تجارة الاحتياط في الحرب السورية

تجارة الاحتياط في الحرب السورية

حازم مصطفى (اسم مستعار)حازم مصطفى (اسم مستعار)

كاتب وصحفي سوري مقيم في اللاذقية

بقلم .

يشعر “علي” (28 عاماً، مهندس من اللاذقية) بالقلق بعد أن تردّدت شائعات في الشارع السوري تقول بأنّ هناك قائمة من أكثر مئة اسم تسربت لشبكات التواصل الاجتماعي تضم أسماء لمعفيين من الاحتياط سيعاد طلبهم مرّة ثانية وأسماؤهم معمّمة على كلّ الجهات المرتبطة لسوقهم ثانية إلى حلبات القتال واسمه بينهم.

قبل يومين اضطر الشاب غير المتزوج إلى الركض قرابة النصف كيلومتر في الحقول الزراعية هرباً من الدورية الأمنية المكلّفة التقاط الهاربين من الاحتياط في مدينة اللاذقية، والتي ترافقها دوماً سيارة مغلقة لوضع المطلوبين ونقلهم فوراً إلى العاصمة لوضعهم تحت تصرّف الوحدات المقاتلة.

يقول “علي” في حديث لـ “حكاية ما انحكت” إنه في المرة الأولى اكتفى الشرطي بمبلغ أقل من عشر دولارات كي يسجل أنه “غير معروف العنوان من قبل المختار”. وفي المرة الثانية طلب مبلغاً أكبر (50 دولاراً)، ولما رفض “علي” بعد مجادلة طويلة سجّل الشرطي تبليغه رسمياً فأصبح مطلوباً واسمه معمّماً على كلّ الحواجز والدوريات والمخافر. “ولأنني من أصحاب الخدمات الثابتة، ولدي مرض جلدي مزمن، تمكنت من الحصول على إعفاء من الاحتياط بعد أن دفعت مبلغاً وصل إلى (10 آلاف دولار) عبر شبكة مختصة بهذا الأمر”.

إلا أن هذا الأمر لم يخفف من خوف علي، فـ “ما أخشاه اليوم أن تكون ذهبت هباء بعد أن تمّ اعتقال جزء منها (الشبكة)، وتحويلهم للقضاء العسكري كما نقلت منصات التواصل الاجتماعي”.

يتراوح عمر الاحتياط بين سن التجنيد النظامي (18 سنة) حتى عمر اثنين أربعين، وهو العمر المحدّد للخروج من دائرة الاحتياط، ولكن مع البقاء ضمن دائرة النفير العام (حتى 60 عاماً)، ولكن هناك حالات زاد فيها عمر المطلوبين (والملتحقين) عن اثنين وأربعين وهو ما أثار بلبلة لعدّة مرات في الشارع السوري وعلى صفحات التواصل الاجتماعي.

زادت نسبة الطلب إلى الاحتياط بين العامين 2014-2016 مع تصاعد العمليات العسكرية في البلاد بنسبة كبيرة، وتمّ الطلب إلى كافة المنظومات المرتبطة بهيكل الدولة والنظام تأمين المزيد من المقاتلين لصالح الجبهات المشتعلة. كان المصدر طلب الاحتياط المباشر لمن هم في سن الاحتياطي وخاصةً من موظفي القطاع العام. وتشير تسريبات إلى أنّ عدد مطلوبي الخدمة الالزامية والاحتياط والمتخلفين عنها في سوريا بلغ فوق النصف مليون شخص في حزيران 2016.

الإعفاء الصحي.. قنونة الفساد رسمياً

استخدم راغبو الإعفاء من الاحتياط عشرات الحيل لتحقيق مرادهم، بعضهم لديه سند قانوني يساعده، في حين لجأت حالات أخرى لا يوجد لها سند قانوني إلى فبركة قصص مختلفة لتأمين الإعفاء من الاحتياط، كان أبرزها ما سمي الإعفاء الصحي الذي يقرّره نظرياً مرسوم خدمة العلم وأحكامه التنفيذية، إذ يتضمن عدّة حالات مرضية في حالات السلم والحرب معاً، ويكون القرار الفصل فيه للجان طبية في مناطق التجنيد والتعبئة ولمن هم من حملة الشهادات العليا، وهذه ترفع قراراتها إلى المجلس الطبي العسكري، وهو أعلى جهة يحق لها الإعفاء من الخدمة ويصادق عليها رئيس هيئة الأركان ووزير الدفاع.

يتحدث خالد مصطفى (29 عاماً/ اسم مستعار) أحد المعفيين عن تجربته لـ “حكاية ما انحكت”، فيقول: “أنا بالأصل وفقاً لدفتر التجنيد ممن يخدمون خدمات ثابتة (غير قتالية)، إذ لدي ربو مزمن، ولدي إثبات رسمي على دفتر الخدمة، وقد استفدت من هذا المرض في طلبي بالتعاون مع رئيس شعبة التجنيد ومن ثم وصولاً إلى العاصمة، كلفتني العملية قرابة 5 مليون (10آلاف دولار)، أما الذين يتم اختراع مرض لهم فتكلفهم العملية أكثر من ذلك بكثير”.

يتكون المجلس الطبي العسكري من طبيب عسكري برتبة لواء مع لجنة مكونة من عشرة أطباء آخرين (عسكريين أيضاً) تقوم بإجراءات الفحص الطبي لطالبي الإعفاء. وعملية الإعفاء تتقاضى مبلغاً يتراوح بين 14-20 ألف دولار وبسرية تامة في حالة اختراع المرض.

يعمل هؤلاء بطريقة سرية، عبر شخصيات تعمل لصالح لشخصيات مؤثرة ضمن إدارة التجنيد العامة أو الأركان يمكنها تأمين الإعفاء من الخدمة أو الاحتياط مقابل مبالغ مالية مشابهة، تعتمد سياساتها على إخفاء أو إضاعة إضبارة الشخص المعني أو تغيير وضعه في الحواسيب.

 أما زبائن هذه المكاتب فهم كما هو واضح القادرون على دفع تلك المبالغ الكبيرة، ويحدث أحياناً أن يعاد طلب الشخص المعفى للاحتياط مرة ثانية إذا تأخر عن دفع ما عليه من مبالغ مالية.

الدوريات باب للرزق وللتخويف

مع اتساع طلب الاحتياط نتيجة الخسائر البشرية المتواصلة في المعارك، وبالتالي زيادة تخلّف المطلوبين، لجأت السلطة إلى مزيد من الإجراءات المتشدّدة، كان أبرزها وما يزال الدوريات الراجلة في الشوارع، وهي دوريات متنوعة الاختصاص، فمنها شرطة عسكرية وأمن دولة أو مخابرات جوية، وأضعفها دوريات الشرطة المدنية، وتتحرّك جميعها بسيارات سوداء مغلقة (أطلق عليها السوريين اسماً فكاهياً كعادتهم: أم كامل) بتكتيكات مفاجئة وبتواقيت غير محددة وحتى أحياناً بلباس مدني، أما توضعها الجغرافي فيتم اختياره عادة على الطرقات التي لا يمكن الهروب منها، كالأوتوسترادات الدولية أو مفارق الحارات والقرى والبلدات.

تتلقى هذه الدوريات مبالغ قد تصل إلى مئة دولار أميركي مقابل تركها الشخص المطلوب للاحتياط ولمرة واحدة فقط قابلة للتكرار حسب سوء حظ الشخص المعني.

 يتحدث “قصي محمد” (32 عاماً/ اسم مستعار) عن اضطراره في يوم واحد لدفع مبلغ خمسين ألف ليرة سورية (100دولار) لمرتين ولدوريتين إحداها لفرع الأمن العسكري والأخرى لأمن الدولة.

 سحب الشباب إلى الاحتياط يأتي اعتباطياً في الغالب دون وجود رادع قانوني، ومن لم يكن مطلوباً يمكن أن يسحب تحت باب التعبئة العامة، يضيف الشاب (قصي) الذي يعمل في سوق الذهب إلى أنه تحوّل مع خوفه الدائم من سحبه للاحتياط إلى الالتزام ببيته مع وجود الدوريات في ساحة قريبة من محله.

لا تنفع الوثائق التي يحملها المعفى من الاحتياط أو الخدمة أحياناً أمام الدوريات، فالمواطن الذي تؤخذ هويته أو دفتر خدمته يصبح تحت رحمة الدوريات والحاسوب المحمول الذي ينتقل معهم.

 يقول الشاب “إبراهيم” (32  عاماً، عمل حر): “ببساطة، لا تستطيع التأكد من كونك مطلوباً للاحتياط حتى لو كنت معفىً من الاحتياط، فالأسماء تتغير من (فوق) كل ساعة حسب ادعاءات الدوريات نفسها التي وببساطة تستطيع نقل شخص غير مطلوب إلى تجمعات المطلوبين ويتم سوقه دون السماح له بإجراء أي اتصال هاتفي واحد، وحتى يتمكن من ذلك يكون قد مضى عليه شهرين على الأقل محاولاً الفكاك من أسره وغالباً بعد دفع مبالغ كبيرة أيضاً هناك. إنها منشار”.

القطاع العام والخاص … سحب بالجملة ودفع بالمفرقّ!

“حسن” (43 عاماً) موظف في شركة قطاع عام باللاذقية تمّ طلبه إلى الاحتياط رغم وجود سقف يحدّد طلب الاحتياط بعمر 42 عاماً، ورغم محاولاته المتكرّرة وتقديم عشرات طلبات التسريح إلا أنه لم ينجح في ذلك وهو اليوم يخدم على جبهة جوبر بريف دمشق.

الشخص الذي رفع اسم “حسن” إلى الاحتياط هو مديره الإداري، فقد تم رفع اسمه من بين من يمكن الاستغناء عن خدماتهم في تلك الشركة، وإلى جواره يوجد عدّة حالات تجاوزت السن القانوني إلا أنها لم تتمكن من الفكاك من أسر الاحتياط نتيجة رفض قادة المجموعات العسكرية تسريحها.

منذ العام 2012 صدر القرار رقم (12) عن رئاسة مجلس الوزراء، الذي يطلب توفير مناوبات أمنية لكل شركات القطاع العام، تلاها طلب إرسال قوائم اسمية بمن يمكن الاستغناء عن خدماتهم في كل مؤسسات القطاع العام، وهنا أيضاً فتح باب للارتزاق للمدراء الإداريين ورؤساء اللجان الأمنية، فتم ترشيح أسماء بعض ممن لم يتمكنوا من الدفع، ومع انتباه رئاسة مجلس الوزراء للأمر أعيد طلب إرسال قوائم إلكترونية بكافة أسماء العاملين مع أعمارهم وخدماتهم وحالتهم الصحية. وترك اختيار طلبات الاحتياط للكومبيوتر المركزي.

تتداخل علاقة الموظفين مع شعب التجنيد التي تحولت هي الأخرى إلى مصيدة وباب للارتزاق في آن واحد، مصيدة لأن مراجعيها من الموظفين عليهم الدفع لنيل أي ورقة تثبت أنهم غير مطلوبين للاحتياط. وفي ظلّ ترهل كبير في الجهاز الإداري للمؤسسة العسكرية يمكن إصدار أيّة وثيقة دون التثبّت من مدى صحتها مركزياً فما تزال لغة الورق هي المتداولة في ظل فوضى توثيق عالية، وفي ظل انقطاع الحركة إلا ضمن مناطق محدّدة تصبح الوثيقة معتمدة ولو كانت مزورة، إلا أنّ الدوريات الراجلة زوّدت بحواسيب مرتبطة بالإدارة العامة للتجنيد أدت إلى توقف محاولات الفساد هذه، خاصة بالنسبة للطلبة الجامعيين، الأكثر طلباً للاحتياط.

دون أن يعني ذلك الالتزام بالقوانين أيضا، إذ يعترف الشاب مازن (39عاماً، رئيس قسم في شركة إنتاجية في طرطوس) بأنه اضطر إلى دفع مبلغ قرابة ألفي دولار كي يتخلص من الاحتياط بعد أن بقي شهرين في قطعة عسكرية بعد طلبه للاحتياط، مضيفاً: “رغم وجود مرسوم رئاسي يمنع وجود شقيقين اثنين في الجيش إلا أنّ الاحتياط طالني، ولم أتمكن من إقناع موظفي شعبة التجنيد بأنّ قراراً رئاسياً يمنع طلبي بسبب كون أخي في الجيش، طلب مني الالتحاق ثم تقديم طلب إعفاء، التحقت وبدأت معاملة التسريح ولكن دون جدوى، حتى وصلت إلى موظف في هيئة الأركان تابع لي قضيتي بعد أن قبض المبلغ المتفق عليه وتسرحت بعد جهد كبير”.

(الصورة الرئيسية: من تصميم كوميك لأجل سورية، واللوحة مصممة خصيصا لهذه الحكاية، والحقوق محفوظة لحكاية ما انحكت)

 

شارك المقالة: