الجفاف.. ليس المشكلة البيئية الوحيدة في سوريا قبل ٢٠١١

الجفاف.. ليس المشكلة البيئية الوحيدة في سوريا قبل ٢٠١١

لينا أكلوندلينا أكلوند

باحثة في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة لوند السويدية. حاصلة على دكتوراه في الجغرافيا الطبيعية وتحليل النظم الإيكولوجية. يمكنكم متابعتها على تويتر @eklund_lina  وعلى مدونتها الالكترونيةpopenvmiddleeast .

بقلم . ترجمه‫/‬ته إلى العربية .

الطبيعة لا تعرف معنى الحدود السياسية، لكن تلك التي بين تركيا وسوريا واضحة  وضوح الشمس على صورة مأخوذة من قمرٍ صناعي. الفرق في كثافة اللون مذهل، كما لو أنّ شخصاً ما استخدم ممحاة على الجانب السوري ليمحي اللون بعض الشيء. فعلى الجانب التركي، هناك لونٌ أخضر غامق وواضح يدلّ على إنتاجية زراعية عالية. أما على الجانب السوري، فهناك لونٌ بنّي رمادي مع القليل من الأخضر.

لمحة سريعة على الصورة تُعلِمُنا بأنه من غيرالمعقول إلقاء اللّوم على الاختلاف في مستويات هطول الأمطار لشرح التفاوت في كثافة المساحات الخضراء. فمن غير الواقعي أن نصدّق أنها تمطر بكميات أكبر بكثير فقط بعد بضع مئات من الأمتار شمال الحدود، فلا بدّ أن يكون هناك تفسيرٌ آخر.

تُبيّن دراسة نُشرت حديثاً أنّ هذا الاختلاف هو أكثر من مجرّد لقطة عابرة: فالإنتاجية في الأراضي الزراعية السورية آخذةٌ في الانخفاض بشكلٍ مُطرّد منذ ٢٠٠١. ومن ناحية أخرى، أظهرت تركيا زيادة مُطردة في الإنتاجية خلال نفس الفترة الزمنية. كما أظهرت دراسة سابقة ركزّت على الفترة بين عامي ١٩٨٢ و ٢٠٠٠ زيادة في الصحة النباتية في كلٍّ من سوريا وتركيا، ولكنّ يبدو أن هذا الاتجاه قد انعكس الآن في سوريا. والسؤال هو: لماذا؟

شهدت مناطق شمال شرق سوريا وجنوب شرق تركيا انخفاضاً بشكلٍ عام في معدل هطول الأمطار منذ ٢٠٠١، ولكن هذا لا يُفسّر الوضع الحالي إلا جزئياً. فكثيرٌ من هذه الأراضي لا تعتمد فقط على هطول الأمطار بل يتم ريّها باستخدام مياه الأنهار والبحيرات والسدود، أو من المياه الجوفية الموجودة في الطبقات الجوفية تحت الأرض.

شجعت السياسات الزراعية السورية التي تبغي الربح، والتي تمّ اعتمادها في أواخر التسعينات على إنتاج محاصيل مُربحة في بعض المناطق مثل القطن والشمندر السكري غير أنها كانت تتطلب الكثير من المياه. هذا أدّى إلى الإفراط في استخدام المياه الجوفية وتدهور الأراضي، وأحد الأمثلة هو من خلال زيادة مستويات الملح في التربة. فحوالي ٦٠ بالمائة من الأراضي السورية تعتمد على مياه الامطار، والبقية يتم ريّها. ففي العام ٢٠٠٠، شكلت المياه الجوفية ما يقرب ٦٠ بالمائة من مياه الرّي، ولكن لدى سوريا العديد من السدود لتأمين إمدادات مياه الرّي والطاقة المائية.

(الصورة: شمال شرق سوريا، ١٩٩٧ (بإذن من جوشكا ويسلز – مركز دراسات الشرق الأوسط، جامعة لوند))

السياسة المائية

بشكلٍ عام، تُعتبر تركيا بموقعٍ أفضل بكثير من حيث كمية المياه ووجود البنية التحتية للزراعة. ففي ٢٠١٤، كان لدى تركيا ٢٩٤٧ متر مكعب للفرد في السنة من موارد المياه الداخلية المتجدّدة (أي كمية المياه داخل البلد التي يتم تجدّدها من خلال تدفّق الأنهار وهطول الأمطار). بالمقابل، بلغت تلك الكمية في سوريا ٣٧١ متر مكعب للفرد في سنة فقط. وفي ٢٠٠٢، بلغت كمية المياه المتجدّدة في سوريا ٤١٧ متر مكعب للفرد في السنة، في حين بلغت في تركيا ٣٤٨٥ متر مكعب  للفرد في السنة.

على مدى أكثر من عقد، انخفضت موارد المياه الجوفية في كلٍّ سوريا وتركيا لكن لا تعتبر الأخيرة بلداً شحيحاً بالمياه وفقاً لمؤشر فالكنمارك – وهو مؤشر ندرة المياه، حيث يتم تعريف ندرة المياه بالبلدان التي تكون فيها الموارد الداخلية المائية المتجدّدة دون ١٠٠٠ متر مكعب للفرد في السنة. ومن ناحيةٍ أخرى، تُعتبر سوريا دولة شحيحة بالمياه منذ السبعينيات.

تقع تركيا أقرب الى منبع نهر دجلة والفرات من سوريا، مما يعني أنها تسيطر على الموارد المائية التي تتدفق تجاه حوض النهر المذكور. وينصّ اتفاق عام ١٩٨٧ على ضرورة سماح تركيا لتدفّق ٥٠٠ متر مكعب في الثانية إلى دول المصب، ولكن هذا الاتفاق قد انتُهِكَ عدّة مرات، مما تسبّب في توترات بين الدول التي على ضفاف النهر. وفي ١٩٧٧، بدأت تركيا مشروعها المشؤوم في جنوب شرق الأناضول الذي هدف الى بناء ٢٢ سدّاً و١٩ محطة للطاقة الكهرومائية، وعدداً من شبكات الريّ. ومن المعروف أنّ هذا المشروع تسبّب في زيادة التوترات بين تركيا وسوريا، حيث قللّ بشكلٍ كبير تدّفق المياه إلى تلك الاخيرة.

(الصورة: نهر الفرات في سوريا، ١٩٩٧ (بإذن من جوشكا ويسلز – مركز دراسات الشرق الأوسط، جامعة لوند))

وبينما كانت تركيا محظوظة بما فيه الكفاية لتكون أقرب الى المنبع في حوض نهر دجلة والفرات، كان للبلاد أيضاً مجموعة مختلفة من السياسات البيئية والوطنية لاستخدام المياه، والتي كانت مرتبطة بالمفاوضات الخاصة بعضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. فتعديل السياسة المائية لتركيا بتوجيهٍ من الاتحاد الأوروبي عنى أنّ أنقرة بدأت في اتباع إطاراً أكثر تفصيلاً للإدارة الوطنية للمياه، بما في ذلك المبادرات التي قلّلت من آثار الجفاف وتواتر نقص المياه.

نزاعٌ بسبب الجفاف؟

لقد أشارت العديد من الدراسات والتقارير إلى أنّ الجفاف في سوريا بين عامي  ٢٠٠٧ و٢٠٠٩  كان عاملاً مساهماً في الانتفاضة السورية. وتقوم الفكرة على أنّ الجفاف الشديد الذي تفاقم بسبب تغيّر المناخ أدّى إلى فشلٍ واسع في المحاصيل في سوريا. وكانت النتيجة أنّ الآثار السلبية على سُبل العيش في المناطق الريفية أدّت إلى وجود نمطاً قوياً للنزوح من الريف إلى المناطق الحضرية، مما زاد الضغوط على المدن، وبالتالي زادت حدّة التوتر والاستياء بين السكان تجاه الحكومة.

بشكلٍ عام، هناك إجماع على أنّه كان للجفاف آثاراً اجتماعية واقتصادية سلبية على سكان الريف، ولكنه جرى التشكيك مؤخراً بكون الجفاف سبباً رئيسياً للنزوح الجماعي إلى المدن أو سبباً للاضطرابات المدنية.

أضف الى ذلك أنّه تمّ طرح الحرب الأهلية السورية كمثالٍ واضحٍ على نزاع قائم على تغيٌرالمناخ، بالرغم من عدم وجود أي دليل علمي يبرّر هذه الصلة. وقد خلصت دراسة حديثة بحثت عن الصلات المزعومة بين تغيّر المناخ والجفاف والهجرة والصراع في سوريا إلى أنّ الأدلة ضعيفة، وأنه ينبغي أن نتوخى الحذر في استخلاص هذه الاستنتاجات.

(الصورة: جبل الشيخ بركات، محافظة حلب، ٢٠١٤ (بإذن من جوشكا ويسلز – مركز دراسات الشرق الأوسط، جامعة لوند))

الضعف تجاه الجفاف

أما السؤال الذي لم يحظَ بالاهتمام الكافي خلال النقاش حول الجفاف السوري هو: “ما الذي جعل هذا الجفاف شديداً للغاية؟” فالجفاف حدثٌ مناخيٌ متكررٌ في سوريا وفي الشرق الأوسط بشكلٍ عام. فكان هناك عدّة موجات جفاف في المنطقة منذ الستينيات، وكان للعديد منها آثار كبيرة على الزراعة وسُبل العيش. فلماذا تسبّب هذا الجفاف بكلّ هذا التوتر الاجتماعي والاقتصادي في سوريا ولكن ليس في الدول المجاورة؟

مزيجٌ من الخصائص الجغرافية وعلاقات القوة والسياسة المائية والسياسات الوطنية وإدارة الموارد المائية المحلية خلق حالة من الضعف البيئي في سوريا. وعندما حصل الجفاف عامي ٢٠٠٧ و٢٠٠٨، كانت موارد الأرض والمياه تحت ضغوط كبيرة بالفعل. كما أن المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا، والتي شهدت أكبر انخفاض في معدل هطول الأمطار، كانت أيضاً الأكثر ضعفاً بسبب اعتمادها الشديد على الزراعة بالإضافة إلى ارتفاع معدلات الفقر والأمية وانخفاض مستويات التعليم.

كما أثرت السياسات الحكومية على قدرة سكان الريف على مواجهة الجفاف. فخلال تلك الفترة، ألغت الحكومة السوریة العدید من الإعانات التي كانت تقدمها للمزارعين، منھا دعم أسعار الوقود والأسمدة. وفي حين أنّ الحدّ من هذه الإعانات قد يقلص من الإفراط في استخدام الموارد، غير أنّ التوقيت كان سيئاً. ومع ارتفاع تكلفة الأسمدة، واجه المزارعون مشاكل للحفاظ على نفس مستويات غلة المحاصيل. وبالإضافة إلى ذلك، أدّت زيادة أسعار الوقود إلى زيادة تكلفة ضخّ مياه الريّ ونقل المحاصيل إلى السوق.

في هذا الوقت، قامت الحكومة السورية أيضاً بتفكيك شبكة تمويل صغيرة كانت مصمّمة خصيصاً لتوفير الأمن الاقتصادي للأسر الريفية. ليس واضحاً السبب وراء اتخاذ هذا القرار الحكومي، ولكن هناك فرضية تقترح أنّ الاستقلال المالي والإداري الذي أنشأته شبكة التمويل بين القرى الريفية أمسى بمثابة تهديد للسلطات المركزية.

ولا يزال من غير المفهوم تماماً إن كان قرار الأُسر الريفية بالانتقال إلى المدن خلال عامي ٢٠٠٨ و ٢٠٠٩ بسبب نقص الأمطار أو بسبب تدهوّر الوضع في الريف في ظل غياب دعم حكومي حقيقي. فغالباً ما تكون الأسباب الكامنة وراء أنماط الهجرة معقّدة، وفي مواجهة فترة الجفاف، فإن النزوح ليست البديل الوحيد للتكيّف.

(الصورة: مزرعة في شمال شرق سوريا، ١٩٩٧ (بإذن من جوشكا ويسلز – مركز دراسات الشرق الأوسط، جامعة لوند))

 

ماذا يمكننا أن نتعلم من الحالة السورية؟

أصبحت سوريا تعاني من الإجهاد المائي بسبب عوامل خارجية وداخلية، وقد ساهم كلٍّ من انخفاض مستوى هطول الامطار وموقع سوريا غير الملائم في حوض نهر دجلة والفرات في ضعف سوريا الاجتماعي والاقتصادي في مواجهة الجفاف. وهذه عوامل يصعب السيطرة عليها على الصعيد الوطني.

أما الإدارة غير المستدامة لموارد المياه والأرض، وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، والسياسات الحكومية ذات التوقيت السيء أدّت إلى خلق حالة غير مستقرة من الضعف الاجتماعي والاقتصادي الواسع النطاق في مواجهة الجفاف. هذه العوامل يمكن السيطرة عليها على الصعيد الوطني، وإن تمّت معالجة المشاكل المتعلقة بالإجهاد المائي في سوريا في وقتٍ أبكر لكنّا شهدنا تأثير الجفاف بأقلّ حدّة.

من المضلّل أن نقدم حالة الجفاف في سوريا كمثال لصراعٍ ناجمٍ عن تغيّر المناخ. كان هناك الكثير من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي اجتمعت في الوقت عينه، ومن غير الواقعي محاولة تحديد سبباً رئيسياً واحداً للانتفاضة. لكن ما ينبغي لنا أن نتعلمه من الحالة السورية هو أهمية وضع سياسات لإدارة الموارد المستدامة لبناء مجتمعات قادرة على الصمود بوجه التغيّر المناخي، والتي من شأنها أن تمنع وقوع حالات كارثية يمكن رؤيتها من الفضاء.

(الصورة الرئيسية: منظر للحدود بين جنوب شرق تركيا وشمال شرق سورية (بيانات الخريطة من جوجل/ Landsat/Copernicus)

شارك المقالة: