من القلب للقلب

من القلب للقلب

(ينشر هذا النص بالتعاون مع شبكة الصحافيات السوريات، وهو يأتي ضمن مشروع “حكواتيات .. قصص نساء سورية خارج الظل”)

بعيدةٌ عن ضجيج العالم لكنها في رحم الألم، جدرانه تطبق تارةً، وتبتعد أخرى، فتسرق الأنفاس. المساحة ضيقةٌ لدرجة أنها لا تتسع لضربات قلبها، فتنطلق متجاوزةً حدود الزمان والمكان بحثاً عن الخلاص.

 إنّه القلب إذن، من ينشد الحرية، يحملها في متاهات الذاكرة، في هذه أو ربما في تلك البعيدة هناك. تسأل نفسها: أين أبحث وعمَّ أبحث؟ تدور وتدور وفجأة يستوقفها شيءٌ ما، إنّه حبل الذاكرة الطويل، وهو ملتف حول عنقها كأنّه الحبل السري، فإما أن ينقذها وإما أن..

“بتوصل لعنا؟ لا مستحيل الناس ما بتسترجي” وصلت نسائم التغيير في 2011، وخرج السوريون ليحرّروا حناجرهم للمرة الأولى. كانت معهم، دانيا الصبية الدمشقية، والأم لشابٍ فتي ما زال في أعوام الشباب الأولى. دانيا الحائزة على دكتوراه بالشرق القديم تحولت اهتماماتها مع بداية الحراك الثوري في دمشق، فشاركت في المظاهرات والاعتصامات السلمية حتى تمّ اعتقالها للمرة الأولى بعد مظاهرة نادي الوحدة بأسبوعٍ 16/10/2011 بتهمة تهريب متظاهرين. في ذلك اليوم تمكنوا من التعرف عليها من خلال رقم سيارتها.

خرجت دانيا لتنتقل إلى العمل الإغاثي، وتنسيق الأنشطة السلمية، فتمّ اعتقالها للمرة الثانية في 2012. بعد خروجها للمرة الثانية، حوّلت نشاطها للغوطة مركزةً على قضايا المرأة، والطفل مع متابعة العمل الإغاثي بشكلٍ بسيطٍ.

 في رمضان 2013 على حاجز المليحة اعتقلت للمرة الثالثة. أيامٌ طويلةٌ أمضتها دانيا في زنزانتها المنفردة مترافقةً مع أشكالٍ مختلفةٍ من التعذيب. لم تكن حينها تدرك أهمية ما تمتلكه من قدراتٍ، حتى قرّرت في أحد الأيام أن تنصت لقلبها الذي بدا وكأنه وجد طريقاً للخلاص. لا تعميم، لا تقييم، لا مقارنة، لا نصيحة دون طلبٍ جادٍ، وإنما إصغاءٌ بتعاطفٍ.. هذه العبارات التي حرّرتها من ذاكرتها، من أهم آليات التواصل اللاعنفي.

قبل اعتقالها الثالث خضعت لعدة دوراتٍ في مجالاتٍ مختلفةٍ، من ضمنها كانت دورة التواصل اللاعنفي التي قلّما يثق الناس بقدرتها على التغيير. في وضعٍ سيء كوضعها داخل المعتقل، وجدت أن ليس هناك ما تخسره ولا بديل عن التجربة. كانت الخطوة الأولى تعتمد على فهم احتياجات، ومشاعر المحقّق. كانا كمن يقفا على ضفتي نهر تفصلهما مياه راكدة دون أن يدركا حقيقتها، وبما أنّه يملك القوة كان عليها أن تبذل الجهد لتصل إلى الضفة الأخرى.

اختبرت دانيا محاولتها الأولى خلال جلسات التحقيق التي استمرت لفتراتٍ طويلةٍ قبل أن يبدأ التغيير. بدأ المحقق ينصت إليها، وهي تخبره كيف تشعر بصعوبة غيابه عن أطفاله وأسرته لأشهرٍ، وتفهم حاجته لهم، وحاجتهم له. أخبرته بأنها ستقدم الألعاب لأي طفل ٍأو طفلةٍ مهما كان انتماء أو موقف أهلهم، فمن حقهم أن يفرحوا بالعيد كسائر الأطفال، وذلك ما فعلته مع أطفال الغوطة. في فرع فلسطين 2012 بينما كانت تخاطب إنسانية المحقق حدثها عن حلمه الذي لم يتحقق، وهو أن يدرس الجغرافيا، روى الكثير عن حياته رغم أنها كانت تعتبر خصماً بالنسبة له. أما في فرع “السياسية” فقد حصلت على شعورٍ إيجابي من قبل المحقّق عندما عاتبها قائلاً: “نحن طلبنا منك رشوة شي، في ناس هيك عم تكتب عنا”، فأكدت له بأنّ ذلك لم يحصل أبداً، كما قامت بالاتصال بأهلها لتنبههم إلى أهمية عدم ذكر ما لم يحصل، كل ذلك أسعد المحقق وأشعره بالإنصاف.

استطاعت دانيا أن تستبدل صورة المحقق المتجهم القاسي الذي لا هم له سوى انتزاع اعترافاتٍ حصلت أو لم تحصل، بصورة إنسانٍ خصمٍ، لكنه قابل للاستماع والمناقشة.

“ما فينا نقول للموجوع نحن موجوعين كمان، هيك ما منريحه، يفضل نقله حاسين بوجعك أو الوجع كبير” بتلك الكلمات بدأت دانيا حديثها عن آليات التواصل اللاعنفي، والتي تعتبر حسب قولها من السهل الممتنع، عند التطبيق يجب التركيز على احتياج المشاعر، وعدم مرورها بالعقل، وإنما من القلب إلى القلب لأن العقل كثيراً ما يدمر قصصاً إنسانيةً. كما لا تجوز المقارنة، وتقديم النصح وإنما الإصغاء بتعاطفٍ. في التواصل اللاعنفي لا يوجد مخطئ ومصيب، ولا يمكن لأحد أن يحل مكان أحدٍ آخر. من هنا تمكنت من فهم حاجة بعض الحرس الذين كانوا يأخذون بعضاً من طعام السجناء ليأكلوه. كما أنها لا تحمل أي حقدٍ تجاههم، وإنما تقول “إنهم سوريون جائعون أيضاً، ولا يحصلون على ما يكفيهم”.

(منحوتة رسمت خصيصا لهذه الحكاية. وهي من رسم الفنانة علا الشيخ حيدر)

في أحد الأيام جنّ جنون مدير السجن عندما علم بأنّ إحدى المعتقلات في السجن الجماعي قامت برسم علم الثورة على الجدار بالحوار (الطباشير). عندها اختبرت دانيا تجربتها مرة أخرى بعد أن حصلت على ترشيحٍ بشكلٍ ضمني من المعتقلات لتتكلم باسمهن. تمكنت من تهدئته، بعد أن ناقشته محاولةً التخفيف من حدّة الموقف، أخبرته بأنّ هذا العلم ليس علم الانتداب الفرنسي، وأنها طوال فترة دراستها لم تره مرفوعاً إلا عند الاستقلال.

بدأت الأمور تتغير بعد تلك المحاولات، بدأت تخف آليات التعذيب حتى توقفت كما حصلت المعتقلات على نصف ساعة تنفس، وزيادة كمية الطعام إضافة إلى نوعٍ معينٍ من الحلاوة لأنها كانت تعاني من نقص السكر.

أمضت دانيا عدة أشهر بعيدةً عن ابنها، وأسرتها بعد أن سافرت إلى لبنان. ولم تتمكن من العودة، فوجدت لنفسها مساحةً جديدةً للعمل، حيث توجهت إلى مخيمات اللاجئين في لبنان لتبدأ نشاطها. حصلت على تمويلٍ مع أستاذتها الدكتورة (وجد سباعي) لإقامة دورات تواصل لاعنفي في الريحانية/ تركيا وفي عرسال والبقاع الأوسط/ لبنان، حيث أصبحت مدربةً بعد أنا كانت متدربةً. حاولت دانيا في عرسال أن تعيد تجربة مشروع MY RIGHT  (وهي منظمة للمرأة والطفل قامت بتأسيسها) الذي أطلقت عليه مكتبتي، بعد أن منعته الظروف من الاستمرار في مصر وضيق ذات اليد وتسلط بعض الكتائب في الغوطة. تمكنت أخيراً من تدريب فريقين في عرسال، الأول من يبرود، والثاني من القصير. في البداية كان الشرخ كبيراً بينهما لأن أهالي القصير يعتبرون أهالي القلمون مقصرين في استقبالهم، ولكن مع اقتراب نهاية الدورة أصبحوا فريقاً واحداً، وتساعدوا على تجهيز مركزٍ مشتركٍ أطلقوا عليه اسم مكتبتي (مشروع دانيا سابقاً).

في البقاع، حيث نبتت مبادرة سنبلة التعليمية في المخيمات السورية بتمويلٍ من السيدة ماسة مفتي، كانت دانيا هناك تساند الأطفال والأمهات، حيث قامت بتأسيس وإدارة مدارسها في البقاع الأوسط. كما لم تتوانَ عن تقديم الدعم للمنظمات التي تعمل على حقوق المرأة والطفل، وذلك من خلال مساعدتهم على الوصول إلى أكبر شريحةٍ ممكنةٍ من اللاجئات واللاجئين. في المخيمات تجدها دائماً محاطةً بالأطفال مع ابتسامةٍ لا تفارقها.

لم يكن التواصل اللاعنفي مجرّد كلماتٍ بالنسبة لدانيا بل هو نهجها في الحياة. راقبتها في إحدى الورشات التي جمعتنا في لبنان، وهي تحاول تقريب وجهات النظر بين السوريين المختلفين. كانت تركز على أهمية فهم مشاعر كلّ من الطرفين للآخر. عندما سمعتها تنبّه أحد أصدقائنا إلى الأفكار العنفية التي ظهرت خلال حديثه، أدركت أنها إحدى النساء المناضلات السلميات اللاتي تحتاجهن سوريا المستقبل، ولكن للأسف تكسّرت البوصلة، وتغيّر الاتجاه.

ودّعت دانيا وابنها نسائم دمشق العابرة للحدود في البقاع، حيث أمضت فترة إقامتها في لبنان منتظرةً العودة إلى ما خلف تلك الجبال. هي اليوم تقيم مع ابنها في ألمانيا جسداً حيث بدايتها الجديدة، وفي دمشق روحاً حيث موطن الذاكرة.

(الصورة الرئيسية: لوحة رسمت على جدران مدينة سراقب. تاريخ التصوير: 29 يوليو 2012. المصدر: حيطان سراقب، والصورة تنشر بموجب سياسة الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

مقالات متعلقة

شارك المقالة: