كيف تحضر الثّورة السّوريّة في إنتاجات فنيّة من الجولان السّوريّ المحتّل؟

كيف تحضر الثّورة السّوريّة في إنتاجات فنيّة من الجولان السّوريّ المحتّل؟

رشا حلوةرشا حلوة

كاتبة وصحفية من فلسطين

بقلم .

بالإضافة إلى الأغاني والأفلام السّينمائيّة والمسلسلات التلفزيونيّة، كان أصدقائي السّوريّين وصديقاتي السّوريّات في الجولان السّوريّ المحتّل بمثابة شبابيك أطلّ من خلال أحاديثهم/ن وقصصهم/ن على سوريا، على وطنهم/ن الذي انتُزعوا/ن منه بعد الاحتلال الإسرائيليّ لهضبة الجولان عام 1967.

كانت، وما زالت لسوريا، المساحة الأكبر في حديثي معهم، منهم من يحمل حنيناً موروثاً لدمشق التي لم يرها، ومنهم من عاد محمّلاً بذكريات من مدينة عاش فيها أيام الدراسة الأكاديميّة، وتركها مضطراً. التفاصيل الموروثة وتلك المعاشة التي حدثوني عنها، كانت، وما زالت، بالنسبة لي طريقاً جميلاً لمعرفة المكان الذي مُنعت، أنا الفلسطينيّة، من زيارته.

منذ بداية الثّورة السّوريّة، اختلف الحديث عن المكان/ سوريا عمّا كان من قبل، حيث شكّلت انطلاقتها بالنسبة لنا جميعاً عالماً جديداً، نرى من خلاله الناس والأماكن بوضوح، أعادت إلينا أسئلة كنّا نعتقد بأنه “أكل عليها الدهر وشرب”، وحضرت، وما زالت تحضر، هذه الأسئلة المتعلقة بالثورة وأحداثها المستمرة وقصص ناسها في كل منّا بطريقته الخاصة، كما وأنها تحضر في الإنتاجات الفنيّة والثّقافيّة.

في الإنتاج الفنّيّ للفنانين/ات السّوريّين/ات من الجولان السّوريّ المحتّل، كان المكان (سوريا) وعلاقتهم/ن به حاضر دوماً في الفنّ والثّقافة، خاصّة في ظلّ السّياق السّياسيّ للجولان تحت الاحتلال الإسرائيلي. وبعد انطلاقة الثّورة، أضيفت أسئلة جديدة على الإنتاج الإبداعيّ للفنانين/ات والكتّاب/ الكاتبات والموسيقيّين/ات وغيرهم، سواء أسئلة ذاتيّة/ فرديّة، فنيّة وكذلك جماعيّة. من خلال هذا التقرير، تحدثنا مع بعض المبدعين/ات السّوريّين/ات في الجولان السّوريّ المحتلّ عن  كيف أثّرت انطلاقة الثّورة عليهم/ن؟ هل تغيّرت الأسئلة ومضمون النصوص والمواد الفنيّة المستخدمة؟ وكيف رسمت الثورة علاقات جديدة لهم/ن مع ذواتهم/ن ومع مكانهم/ن الأوّل في ظلّ السّياق السياسيّ الذي يعيشونه تحت الاحتلال الإسرائيليّ.

تأثير انطلاقة الثّورة السّوريّة

ياسر خنجر، شاعر من مواليد عام 1979، من قرية مجدل شمس. في حديثه عن تأثير انطلاقة الثّورة السّوريّة عليه كشخص، قال: “مع انطلاقها، بدأت أشعر للمرة الأولى أنّ سوريا لم تعد أداة في يد ديكتاتور قاتل، وأنّها ستصير وطناً حقيقياً يعيش الناس فيه بكرامة وحرية. ثم انتبهتُ على الصّعيد الشّخصيّ أنّ الثورة تستحوذ على كل وقتي، لا شيء يشغلني غير ما يحدث في سوريا. تركت الجامعة 4 سنوات (من ضمنها سنة ونصف بين الحبس المنزلي والسجن الفعليّ في سجون الاحتلال الإسرائيليّ) لأنني أردت أن أبقى قريباً من هويتي التي تعيد تشكيل ذاتها على إيقاع الثّورة التي منذ بداياتها المبكرة وأنا أسأل نفسي: إلى أي سوريا أنتمي؟ تلك التي تعبد حذاء الحاكم أم سوريا الباحثة عن الضوء في أفق الحرية؟ أي سوريّ أنا، هذا الذي يوالي قتلة ومجرمين أم ذاك الذي ينتصر للضحايا أولاً ثم يختار تراب الانتماء الذي سيدُفن فيه أو عليه؟”.

(الشاعر السوري ياسر خنجر. المصدر: الصفحة الرسمية للفنان على الفيسبوك، والصورة تستخدم بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

وفي تأثيرها على كتابته، يعتقد ياسر خنجر أنّ قضيّة النّص لا بد أن تكون تعبيراً عن القضية التي تشغل كاتبه، ويضيف: “وجدت نفسي لا أكتب إلّا متأثراً بالثورة السوريّة أو محاولاً التأثير فيها. وإذا كانت الثّورة هي كل ما يشغلني، كيف يمكن أن لا أفتح أبواب القصائد لها!”.

أمّا شذى صفدي، فنانة تشكيليّة موالد قرية مجد شمس عام 1982، في العام 2003 أنهت دراستها في مركز أدهم إسماعيل للفنون التشكيليّة في دمشق، وفي العام 2005 أنهت دراستها في كلية الفنون الجميلة قسم الرّسم من جامعة دمشق. في بداية حديثنا عن تأثير انطلاقة الثّورة السّوريّة عليها وعلى أعمالها الفنيّة، قالت: “بالطبع لها تأثير قوي على نفسي، خاصّة لأني ابنة المنطقة وجزء منها، عندما درست في دمشق، وقبل الثورة، كنت مهتمة كثيراً خلال الرّسم أن أستحضر حالات إنسانيّة، قصصها وألمها والواقع المعاش، وبعدما عدت من دمشق إلى الجولان، وفي العام 2008 كانت دمشق وتأثيراتها حاضرة كثيراً في أعمالي الفنيّة”.

مع انطلاقة الثّورة، تأسّست في الجولان فرقة موسيقيّة مجهولة الهويّة، حملت الاسم “نصّ تفاحة”، مع الوقت، عُرّف وأعلن صاحبها عن هويّته، الموسيقيّ والطبيب مضاء المغربيّ، مواليد قرية بقعاثا عام 1981. عرفنا من الفرقة أغنية “محل زغير ومسكر“، “وسوريا الحلم اللي مالو حدودي” و”ليش ضرب النار؟” وغيرها.

في إجابة عن السّؤال حول اختياره لتأسيس فرقة موسيقيّة باسم مستعار، قال مضاء: “السبب هو الخوف. نحن في الجولان جزء من سوريا، وحاجز الرعب الذي كسره السوريّين في الداخل لم يكسره كل الجولانيّين. كل من أيّد الثورة كان منبوذاً. قبل تأسيس الفرقة وقعنا على بيان داعم للثورة وحاولوا أن يفرضوا علينا مقاطعة اجتماعيّة ودينيّة. كان الظرف الاجتماعي صعباً وبلا دعم من المحيط، كل هذا رافقه رغبة ذاتيّة بالتعبير، وفي ذاك الوقت ظهرت بعض الفرق الموسيقيّة بأسماء مستعارة، مثل “الدب السوري” و“أبطال موسكو الأقوياء” وغيرها. بالنسبة لي هذه الحالة كانت بمثابة شباك أستطيع أن أطلّ وأعبّر عن نفسي”.

أما رندا مداح، فنانة تشكيليّة مواليد قرية مجدل شمس عام 1983. في العام 2003، أنهت دراساتها في الرّسم والنحت من مركز أدهم إسماعيل للفنون التشكيليّة في دمشق، وفي العام 2005 أنهت دراستها في كلية الفنون الجميلة قسم النحت من جامعة دمشق. بالنسبة لها، كانت لانطلاقة الثورة السورية تأثيراً إيجابياً عليها، كامرأة وُلدت في الجولان وتحت الاحتلال الإسرائيليّ، “كانت انطلاقة الثورة أمل كي نعود لنكون جزءاً طبيعياً من سوريا”، تقول.

قبل انطلاقة الثورة، وفي العام 2010 تحديداً، أنتجت رندا مداح عملاً فنياً بعنوان “بلا بشارة”، ضمّ نوعاً من التعبير عن واقع معلّق وعن الإحباط العامّ والشّخصيّ أيضاً، خاصّة بعد عودتها من دمشق قسراً إلى مجدل شمس بعد إنهائها لدراستها، حيث لا يمكن لها أن تزور دمشق بعد ذلك، كما حال كلّ الطلاب السّوريّين في الجولان السّوري المحتل.

(الفنانة رندا مداح. والصورة تستخدم بإذن خاص من الفنانة)

لكن مع انطلاقة الثوّرة، ومع بداية العام 2012، وشعورها بالأمل القادم منها، عادت لتنتج أعمالاً فنيّة متعلقة بواقع الحياة اليوميّة للناس والحاجة لتحقيق مطالبهم خاصّة بفترة الثّورة السّلميّة، “حاولت أن أتحدث عن الجندي المسيّر من قبل نظام القمع كي يقتل ابن بلده بطريقة ما. ومن هنا بدأت أعمالي تتعامل مع مأساة السّوريّ، خاصّة مع القصص التي نسمعها كل يوم والقتل المكثّف الذي لم نكن مهيئين له. نحن جزء من هذا المكان، ونتفاعل معه بشكل أساسيّ. الصعوبة الأساسيّة تكمن بقربنا الجغرافيّ منه ولكننا فاقدو القدرة على التأثير، فنحاول من خلال أدوات التعبير التي نمتلكها أن نؤثر، لكن هذا لا ينفي شعور البعد والعجز أو أن نكون بالفعل جزءاً مما يحصل”، تقول.

حضور الثّورة في الإنتاجات الإبداعيّة

لا يجد الشّاعر ياسر خنجر حرجاً من الاعتراف أن قصائده التي كتبتها قبل الثّورة كانت حالمة أكثر وتبحث عن جماليات اللغة في مجالٍ أوسع وربما تكون قادرة على البقاء والتنوّع أكثر، وحول ما كتبه ويكتبه بعد انطلاقة الثّورة، يقول: “ما كتبته بعد انطلاق الثّورة لا يحتمل المواربة في بحثه عن تقديس حياة الإنسان كقيمة عليا، وهو أيضاً محاولة واضحة وصريحة للتأكيد على ضرورة الحرية في مواجهة نظام المذبحة ومن ثم للتأكيد على سوريتي في مواجهة الاحتلال الإسرائيليّ، مؤكداً أيضا أن “القضية التي يتناولها أيّ فنّ يجب أن تضيف إليه لا أن تنتقص منه، هو يغتني منها وهي تغتني فيه”.

الحديث عن الثّورة والتفاعل معها وتثبيت حضورها هو أكثر ما يشغل ياسر خنجر، على المستوى الذّاتيّ والإبداعيّ، خاصّة على ضوء التغيّيرات الكثيرة التي حدثت في مسار الثّورة منذ انطلاقها كحراك مدنيّ سلميّ، حسب تعبيره. ويضيف: “ثم اضطرارها إلى التسلح في مواجهة غيلان القتل والتدمير فخذلان العالم لها وتغلغل القوى الإسلاميّة المتطرفة فيها كردٍّ على طائفيّة النظام المجرم ومشابه له في كثير من جوانبه واختصارها بتعبير الحرب بين عليّ وعمر ثم انتهاء بإغفالها وتجاهل كل مطالبها الرئيسيّة والتضحيات الهائلة التي دفعها السوريون على طريقها، وربما أيضاً في طور تحولها إلى كفاح مسلح طالما أن حضور المحتلين في سوريا طغى على المشهد كله”.

تكررت كثيراً خلال حديثنا كلمة العجز، والشّعور الذي لربما يشعره الكثير إزاء سوريا وواقعها اليوميّ، وكل من تتوفر عنده وسيلة تعبير ما، منها الفنيّة، يحاول أن يستخدمها لتوثيق الواقع أكثر من أن تخفف هذه الوسيلة شعور العجز. تعتبر شذى صفدي أن مشروعها الفنيّ “وعود” كان بمثابة اعتذار للأرواح المعذبة في سوريا، هذا الاعتذار النابع من العجز الذي شعرت به، وما زالت، أمام تعدد صور القتل والمجازر، التي أثرت على حياتها وفنّها، إذ تقول: “مع بداية الثورة، وفي عام 2012، عملت على مشروع يحمل الاسم “وعود”، حيث تغيّرت تقنياتي الفنيّة عندها. قبلها كنت أحفر على معدن، اليوم أحفر على زجاج أكريليك، اختياراتي لهذه المادة لكونها باردة وتتأثر بالحرارة، حرارة الحفر. وهي بالنسبة لي مرتبطة بالأحداث، هي بمثابة استعارة للذاكرة والحفر فيها هو الأثر الدّائم لهذه الأحداث على نفسي”.

 بعد “وعود”، عملت شذى على مشروع يحمل الاسم “استمر بالتنفس”، والتي طوّرت فيه تقنيّة الحفر على زجاج أكريليك ودمجّت معه الفيديو.

أكثر ما يشغل شذى صفدي في إنتاجها الفنيّ هي مسألة الحدود، هو أيضاً واقع يشغل كافة السّوريّين في الجولان السّوريّ المحتلّ، علاقتهم مع وطنهم سوريا، انفصالهم عنه بحكم الاحتلال الإسرائيليّ المستمر منذ عام 1967، أهلهم وأصدقائهم بعد الشّريط الحدوديّ الذي فُرض عليهم. تواصل شذى اليوم العمل على مشروع يحمل الاسم “ارتداد”، وهو متعلّق بالحدود لكن في سياق سوريا الحاليّ بعد الثّورة السّوريّة. عن “ارتداد” تقول شذى: “لا زلت أعمل على المشروع وأجرّب فيه. أحكي من خلاله عن التغيّيرات التي حصلت في المنطقة والأحداث، أحاول أن أخلق صور جديدة وخارطة جديدة للمكان. العمل الفنّي مليء بالتوثيق كيفما أراه، توثيق الألم وليس المرحلة السّياسيّة. الألم هو الصّور اليوميّة. دور الفنّ مهم لتوثيق الواقع كي يرسم مستقبلاً أكثر وضوحاً”.

أسّس مضاء المغربي فرقة “نصّ تفاحة” بلا قرار مسبق، كخطوة بلا تفكير واضح أو حسابات، “لم أؤسس الفرقة لهدف معين، إنما لأني شعرت بأني أريد أن أعبّر عن داخلي، لأن ما حصل في 2011 هزّنا كلنا، ومن أقصى لحظات الفرح كانت رؤية ناس عاشوا تحت الرعب والبوط العسكري لسنوات طويلة، وأنا على معرفة قريبة بهذه الحياة، ينهضون فجأة ويصرخون حرية بكل جرأة وشجاعة وحبّ، كل هذه الصّور والأصوات حملتني إلى البوح، بلا تفكير أو قرار، شعرت ففعلت”.

(الفنان مضاء المغربي. والصورة تستخدم بإذن خاص من الفنان)

يعتبر مضاء أنّه لولا الثورة السّوريّة، لكان مشروعه الموسيقيّ مؤجل، وأنّ الثّورة دفعته لإنتاج ما لم ينتجه من قبل. ويضيف: “كانت لدي بعض الأغاني التي أردت تسجيلها، لكن قبل الثورة، كانت خاضعة لحسابات الجودة بالنسبة لي. فالأغاني هن بنات الثورة، ولولا الثّورة لما خرجن إلى الضّوء، ولولا الثّورة لم أكن أنا على ما أنا عليه اليوم. إنّ حالة الانعتاق الجماعيّ هذه أثرت علي كثيراً، رؤية انتفاضة الناس بلا أدوات عدا عن الحبّ والرغبة في الحريّة، أشعرني بأقصى درجات الفرح، لكن مع المسار التي أخذته سوريا وتحوّلها إلى مجزرة كبيرة بسبب المسؤول الأوّل، النظام السّوري، أصبحنا في أقصى درجات الحزن، وما بين أقصى درجات الفرح والحزن، استوعبت أنه لا توجد درجات أقصى منها بعد، وأنّ الحياة تدور بين هذين القطبيْن وتعيش في تفاصيل الحياة اليوميّة”.

حول حضور الثّورة السّوريّة بأعمالها الفنيّة، تشير رندا مداح إلى أنه حضور تلقائيّ، هذا نابع من تفاعلها مع المكان وأحداثه وواقعه السّياسيّ الثّقيل، مؤكدة أن الفن هو جزء منه ولا يمكن أن ينفصل عنه. وتضيف: “خاصّة بوجود عائلة في الشّام وأصدقاء، كان لدي حياة كاملة في دمشق أثناء دراستي، تفاعلت مع المكان وناسه يومياً، منهم من تشرّد وقُتل وتعذّب في السّجون. كل هذا يمسني شخصياً، والفن لا ينفصل عن هذا الواقع وأحداثه. أنا على قناعة أكثر بعد الثّورة بوجوب مواصلتي العمل بهذا الاتجاه، وهو نوع من المساهمة البسيطة بهذه المأساة”.

(لوحة للفنانة رندا مداح. رصاص على ورق. واللوحة تستخدم بإذن خاص من الفنانة)

اختيار رندا مداح للمواد التي تستخدمها في أعمالها فنياً هو رهين الفكرة والقصّة، ترغب دوماً بأن تستخدم وتتعرّف إلى مواد جديدة وتنتج منها. مع انطلاقة الثّورة، تغيّرت المواد من ناحية استخدامها وتوظيفها في أعمالها الفنيّة، فحضر الرّصاص كثيراً والرّسم من خلالها، محاولة أن تحكي عن حساسيّة ما يمرّ به الشعب السّوريّ. مشروعها “رصاص على ورق”(2016) كان بمثابة أفكار وقصص مرتبطة بالواقع اليوميّ السّوريّ، لتوثيق حالتها الشّخصيّة بتفاعلها مع الحدث اليوميّ الذي يصلها من صور النزوح والغرق والهجرة والقتل، إذ تقول: “هذه الصّور أسّست ذاكرة بصريّة تأثرت بها كثيراً، وعبّرت عنها من خلال أعمالي الفنيّة”.

المبدع في زمن الثّورة

تغيّرت الخارطة السّياسيّة كثيراً منذ انطلاق الثّورة السّوريّة، كما وتغيّرت الأسئلة والأفكار التي يطرحها الفنّ في وجه آليات القتل المستمرة، للإنسان والمكان. لربما، لم يتغيّر السّؤال الأخلاقيّ الأوّل الذي شغل وما زال يشغل الفنانين والفنانات، لكن أسئلة جديدة أضيفت له، كما بعض الكلمات والمواد الفنيّة المستخدمة، تغيّرت و/أو تجددت، ومنهم، من أصبح بالنسبة سؤال الجماعة أكثر فردانيّة.

ما زال ياسر خنجر يعتقد بضرورة التكامل بين الشّاعر وقصيدته ثم بين القصيدة والقارئ، كما وبين القارئ كجزء من المجتمع مع الشّاعر. مضيفاً: “إنّ القضايا التي يحاول تضمينها في القصيدة، ترتكز أوّلاً وأخيراً على الانتصار للضحايا قبل السّؤال عن هوياتهم وتالياً رفض القتلة أياً كانت هوياتهم.

كانت قد انتقلت شذى صفدي مؤخراً من بعد مجدل شمس للعيش والعمل في مدينة رام الله، حيث تعتبر أن هذا البعد الجغرافيّ عن الجولان وسوريا، يعطيها رؤيا أوضح، “صرت أفهم نفسي أكثر”، تقول. وتضيف: “يرتبط عملي الفنّيّ بالسؤال الإنسانيّ الأكبر، سواء عن فلسطين أو سوريا أو أماكن عديدة في العالم. لكنه بالطبع مرتبط بأغلبيته بالحدود المفروضة. لدي صور خُلقت نتاج علاقتي مع الحدود، عندما كنت أدرس في دمشق ونذهب باتجاه الحدود مع الجولان كي نرى القرية وتفاصيلها، هي هناك، لكنك لا يمكن أن تصليها، تماماً كما شعورنا في الاتجاه المعاكس نحو سوريا، بأنها قريبة وبعيدة بنفس الوقت، هذه الحدود حاضرة دوماً في تفكيري وإنتاجاتي الفنيّة”.

(الفنانة شذى صفدي. والصورة تستخدم بإذن خاص من الفنانة)

مضاء المغربي، يعتبر أن الثّورة هي بمثابة انتصار على الذّات، بأنها في حالة هزيمة الآن، لكن نجح الشعب السوري بأن ينتصر على ذواته، ويضيف: “نجحت بالانتصار على ذاتي والفضل يعود للثورة، هنالك نوع من الحكمة أكثر والخوف أصبح أقل والرغبة في الحياة أصبحت أقوى، هذه هي الانتصارات الذّاتيّة التي حققناها كسوريّين، لأن الثورة انطلقت من أجل الرغبة بالحياة. عندما يُصاب الفرد بسكتة قلبيّة نتيجة فرح أو حزن، يخضع قلبه لضربة كهربائيّة، هذه الضربة بالنسبة لي هي فرقة «نص تفاحة»، هي التي أحيّتني من جديد”.

تعتبر رندا مداح، والتي انتقلت مؤخراً للدراسة في باريس، أن أكثر ما يحضر في أعمالها الفنيّة اليوم هو الواقع الضبابيّ، كما المستقبل، الذي تعيشه سوريا، مشيرة إلى أنّها غير قادرة اليوم على الإنتاج، كما وأنها فقدت السيطرة على مشروع كانت قد بدأت فيه. وتضيف: “كل ما أنتجه اليوم يشبه إنتاجات سابقة، تتغيّر عناصره بشكل تلقائيّ معتمدة على المكان الذي أعيش فيه، وهو باريس اليوم، شعرت أن الواقع في الجولان أصبح أكثر ثقلاً، فقررت الابتعاد قليلاً، كنوع من المحافظة على إنسانيتي، لأن تكرار الأحداث اليوميّة من عنف وقتل أصبح كالأحداث العابرة غير المؤثرة. أحاول أن أبني آلية دفاع غير واعية ربما، مثل إبعاد الفنّ عن أماكن جغرافيّة.. أتفاعل مع الأحداث من خلال الفنّ وأحمي نفسي أيضاً من خلاله. فقرار الابتعاد الجغرافيّ كي أحمي إنسانيتي، نتج عنه رد فعل معاكس تجاه إنتاجي الفنيّ”.

الأمل الأوّل

من أكثر الأشياء التي أثّرت بي خلال عملي على هذا التقرير، والحوارات التي أجريتها مع كلّ من ياسر، شذى، مضاء ورندا، هي ثقل حقيقة القرب الجغرافيّ وبالمقابل البعد الزمانيّ لواقع الجولان السّوريّ المحتّل لدى من حاورتهم/ن، وبالطبع لدى آخرين، وكيف يؤثّر هذا الثقل على حياتهم/ن أوّلاً كما وإنتاجاتهم/ن الفنّيّة. هذا الثقل المرتبط بشكل وثيق مع شعور العجز، خاصّة بما تمرّ به سوريا اليوم وناسها، والمرتبط أيضاً بقسوة الواقع السّياسيّ الذي فُرض على الجولان وأهله، الذي يجعله قريباً وبعيداً بنفس الوقت، ومع انطلاقة الثّورة السّوريّة، لم يبقَ فقط بعيداً من الناحيّة الزمنيّة، أي أنه بعيد عن سوريا مسافة 50 عاماً اليوم، إنّما بعيد أيضاً عن التفاصيل اليوميّة المؤلمة التي تمرّ بها سوريا اليوم، مما يجعل هذا البُعد أكثر كرهاً عما كان.

لطالما حضرت سوريا وناسها في الإنتاج الفنّيّ في الجولان السّوريّ المحتل، كان لهذا المشهد وما زال دور في الحفاظ على هويّة المكان وناسه أمام محاولات الاحتلال المستمرة بطمسها. اليوم، يبدو أنّ له دوراً أكبر وأوسع، يلتقي بمساحات عديدة مع المشهد الفنيّ السّوريّ الأوسع في سوريا والشتات، وكأن الثّورة، مع كل ما آلت إليه من ألم اليوم، وطبعاً بمن يؤمن بها، تحاول أن تخلق مشهداً فنياً متنوعاً ومختلفاً، لكن بوصلته موجهة نحو كلّ من حاول، وما زال يحاول، طمس ألوانه وخصوصيّته وأسئلته، لمحاولة الحفاظ على شعور الأمل الأوّل، الذي ما زال حياً بشكلٍ ما.

(الصورة الرئيسية: لوحة للفنانة رندا مداح. رصاص على ورق. واللوحة تستخدم بإذن خاص من الفنانة)

 

شارك المقالة: