا منحنا شخصاً واحداً حق اللجوء اليوم فستأتي حشود وتطرق علينا الأبواب غداً؛ أوروبا المصدومة والحائرة خير مثال.

ولكن من هو هذا “الشعب” الذي يتحدثون عنه؟ أنا جزء من الشعب. النخبة المثقفة أيضاً جزء منه. أنا لا أعيش على منافع الدولة: لقد عملت طوال حياتي، مثلي مثل أسلافي. كل شخص لديه تصوره الخاص لـ”الشعب”، أي الآخرين الذين يشبهونه.

أنا أقوم برحلات متكررة إلى أوروبا، ولم أر الأوروبيين في حالة صدمة قط، نحن نشاهدهم فقط على شاشات التلفزيون. نشرت في ألمانيا مؤخراً خريطة انتخابية تبين توزع الناخبين الذين صوتوا لحزب “البديل من أجل ألمانيا”، والذي تقوم حملته على أفكار مكافحة المهاجرين/ اللاجئين. من المثير للاهتمام أن هذا الحزب حصل على أكبر عدد من الأصوات في المناطق التي استقبلت أقل عدد من المهاجرين، غالباً في ألمانيا الشرقية (الديمقراطية سابقاً) للأسف.

هل يعتبر اللاجئون روسيا موطناً مؤقتاً أم بدأوا يفكرون في الاستقرار هنا؟

ن.غ: هناك أنواع مختلفة من اللاجئين والمهاجرين. بعضهم عائلات: يأتي الزوج أولاً ثم تتبعه الأسرة. هؤلاء يستقرون هنا، يتعلمون الروسية، يعتادون على الحياة هنا ويقررون البقاء، وهم يقومون بكل ما في وسعهم للحصول على الإقامة الدائمة. لكن هناك أيضا الشباب غير المتزوجين، وهؤلاء أقدر على الحركة، وهم لا يرون أي آفاق في روسيا، وسيرحبون بأية فرصة تتاح لهم للمغادرة.

(قدمت منظمة “لجنة المساعدة المدنية” دورات للاجئين السوريين، الأطفال والبالغين، في مدينة نوجينسك. تصوير: بولينا روكافيتشكينا / موقع refugee.ru. جميع الحقوق محفوظة)

بشكل عام، يرى اللاجئون الحياة في روسيا كعجلة ينبغي تدويرها باستمرار من أجل البقاء على قيد الحياة. الحياة هنا مرهقة نفسياً، وهم يحلمون بالانتقال إلى مكان يجدون فيه ترحيباً أكبر. البعض يأمل في الحصول على مساعدة من أفراد مجتمعه ولكنه يجد نفسه بلا سند. حدثني نصف السوريين عن دفعهم آلاف الدولارات لسوريين آخرين مقيمين في روسيا للحصول على تصاريح إقامة مؤقتة، ثم اكتشفوا أن “يد المساعدة” أخذت المال واختفت.

الكثيرون يستعدون للبقاء بسبب انعدام الخيارات الأخرى: ما من مكان آخر يعودون إليه. غالباً ما يقول لي اللاجئون: لولا الأطفال لتوجهت إلى سوريا واخترت الموت هناك بدل المعاناة هنا. غالباً كبار السن هم من يقولون ذلك. أتذكر جدي على الفور: لم يغادر قريته على الإطلاق، لكنه كان حريصاً على رؤية بناته يغادرون نحو المدينة. الأمر نفسه يصح بالنسبة لكبار السن السوريين: لا يريدون شيئاً لأنفسهم وكل ما يفعلونه هدفه حماية مستقبل الأسرة. الناس هم الناس في كل مكان.

س.غ: في الوقت نفسه، لا يستبعد أن يتعرض الذين لم يمنحوا وضعية قانونية (وهو حال الأغلبية) للطرد من روسيا. لكن الناس تتأقلم مع الحياة المؤقتة لسنوات، وأحياناً لعقود. هذا شيء خاص بروسيا. أنا أعرف رجلاً (ليس سورياً، في الحقيقة) صدر قرار بطرده من قبل المحكمة. لكنه عاش حياة كريمة لمدة 20 عاماً في روسيا. لديه زوجة وطفل، ويعمل بشكل غير رسمي خارج السجلات. ولا غرو أن حماته لا تفهم لماذا لم يقم هو وزوجته بإتمام مراسيم الزواج حتى الآن، فهي تجهل أنه لا يملك أوراقاً رسمية. لكنه يضطر لرشوة الشرطة في أية لحظة يتعرض للمساءلة حول هذا الموضوع. بطبيعة الحال لا يتمتع الجميع بهذا القدر الهائل من الدهاء والجرأة.

معظم اللاجئين يعانون من ابتزاز الشرطة أو احتيال اللصوص أو استغلال أصحاب العمل، أو يتم احتجازهم بشكل احتياطي حين تقرر المحاكم طردهم. جرت عدة حالات طرد فيها سوريون، لكن في الآونة الأخيرة تمكنت محاكم الاستئناف من إلغاء أوامر الطرد.

لكن من أين أتت إشاعة أنه يمكن لأي كان شراء وضعية اللجوء بالرشوة؟

ن.غ: أخبرنا سوريون عن امرأة تعمل في مديرية شؤون الهجرة وتقاضت أموالاً لتمرير تصاريح إقامة. كانت الوسيط بين المهاجرين والمسؤول عن اتخاذ القرارات، كما كانت الشخص الذي يسلم الناس الأوراق التي دفعوا ثمنها. لكن تبين بعد ذلك أن العديد من أولئك الذين “ساعدتهم” لم يكونوا مسجلين حتى في قاعدة بيانات المهاجرين (أي أن المسؤول قبض الرشوة لكنه لم يتابع إجراءات الصفقة).

ما الذي يحتاجه السوريون، أو أي لاجئين آخرين في روسيا، للحصول على وضع رسمي وإقامة قانونية هنا؟

ن.غ: أول ما یتعین علیھم القیام ب ھو زیارة مدیریة شؤون الھجرة وتعبئة استمارة الطلب. هذا من الناحية النظرية على أي حال. لكن في روسيا يتوجب عليهم الاستماتة من أجل الحصول على قبول. حتى محاولة تسليم الوثائق المطلوبة لتقديم طلب اللجوء ليست سهلة. موظفو المديرية سيحاولون تثبيطك على الفور: “ستواجه الكثير من المتاعب وسيرفضونك بكل الأحوال”.

كانت هناك حالة لافتة مؤخراً، حيث وصلت أسرة (أم وولداها البالغان) من سوريا، وذهب أحد المتطوعين معهم إلى المديرية. في البداية لم يقبل الموظفون استمارة طلبهم للحصول على اللجوء، ولكن المتطوع قام بإقناعهم. وكيف انتهى كل شيء؟ بعد شهرين تم رفض الطلب، طلب اللجوء وطلب اللجوء المؤقت.

لكن كيف يرفضون منح اللجوء؟ من المؤكد أن هناك توجيهات من مفوضية اللاجئين بشأن هذا الأمر.

ن.غ: يقولون أن كل شيء على ما يرام في سوريا، وأن الاتفاقات الدولية يتم توقيعها كيفما اتفق، فيما يجري تطبيع هذه الحال. والواقع أن مديرية شؤون الهجرة لا تولي اهتماماً كبيرا لتوجيهات الأمم المتحدة والاتفاقات الدولية. النقطة المرجعية لها هي وزارة الداخلية في روسيا، والحجج المقدمة لرفض منح اللجوء لشخص معين تستند إلى المعلومات التي تقدمها هذه الوزارة.

كثيراً ما يكتبون، مثلاً، أن “معظم السكان لدينا يواجهون صعوبات من نوع ما: “ليست الصعوبات التي يواجهها مقدم الطلب أمراً استثنائياً”. بعبارة أخرى: “الجميع يعانون هنا، وعليك أن تعاني أنت أيضاً”.

يتم رفض الطلبات أيضا على أساس أن الشخص جاء إلى روسيا لتحسين حالته المادية، أي بسبب مشكلات مالية في بلاده وليس بسبب أي خطر هناك، كما لو أن انعدام فرص العمل أو انقطاع الغذاء ليس خطراً. ربما لم تعد القذائف تنفجر كل بضعة دقائق، ولكن ما يزال هناك الكثير من المخاطر.

كثيراً ما يتم رفض الطلب بحجج واهية للغاية. مثلاً يقوم شاب بالتقدم بطلب لجوء في روسيا فيما أمه المسنّة ما تزال في سوريا، فيأتي الرفض: “يمكنه العودة إلى بلاده لأن لديه أسرة هناك، ويمكن لأفراد أسرته مساعدته”. ولكن من الذي سيدعمه هناك؟ أمه المسنة التي قد لا يستطيع رؤيتها مجدداً؟”

هنا مقتطف من وثيقة رفض لجوء مؤقت في روسيا حصلت عليه شابة سورية عمرها 19 عاماً:

“وفقاً لنشرة معلومات المركز الروسي للمصالحة بين الأطراف المتحاربة في سوريا، الصادرة في 4 يوليو / تموز 2017 في إطار تنفيذ مذكرة إنشاء مناطق خفض التصعيد في سوريا، والتي جرى توقيعها بين الاتحاد الروسي وتركيا وإيران في 4 أيار / مايو 2017، تواصل فرق التفتيش مراقبة منظومة وقف إطلاق النار، ويمكن اعتبار الوضع في مناطق خفض التصعيد مستقراً. لقد بلغ عدد التجمعات السكانية المأهولة التي انضمت إلى عملية المصالحة 1,871 عملية، في حين بلغ عدد الفصائل التي أعربت عن موافقتها على قبول وتنفيذ شروط وقف إطلاق النار 228. كذلك تتواصل المفاوضات مع جماعات المعارضة المسلحة حول قبول وشروط وقف إطلاق النار في محافظات حلب، وإدلب ودمشق وحماة وحمص والقنيطرة. كما أن المركز الروسي للمصالحة يقوم بعمليات إنسانية في مدينة حلب، حيث يتلقى السكان سللاً غذائية. ومع أخذ كل ذلك في الاعتبار، ثمة ما يدعو للاعتقاد بأن الظروف في البلد الأم لمقدم الطلب استقرت إلى حد كبير“.

ولكن بما أن روسيا تقدم الدعم العسكري لسوريا، لم يتعذر منح اللجوء لأناسها الفارّين من الحرب؟

س.غ: لا، نحن لا نقدم الدعم لسوريا: نحن نقدم الدعم لنظامها الذي لا يتمتع بدعم الشعب السوري. نحن لا ندعم سوريا، لكن حكومتنا صديقة لحكومتها. حكوماتنا تحتفظ بعلاقات ودية فيما بينها، لكن من الخطير حقاً أن تتحاور الحكومات من وراء ظهورنا.

فيما يتعلق بدعم اللاجئين، يمكننا القول إنه لا توجد مؤسسة لجوء حقيقية في روسيا. لا أحد يولي أي اهتمام للناس هنا، لا طالبي اللجوء ولا حتى المواطنين. سيكون قوننة وضع المهاجرين أمراً جيداً لنا ولهم على السواء: فعندها سيدفعون الضرائب ويرسلون أطفالهم إلى المدارس، ويحصلون على اللقاحات ويزورون أطباءهم لتفادي الأمراض، كما سيتعلمون لغتنا وثقافتنا وينشرونهما حيثما حلوا. ليست القوة العسكرية والقنابل الأولى بمد النفوذ الروسي حول العالم، بل اللغة والثقافة.

إن مواطنينا جديرون بتحقيق ذلك. هم فقط بحاجة إلى من يوضح لهم أن هؤلاء الناس هم في روسيا أصلاً، وبالتالي سؤال ما إذا كان يجب أن يكونوا هنا ليست ذات صلة. السؤال هو: هل نريد لهم أن يعيشوا هنا بشكل قانوني، أو أن يعيشوا هنا، ولكن كمهاجرين غير شرعيين؟ وهذا يعني زيادة في الفساد، ونقصاً في الأجور والرواتب، وأطفالاً يهيمون على وجوههم في الشوارع أو تستميلهم بيئات إجرامية.

يمكنك طبعاً أن تفعل ما تشاء مع عامل بلا إقامة شرعية؛ “مص دم اللي خلفوه” بتعبير فلاديمير جيرينوفسكي. يمكنك مص دمه ثم رمي ما تبقى منه بعيدا، وستجد طوابير مستعدين للحلول محله بانتظار ذلك. ما لدينا هو نظام عمل استبعادي. هؤلاء المهاجرون العاجزون، الذين قد يتقاضون أجوراً منخفضة أو لا يتقاضون شيئاً على الإطلاق، هم هدايا لأصحاب عمل بلا شرف. أحد ما نقوم به في منظمة “المساعدة المدنية” مساعدة هؤلاء العمال المهاجرين، وهي ليست بالأمر الهيّن. حيث نهاتف أصحاب العمل ونطلب منهم دفع مستحقات أجرائهم، ولكن للأسف نكون محظوظين إن حصّلنا نصف ذلك. نحاول أيضاً الوقوف إلى جانب المهاجرين في المحاكم، لكن في كثير من الأحيان ما من شيء يمكن فعله نتيجة غياب الدليل على وجود علاقة عمل رسمية.

إذا كان اللاجئ أو المهاجر قد حُرم أو فَقد وضعيته القانونية، ما الذي يمكنه فعله؟

ن.غ: نظرياً، عليه مغادرة الأراضي الروسية في غضون 48 ساعة، لكن لديه شهر لتقديم شكوى إلى وزارة الداخلية. في حالة رفض ذلك يمكنه تحويل القضية إلى محكمة محلية، وإذا تم رفضها هناك يمكنه اللجوء إلى الاستئناف.

فإذا خسر قضيته في مدينة موسكو أو محكمة محافظة موسكو، فهذه نهاية الطريق بالنسبة له ما يعني أنه أصبح غير قانوني. ولن يكون بمقدوره مغادرة روسيا من جهة لأن ما من دولة أخرى ستستقبله. لذلك عليه استكمال استمارة طلب أخرى، وسيجد المنظومة بانتظاره مجدداً: عندما يتقدم مهاجر في مديرية شؤون الهجرة لتقديم طلب ثان، يتم استدعاء الشرطة لنقله إلى أقرب مخفر، حيث يقوم الضابط بإعداد ورقة اتهام تفيد بأن الشخص “انتهك لوائح التأشيرة الخاصة بالاتحاد الروسي”. ثم تذهب القضية إلى المحكمة، وتقرر المحكمة ما إذا كان سيتم طرده أم لا. وحتى لو قرر القاضي السماح له بالبقاء، ما يزال عليه دفع غرامة قدرها 5,000 روبل (حوالي 85 دولار). وتقتضي الشرطة في محافظة موسكو منعه من تقديم طلب الإقامة مرة أخرى حتى يدفع الغرامة، وما لم يتم دفع الغرامة خلال 14 يوماً فإنه يحال إلى المخفر من جديد.

كم تستغرق عملية الطعن؟

ن.غ: العملية برمتها قد تستغرق ما يصل إلى عام، وبينما تسير إجراءاتها يمتلك الشخص المعني حق البقاء القانوني في روسيا. ومع ذلك لا تأخذ الشرطة بهذه القاعدة، وفي حال توقيف شخص ما في الشارع يتم أخذه مباشرة إلى المخفر.

العيش لمدة عام في حالة من الترقب مسألة مجهدة حقاً. لنفترض أن اللاجئ لا يعيش في موسكو، وسيتعين عليه السفر إلى العاصمة والعودة منها أكثر من 11 مرة خلال التقدم بطلب الحصول على وثائق ومن ثم الطعن عند الرفض، وفي كل مرة سيقف في الطابور ويؤدي القسم وحتى يسمع تهماً من قبيل “إرهابي” واستنكارات من نوع “ماذا يفعل هنا؟”. هذا لا يطاق. هذا فضلاً عن احتمالية توقيفهم في الشارع في أي وقت. اللاجئون يدفعون آلاف الروبلات على شكل رشاوى: أحدهم يطلب قليلاً هنا، وآخر يطلب هناك. يسمونها “غرامات” لكننا نعرف أنها ليست كذلك.

ولكن إذا تمكن اللاجئ من عبور كل هذه الأطواق، وحصل في النهاية على وثيقة اللجوء المؤقت، هل يمكنهم السير في الشارع دون أي خوف؟

ن.غ: كي تكون مقيماً شرعياً بالمعنى التام، يجب أن تكون مسجلاً في عنوان معين. هذه دوامة جحيم أخرى: تحتاج إلى العثور على سكن وعلى صاحب عقار يقبل بتسجيل مستأجر “غريب”.

ومن سيوافق على إعطاء غرف للاجئين في روسيا؟

ن.غ: هذه مشكلة هائلة أخرى، كثيرون يرفضون. لكن الجشع يقوم بإقناعهم، حيث قام أصحاب العقارات بمضاعفة الأسعار. رب الأسرة يبحث عن شقة، والأعزب عن سرير في غرف مشتركة. من الصعب إقناع صاحب العقار بأن تسجيل المستأجر لا يعني منحهم حقوق إقامة رسمية. وحتى لو اقتنعوا، ثمة عقبة أخرى: مديرية شؤون الهجرة تطلب من أصحاب الشقق أو البيوت أن يأتوا مع المستأجرين لتسجيلهم، ما يعني حصولهم على نصيبهم من الشتائم والكراهية أثناء وقوفهم في طابور الانتظار إلى جانب اللاجئين.

هل يمكن تقييم أعداد اللاجئين والمهاجرين في روسيا؟

ن.غ: كانت الأرقام متوفرة على موقع المديرية بسهولة، لكن الآن وزارة الداخلية هي المسؤولة عن ذلك، وقد توقفت عن نشر أي أرقام. نحن نستخدم أرقام مكتب الإحصاء الاتحادي في عملنا.

لكن بالنظر إلى هذه الأرقام، هناك لاجئان سوريان فقط يتمتعان بحق اللجوء في روسيا كلها. هل تعرفين أياً منهما؟

ن.غ: ليس لدينا فكرة من هما. ما الذي يدفعهم للتوجه إلينا إن كان كل شيء على ما يرام بالنسبة لهما؟ أنا أعمل في منظمة “المساعدة المدنية” منذ عامين، ولم تتغير الأرقام حتى الآن، ما يزال هناك لاجئان سوريان فقط.

ولكن في الأشهر الستة الماضية، انخفض أيضا عدد السوريين الذين حصلوا على اللجوء المؤقت في روسيا (إلى 16). ما سبب ذلك؟

ن.غ: اللجوء المؤقت يمنح لمدة سنة، أو أقل في بعض الأحيان، في حين تتمتع باللجوء الكامل لمدة ثلاث سنوات، وبعد ذلك عليك تجديده. قبل شهر بالضبط من انتهاء صلاحية اللجوء عليك أن تذهب إلى المديرية و”تعيد التسجيل”.

(لأكثر من شهر تعيش تعيش عائلة  سورية لاجئة مع أربعة أطفال في منطقة الترانزيت في مطار شيريميتيفو دون أن يحصلوا على صفة اللجوء. تصوير: إيكاترينا فومينا / نوفايا غازيتا. جميع الحقوق محفوظة)

لفترة طويلة كان العاملون في المديرية مسترخين حيال كل شيء: معظم اللاجئين سيأتون قبل عشرة أيام فقط من انتهاء مدة لجوئهم. لكن الآن إذا تقدموا بطلب تمديد حتى لو قبل 29 يوماً، بدلاً من 30، فسيرفض الطلب على الفور ويقال إن الموعد النهائي مضى. ربحنا هذا العام عدة قضايا متعلقة بتمديد اللجوء، وكلها جرت في مدينة ليوبيرتسي في محافظة موسكو، حيث كان مسؤولو المحكمة متعاطفين مع محنة النساء والأطفال السوريين.

كيف يكتشف اللاجئون منظمةالمساعدة المدنية“؟

ن.غ: للأسف كثيرون ما زالوا لا يعرفوننا. المعلومات حول “لجنة المساعدة المدنية” تنتشر عن طريق القيل والقال، ولكن هناك من يعرفوننا ولا يأتون إلينا للمساعدة لمعرفتهم أننا قد نساعد فقط في حالات معزولة. نحن نوضح للناس كيف يمكنهم التصرف ضمن القانون، لكن في كثير من الأحيان لا يحصلون على النتائج التي يأملونها. لذلك يشعرون بالخيبة حيال النظام، وأحيانا حيالنا أيضاً.

س.غ: ولكنها ليست “المساعدة المدنية” فقط من يساعد اللاجئين. هناك “شبكة الهجرة والقانون” من مركز حقوق الإنسان التذكاري تعمل من مكاتبنا، كما تمتلك عشرات المراكز الاستشارية القانونية في مختلف أنحاء روسيا، من حدودها الغربية إلى أقصى الشرق.

لم تتوقف شبكة الهجرة والقانون عن العمل منذ أكثر من 20 عاماً، رغم النقص الشديد في الموارد. عندما لا يكون لدينا ما يكفي من المال لتسديد أتعاب خبرائنا القانونيين، فإنهم في الغالب يعملون مجاناً. لدينا مجموعة من الناس المتشابهي التفكير، يجتمعون في حلقات دراسية مرتين في السنة لمناقشة قضايا الهجرة ومستجدات أعمالنا. كما أننا ندعو موظفي مديرية شؤون الهجرة والهيئات الحكومية الأخرى، فمن الضروري للغاية أن نتعاون معهم. من الواضح أن المنظمات غير الحكومية لن تستطيع حل مشكلات الهجرة بمفردها.

إذا حصل سوريون محظوظون بما فيه الكفاية على حق اللجوء، ما هي المساعدات التي يمكن أن يتوقعوها من السلطات الروسية؟

ن.غ: أولاً الحق في العمل. ثم فرصة للعيش في ملجأ إقامة مؤقتة (هناك خمسة أو ستة من هذه المنشآت في كل روسيا) وكذلك المال لتكاليف رحلتهم )إلى هذه الملاجئ(. أما الذين تقدموا فقط بطلب للحصول على حق اللجوء وينتظرون الرد فلهم الحق في الحصول على دفعة واحدة بقيمة 100 روبل (1.7 دولار) وتأمين صحي إلزامي.

ما الخدمات الطبية التي يمكنهم الوصول إليها؟

ن.غ: إذا كانوا على عتبة الموت، أو على وشك الولادة، يحصلون على سيارة إسعاف الطوارئ. عدم معرفتهم بأن من حقهم الاتصال بخدمات الطوارئ هذه مسألة أخرى. ولكن إذا لم يكن لديهم تأمين صحي إلزامي ستحاول المستشفى التخلص منهم بأسرع وقت ممكن. لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين منظمة شريكة، وهي جمعية “الصحة والحياة”، والتي قامت بعقد اتفاقية مع مستوصف خاص في نوجينسك (حيث يعيش أكبر عدد من اللاجئين السوريين) كما تفتح لهم أحد المستوصفات مرتين في الشهر (ولكن فقط لأولئك الذين تقدموا بطلب للحصول على اللجوء).

ينطوي الحصول على وضعية قانونية على كمية مهولة من المتاعب، ركض من مكتب حكومي إلى آخر، وبعد ذلك التقدم بعدة طعون. هل يخبركم اللاجئون عن تجاربهم؟ كيف يتحملون التوتر المستمر؟

ن.غ: يشتكي الناس من أن الشرطة لا تتوقف عن توقيفهم في الشارع، حتى أولئك الذين يمكنهم “المرور” كروس. في بلدات صغيرة مثل نوجينسك، يمكن لشاب أشقر أن يعتبر سمعته تلوثت لمجرد أن ضباطاً شاهدوه برفقة عدد من المهاجرين.

سألنا الرجال عن الهجمات وجرائم الكراهية، وأخبرونا عن الشتائم وحالات الاعتداء. ولكنهم لا يشتكون: أنت بحاجة إلى “كماشة” لسحب أي معلومات مفيدة منهم. والنساء أكثر حساسية بكثير لكراهية السكان المحليين، فهن أكثر وضوحاً في الشارع ومعظمهن يرتدين الحجاب. حتى الأطفال الروس يعزفون عن اللعب مع أطفالهن. لكن هناك مشكلة إضافية في نوجينسك: معظم الأطفال لا يمنحون مقاعد في المدرسة، على الرغم من أن التعليم في روسيا إلزامي للجميع وفق القانون.

يمكنني إخبارك عن حالة واحدة كنت شاهدة عليها: ذهبت إلى مكاتب سلطات التعليم المحلية مع مجموعة أمهات لتسجيل أطفالهن في المدرسة. أجلستهن على مقعد مقابل مكتب المدير، وانتظرت أنا في منطقة الاستقبال. فجأة ذهبت امرأة غاضبة إلى المكتب وبدأت بالصراخ: “هل أنت من جاء بهؤلاء؟ اطلبي منهن التوقف عن البربرة بهذه اللغة. ألا يعرفن في أي مكان هن؟” كانت حرفياً تصيح بأنه يمنع التحدث باللغة العربية.

من المزعج للغاية تعرض النساء السوريات لهذه المعاملة. كانت غير واحدة من هؤلاء سيدة محترمة في بلادها، ولكنها تتعرض هنا إلى الإهانة، وإلى احتجازها في مخفر الشرطة لعدة أيام دون طعام، ناهيك عن الإيذاء والسخرية. معظم الروس يعاملونهن كقاذورات.

كيف تمولون عملكم؟

س.غ: نحن نحصل على تمويل من مؤسسات في دول أخرى، ولدينا شراكة من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. لكن ليس بمقدورهم أن يقدموا لنا الكثير من المال كما كان الوضع في الماضي: قضية اللاجئين مشكلة عالمية كبرى، وروسيا لا تقدم سوى أقل القليل للتصدي لها. فقط اللاجئون الأوكرانيون استثناء: فعلى مدى السنوات الأربع الماضية حصل حوالي 200,000 أوكراني على الجنسية الروسية؛ وعدد أكبر بقليل حصل على لجوء مؤقت، وتم منح 300 شخص حق اللجوء. لكن هذه حالة خاصة لا مجال لمناقشتها هنا.

ما موقف الحكومة الروسية تجاهكم؟

س.غ: بالنسبة لحكومتنا، نحن، للأسف، “عملاء أجانب“، ولعلها تفضل عدم وجودنا. تتخيل السلطات أننا بمجرد حصولنا على منحة فإن مقدمي المنحة يحددون لنا إيقاع كل شيء، فيما الحقيقة أن الإيقاع اسمه القانون الدولي والأشخاص الذين بحاجة إلى مساعدة.

في كانون الثاني / يناير من هذا العام، أصدرت حكومتنا تشريعات بشأن المنظمات “التي تقوم بوظائف مفيدة اجتماعياً”، وهي تتجه الآن لدعمها بإنشاء سجل لهذه المنظمات غير الحكومية. ولكن التشريع نفسه ينص على أن المنظمات التي أدرجتها وزارة العدل في خانة “العميل الأجنبي” لن تكون مؤهلة للانضمام إلى قائمة “المفيد اجتماعياً”.

هذا مؤسف. ولكن هناك حاجة إلى ما نقوم به وهناك من هم مستعدون لمساعدتنا، لذلك في الوقت الراهن سنواصل العمل.

(الصورة الرئيسية: دورات اندماج مجانية للاجئين تنظمها “لجنة المساعدة المدنية”. المصدر :موقع refugee.ru. جميع الحقوق محفوظة)

شارك المقالة: