الجنود الروس في دمشق، الموقف السياسي ليس كل شيء (4)

الجنود الروس في دمشق، الموقف السياسي ليس كل شيء (4)

رافيا سلامةرافيا سلامة

صحفية وناشطة نسوية سورية تقيم في ريف دمشق، تكتب لعدد من المواقع السورية والعربية، تنشط في مجالات تمكين المرأة والدراسات النسوية. كما تعمل في مجال السينما الوثائقية.

بقلم .

 

(ينشر هذا النص ضمن ملف يتناول تداعيات التدخل الروسي في الحرب السورية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي في كلا البلدين، وهو ينشر بالتعاون مع أوبن ديموكراسي روسيا)

(دمشق)، تسمع بهم أكثر مما تشاهدهم، وتعرف أثرهم في الأخبار ومما يدلي به شهود العيان من أصدقائك عن مآس حدثت وتحدث على أيديهم. لكن مشاعر المدنيين عند لقائهم، رغم أي موقف سياسي مسبق لا تزال ملتبسة: الجنود الروس في سوريا.

التدخل الروسي هي الكلمة التي عنت للمعارضة حرف مسار شقّته رغماً عن قوات النظام وحلفائه المباشرين على الأرض حينذاك: بشكل أساسي حزب الله، كتائب أبي الفضل العباس، الإيرانيون والمقاتلون المجندون من قبلهم. ورغم أنه لم يكن خفياً على أحد وقوف الروس إلى جانب النظام في كل فيتو وكل قرار دولي، إلا أنّ التدخل الجوي هو ما سبّب خسارة المعارضة للكثير من نقاط نفوذها.

الروس منذ البداية

حسب أحاديث مباشرة مع أحد الضباط في جيش النظام، فإن الخبراء الروس هم من تولوا الإشراف على المعلومات والاتصالات، إما بتجهيزاتهم أو بتنفيذهم منذ بداية العام 2011. تطورت العلاقة العسكرية إلى وجود بحري في المتوسط قرب شواطئ طرطوس واللاذقية ثم قاعدة جوية في حميميم جعلت الأمور أكثر مباشرة والوجود أكثر حقيقية. وها هي القوات الروسية على الأرض منذ أواخر عام 2015 وبظهور مضطرد بين المدنيين في الشوارع مع اتفاق خفض التصعيد عام 2017.

على صعيد التماس المباشر مع المدنيين، ومع بدء الهدنة بين دمشق وغوطتها الشرقية في الريف في 27 شباط 2016 (التي استمرت على الرغم من اختراقاتها العديدة حتى انهيارها بالكامل في منتصف تشرين الثاني 2017)، بدأت الحياة الليلية بالازدهار، وبدأ معها ارتياد بعض الوفود العسكرية الروسية المصحوبة بمرافقة من العسكريين السوريين لأماكن السهر المنتشرة حديثاً في المدينة القديمة بخاصة، وحينها برزت مواقف ومشاعر متضاربة لدى السوريين، في الخفاء، وغالباً وبالهمز واللمز.

عسكرياً وسياحياً

مع تواجد أكبر سببه اتفاق التهدئة، أصبحت مشاهدة جندي روسي في أرجاء المدينة أكثر حدوثاً، بلباسه العسكري وسلاحه أو بثياب تشبه تلك التي اعتادها السياح، خفيفة وعملية. لا يزال الأمر غير ملحوظ بالنسبة لكثير من السكان، لم يشهد كثيرون روسياً واحداً.

هم يسمعون بهم فقط من مجندي النظام، “لا يسمح لنا بالاقتراب منهم، الحديث معهم، حتى لو جعنا أو عطشنا لا يمكن لنا طلب شربة ماء”. هذا ما يرويه ناجي المتطوع في إحدى الميليشيات الرديفة للجيش السوري عما عايشه من علاقة  (أو لا علاقة) مع العسكريين الروس في محيط مدينة الرقة قبل “تحريرها” على يد قوات سوريا الديموقراطية (قسد) في تشرين الأول 2017، فهو يخبر أمه التي تعمل في تنظيف المنازل وتتجول كل يوم في المدينة بين بيوت مخدوميها “يأتون لهم بوجبات فخمة من مطاعم كبيرة وينسوننا، مع أنهم يبقون في الخطوط الخلفية ولا يشاركون في الاقتحام”.

أم ناجي رغم حركتها الواسعة في المدينة لم تر جندياً روسياً واحداً. هي تعتقد أنهم إن أتوا ليساعدوا في التخلص من الإرهاب فعليهم ألا يتميزوا في المعاملة عن السوريين. أم ناجي مؤيدة للنظام وسعيدة بحلفائه على مضض.

أكثر ما يشاهد الجنود الروس في مركز المدينة التجاري، في منطقة المحافظة أو المرجة والأسواق القديمة كالحميدية ومدحت باشا والبزورية. يقصدون الصرافين لتبديل عملاتهم، والتي غالباً ما تكون الدولار الأمريكي، بالليرة السورية لشراء الطعام، الهدايا والتحف، كأي سائح يتوجه إلى أماكن التسوق والتسلية.

 “الروس والنخاعات” يسميهم أبو رهف أحد الصرافين، تشبيهاً بالطعام السوري من حيث الاسم ومن حيث الدسم حسب رأيه، فهم الزبائن الجدد للبضائع السياحية، في شبه انعدام للتجارة مع السياح الذين يستطيعون دفع مبالغ أكثر من تلك التي يدفعها السوري أو السائح الديني المتوفر من إيران أو لبنان.

جورج بائع الفضيات في سوق التكية السليمانية يتحدث عن اهتمامهم بالخناجر بشكل خاص وبأنهم يتعلمون “المفاصلة” من السوريين ويجادلون في السعر ويتوجهون إلى المحلات الرخيصة مع الوقت وكأنهم يتكيفون والمدينة.

الموقف السياسي

يكاد المرء يزعم أنّ العلاقة مع الجنود الروس في سورية تبتعد بجوهرها عن الموقف السياسي رغم أنّه ما يؤسس لها. بعض المؤيدين يفرحون لرؤيتهم معتبرين أنهم حلفاءهم الذين انتصروا لبشار الأسد، لكن بازدياد الامتعاض العام من مآل الحرب السورية وتكلفتها البشرية المرتفعة حتى الآن للمؤيدين، بالإضافة إلى وضع معيشي هو الأسوأ، بات ما يذكر بالحرب يمنح مشاعر الانزعاج أكثر من أي شيء آخر.

“كله جاية بده ياكل”، غير مهتم وغير خائف من التعبير عن امتعاضه، يعلّق سائق تاكسي يرتدي البزة العسكرية في دمشق، في سياق حديثه عن المصلحة التجارية لكل من يساهم في هذه الحرب، وعن قدره الأسود إذ تم سحبه للاحتياط منذ عامين.

معظم المؤيدين ممن حاورتهم حكاية ما انحكت غير واثقين تماماً من النوايا الروسية، العلاقة مع الخارج دوماً مشوبة بسوء الظن والخوف من المؤامرة، تاريخ طويل من التسويق لفكرة الأطماع الخارجية في الموقع السوري الاستراتيجي حسب المدرسة البعثية لا يذهب هباء. يحلو للبعض التفاخر جهلاً بقوة حليف “كالاتحاد السوفييتي” حسب ما يسمي البعض روسيا، متمسكين بعصر اشتراكية ذهب ويعتقدونه باقياً. ليس هذا غريباً فيما لا يزال آخرون في صف المعارضة يشيدون بصدام حسين وإخلاصه للعروبة.

المعارضون بطبيعة الحال يستفزون لمرأى الجنود الروس إذا شاءت الصدفة، لكن معظم من أدلوا برأيهم لحكاية ما انحكت اشتركوا بفكرة أنهم لا يكنون لهم مشاعر الكره كتلك التي يملكونها للسياح الشيعة. “لا تقولي عني طائفي بس أنا ما بيزعجني الروسي قد السياح الشيعة اللي معبيين الشام القديمة”، يقول جابر (اسم مستعار) المحامي المعارض. هذه المقارنة تعني أنهم في المدينة لا يتجاوزون كونهم سياحاً في أعين السكان، رغم ارتدائهم ثياباً عسكرية وحملهم سلاحهم أحياناً، ويبدو أنّ مشاعر الفوقية والافتخار بحب بشار الأسد التي تعلن من سائح لبناني يتكلم اللغة تعني الناس أكثر من وجود خجول لغرباء يخفى عن أنظارهم كيف يديرون حربهم.

 يتداخل هذا وعوامل العلاقة المتشنجة بين اللبنانيين والسوريين، وإرث قديم يربط سوريا بروسيا، إذ لا يزال أحد حلول الهروب من البلد للشبان التسجيل للدراسة في روسيا (حتى المعارضين منهم). أبو سامر الشيوعي المعارض قدم إلى دمشق من سلمية ليوصل ابنه للمطار راحلاً لدراسة الماجستير في روسيا، بالنسبة له أي فرصة لإخراج الفتى من أتون الحرب وخطر الخدمة العسكرية هي جيدة حتى لو كان في روسيا “عدوتنا” حسب وصفه. “يعني عطوه فيزا على أميركا وقلنا لأ” يبرر موقفه لإنقاذ ابنه كما يصف الأمر. ليس هذا بالجديد إذ إن البعثات إلى روسيا لطالما كانت الخيار الأكاديمي المتوفر للسوريين، وما تبعها من علاقات زواج واحتكاك بطرق مختلفة تبدأ بالنوادي الليلية وتنتهي في الشوارع عند من يبعن الملابس على الأرصفة، من يعرفن بالروسيات اصطلاحاً حتى لو انتمين إلى بلدان أوروبا الشرقية. كل هذا جعل العلاقة متاحة ومعقدة أكثر مما يظن المراقب الخارجي.

البياض الثقافي

عبارة “الخبير الروسي” المستخدمة مزاحاً عند التعليق على معرفة أحدهم بأمر ما، فيها اعتراف ضمني بتطورهم وتخلفنا أو معرفتهم وجهلنا، قوتهم وضعفنا. لا يمكن إنكار تأثير البياض الثقافي للروس، الأعلى مكانة تراتبياً والأسهل تقبلّاً رغم كونهم الأعداء. يعتبرون “الأجانب، البيض والشقر”، تبرز في الأعين المستغربة الفضولية التي تتابع تحركاتهم، وفي الرغبة بالتواصل معهم واللهفة لمساعدتهم ولو في أمور بسيطة كإرشادهم إلى طريق.

ربما لا تكون الحال هكذا دوماً فالمعارضون القلائل المستعدون للتصريح عن مواقفهم، بالإضافة لبعض النازحين من مناطق المعارضة يعبرون عن كره وحقد كبير، لكن ذلك على صعيد سياسي لا يمنع بعض الأطراف المعارضة أن تعتبرهم أقرب إليها من النظام وتتحاور معهم في بعض الشؤون، وأن يصفهم أحد المشاركين في الهيئة العليا للمفاوضات، من المقيمين في أوروبا، مؤخراً في جلسة مغلقة “بأنهم الوحيدون الذين لم يكذبوا علينا” معلناً وضع آمال المعارضة و”الشعب السوري” في أيديهم بلهجة لا تخلو غرابة من إحساس بالانتصار.

اليوم والاعتراف دولي بأن الحل روسي، تتقبل المعارضة السياسية الأمر برحابة، ليس لها من أمرها خيار، ولعل التفاؤل مطلوب هنا إذ لم نعتد الاعتراف بالهزيمة.

في مخيم الوافدين لنازحي الجولان، المتاخم لخطوط التماس مع دوما في الغوطة الشرقية حيث تقبع الفرقة الروسية الكبرى المسؤولة عن مراقبة خفض التصعيد، ورغم أن التصعيد هو ما يحدث وليس خفضه، إلا أن وجودهم هناك ظاهر أثناء العبور بين المدينة ونقاط تواجدهم.

 عواطف، صاحبة بقالية في المخيم في الخامسة والثلاثين تتكلم عن إعجاب أحد العسكريين بها، تقول إنها تعرف أنه مسلم إذ يتمتم بكلمات عند سماع صوت الأذان، أثناء ركوبهما في الباص إلى المخيم عدة مرات، “غنى لي أغنية لم أفهم ما يريد بها، لكني أعتقد أنه يعبّر عن إعجابه بي”. عواطف لا تخفي سعادتها إذ يعجب بها روسي وتراه ببساطة أجمل من شبان المخيم ذوي البشرة السمراء، بعنصرية لا تدري بها ولا تخفيها.

علاقة طويلة

وإذا كان الاقتصاد مرآة الغد السياسي فهو ينبئنا بوجود قد يطول أمده، إعلانات الشركات التي بدأت باستيراد البضائع الروسية تنتشر في الطرقات دون تفسيرات عن نوعية هذه البضائع، وأخرى خاصة بالمعارض التي يشارك فيها الصناعيون الروس. فيما يعني أن ما قاله بشار الأسد في خطابه عن “التوجه شرقاً” يغدو أمراً واقعاً لتجار المدينة اليوم كحلّ مشجع وميسر لحصار اقتصادي غير مرجح الرفع قريباً.

وحسب أحد محامي المعتقلين السياسيين في سوريا، فإن الروس يميلون للمساعدة في هذه القضايا، وقد فعلوا غير مرة مع أكثر من معارض من المستقرين في سوريا، حيث كفّوا عدّة مذكرات توقيف صادرة وأمدّوا بعض المعارضين بمعلومات عن معتقلين من أقربائهم. هذا كان مع من يقومون بالتحاور معهم من المعارضة وليس مع تلك الرافضة للتحاور معهم جملة وتفصيلاً. يفسر المحامي بأن هذا رغبة منهم بتحقيق وجود أكثر تقبّلاً بين السوريين.

(الصورة الرئيسية: تصميم كوميك لأجل سورية، صمّمت خصيصا لهذه المادة، والحقوق محفوظة لحكاية ما انحكت)

شارك المقالة: