رسالة إلى رامي سليمان

رسالة إلى رامي سليمان

دلير يوسفدلير يوسف

مخرج وكاتب سوري

بقلم .

يسألونني أن أكتب عنك. ماذا عساي أقول؟ ماذا عساي أكتب؟ ما نفع الكتابة عنك، والكتابة إليك، وأنت غائب؟ لا أفهم، حقاً، لماذا نكتب للأشخاص الذين لا يستطيعون قراءة ما نكتب؟ وماذا أقول بكتابتي؟ هل أحدثهم عن صداقتنا أم عن عملنا سويّة؟ هل أخبرهم عنك وعن شخصيتك؟ هل أرسمك بالكلمات؟ ماذا أكتب؟ ماذا أكتب؟

هذه الصفحة البيضاء أمامي منذ يومين، أنظر إليها طويلاً، أفكر بكلّ شيء إلا بك. أحاول تجنّب صورتك. أصنع لنفسي بعض القهوة. أقول لنفسي القهوة قد تساعدك على ترتيب أفكارك. هراء. كلّ هذا هراء. رأسي أشبَهُ بجدار قد علّقَتْ عليه صورتك، كبيرةً. إنّك تبتسم في صورة الجدار الرأس. أقول لك: “هل تشرب القهوة معي؟ تفضل”. “تعيش” تقول لي. ابتسمُ وأقول: “يعيشوا حبابك”. تتسع ابتسامتك وأنت الذي تعرف هذه المحادثة التي كنّا نكررها كلّ نصف ساعة تقريباً. “يعيشوا صحابك” تقول. أضحك وأنا أقول “أهلين أهلين”.

أفكر بكَ كثيراً هذه الأيام، لا أعرف لماذا. إنّها الذاكرة العفنة تنتقي ما تشاء من ذكريات ترميها في وجهنا متى شاءت. أحاول أن أحرس ذاكرتي من ذكريات تصيبُها بالخوف والعجز لكن الذكرى الفجاءة تباغتني وتحتل أفكار يومي. أنت تحتلني اليوم يا رامي.

أستطيع أن أكتب صفحات طويلة عن عدم رضاي عن أنظمة دول العالم وعن كرهي للنظام العالمي وعن أخطاء الحكومات والشعوب. أحسُّ أنّ بمقدوري كتابة مجلدات عن عدم العدل في العالم وعن الظلم والقهر. أستطيع أن أملأ صفحات الجرائد بالحديث عن الحرية والكرامة. لكن لا أستطيع أن أكتب صفحة إليك. يا للعجز!

يا لعجزي وأنا أنظر إلى هذه الورقة منذ أربعة أيام ولا أستطيع أن أكتب لك شيئاً! كل يوم أكتب كلمتين أو ثلاثة.. هل نفدتْ الكلمات من جعبتي؟ أفكر، ربما أستطيع أن أقول لك الكثير، أن أتحدث إليّك أياماً طويلة حين التقيك مجدداً. هل سأراك مرة أخرى؟ أخاف من هذه الفكرة فأُبعدها إلى أسفل رأسي. أقول لنفسي ربما لن أستطيع أن أنطق كلمة واحدة. ربما أضمك وأبكي معك عليك، وعلينا، وعلى بلادنا.

يا رامي، كيف تقضي يومك؟ كيف تشرب الماء؟ هل تشبع بالأكل الذي يأتونكم به؟ كيف شكل زنزانتك؟ هل تعرف شكل جلاديّك؟ أشعر وكأنّني أُمّك وأنا أسائل نفسي هذه الأسئلة؟ هل أراك يوماً لتخبرني تفاصيل السنين التي مرت وأنت تلتحف ذاك الظلام البشع المُخيف؟ يا رامي… كيف حالك يا رامي؟

لم أحلم بك حتى الآن. صورتك عصيّة على أحلامي. أريد أن أراك مرة واحدة على الأقل لتخبرني أنّك بخير وأنّك تشتاق للجلوس معي والحديث عن كلّ شيء. أخبرني مرة واحدة، في حلم واحد، عن أنّك تريد تناول الطعام معي، طعام كثير نتناوله على طاولة كبيرة. تعال في حلم واحد. لا تكن بخيلاً. تعال.

أسئلة… أسئلة… أسئلة… أسئلة كثيرة تدور في رأسي، كلّها تدور حولك. أنتَ محور هذه الأفكار الأسئلة. أنتَ الذي علمتني كيف أحب الناس كلّهم بلا تمييز. علمتني كيف يكون الإنسان قادراً على حب الآخرين دون بذل جهد كبير. هل يعرف جلادك والمحقق وحرّاس السجن، لو أنّ الظروف غير هذه الظروف، أنّك سوف تساعدهم لو كانوا فقراء ومحتاجين؟ هل يعرفون أنّك قد تعيل عائلاتهم لو كانوا يموتون جوعاً؟ هل يعرفون أنّك ستفعل المستحيل من أجل إنقاذهم لو كانوا يعانون من مرض خطير؟ هل يعرفون أنّك تفعل هذا دون أن تعرف أفكارهم وخلفياتهم وآراءهم وأفعالِهم؟

اليوم هو اليوم السابع منذ بدأت كتابة هذه الرسالة. كيف حالك اليوم يا صديقي؟ هل تشعر بالبرد؟ لا أعرف لماذا أفكر بمثل هذه الأمور، ربما هو الشوق يأخذنا إلى مغارب الدنيا ومشارقها. يأخذ بنا إلى مساحات لا نعرفها في دواخلنا، فندمن الشوق وكأنّه دواء غربتنا المرّة ومتنفسنا الوحيد في بحر غرقنا.

لماذا أكتب لك هذه الرسالة وأنت لا تستطيع قراءتها؟ أأكتبها لنفسي؟ “ربما تكتبها لنفسك” أجيب عن سؤالي. أقول بصوت مسموع في غرفتي البعيدة عنك: “أنا عم أكتب لحالي مشان حس بحالي.. أنا ما عم أكتب عنك يا رامي… أنا عم أكتب عن حالي…” يا لأنانيتي! حتى وأنت في ذلك الظلام أفكر بنفسي وعلاقتي بك، ولا أفكر بك بشكل مجرد. لا أفكر بك كشخص مستقل عني لديه حياة وحبيبة وأصدقاء كثر وعمل وساعات مرح. لا أفكر بك إلا كصديقي… يا لهذه الأنانية!

(الصورة الرئيسية: رامي سليمان معتقل منذ تموز 2013 لدى النظام السوري. المصدر: صفحة الحرية لرامي سليمان على الفيسبوك. الصورة تستخدم بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

شارك المقالة: