المجالس المحلية في إدلب.. ديمقراطية أم حكم عائلات؟

المجالس المحلية في إدلب.. ديمقراطية أم حكم عائلات؟

هدى يحيىهدى يحيى

إعلامية وناشطة من ريف إدلب، حائزة على إجازة في التاريخ

 

بقلم .

تمكنت العديد من المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في الشمال السوري، من تنظيم أمورها جزئياً وسدّ الفراغ الناجم عن مؤسسات الدولة، وذلك عبر إنشاء مجالس محلية، تعتبر بمثابة حكومة مصغرة تعنى بتسيير شؤون القرى والمدن وتقديم خدمات متعدّدة وسط تحديات وتغيّرات مستمرة، سياسية واقتصادية وعسكرية.

إلا أنها لا تخلو من كونها غير منتظمة بالشكل الأمثل وتعاني انحسار الديمقراطية الناجم عن التمثيل العائلي وقلّة (وأحياناً) انعدام تمثيل المرأة، كما أنها لم تستطع حتى الآن كسب ثقة المواطن السوري في المناطق المحررة.

تعود فكرة إنشاء هذه المجالس لمجموعة من الناشطين ضمن التنسيقيات، والذين بادروا لتنظيم العمل الإداري ومتابعة الأمور الإغاثية بالتعاون والتنسيق مع المنظمات الداعمة خارج البلاد، ثم تبلورت جهودهم وتمّ توجيهها بهدف تقديم الخدمات للمناطق الخارجة عن سيطرة النظام من مياه ونظافة وكهرباء، فكان إنشاء أول مجلس محلي في مدينة سرمدا في محافظة إدلب في بداية عام 2012، لتنتشر بعد ذلك المجالس المحلية في جميع مناطق وبلدات إدلب وريفها، حيث بلغ عددها 118 مجلساً، وفقاً لمعلومات مسؤول المكتب الإعلامي في مجلس مدينة كفرنبل، عبد الرحمن البيوش. وتختلف بنيتها من مجلس لآخر بحسب إمكانية وخاصية كل مجلس، لكنها عموماً تتألف من مكتب تنفيذي يضم كلاً من رئيس المجلس المحلي ونائبه إضافة لأمين سر المجلس ورؤساء المكاتب البالغ عددها 12 مكتباً، ومنها المكتب الطبي، المالي، الإعلامي، الدعم والمتابعة وإدارة المشاريع، الإغاثة وغيرها.

بين الانتخابات وتمثيل العائلات

أما عن عدد الأعضاء ومعايير اختيارهم، يتحدث رئيس المجلس المحلي في مدينة كفرنبل، أحمد برهوم الحسني (33 عاماً)، فيقول لـ”حكاية ما انحكت”، إنّ عدد الأعضاء في كل مجلس هو 28 عضواً يمكن أن يتقلص هذا العدد كما حدث في مجلسهم.

أما عن معايير اختيار الأعضاء، فيذكر الحسني بأنها تختلف من سنة إلى أخرى ولكن إجمالاً تتركز حول من “يمتلك شهادة ثانوية كأقل تقدير وخبرة ضمن العمل الإنساني، الكفاءة والأخلاق الحميدة والسمعة الجيدة، أن يكون ثورياً وغير محكوم بجنحة أو جناية”. ويضيف الحسني بأنّ تمثيل الطوائف (وهنا يقصد الحسني العائلات) ضمن المجلس المحلي يكون بحسب كل عائلة وحجمها وعدد سكانها، ويعطي مثالاً على ذلك “عائلة بيت الشيخ يمثلها عضوان، أما عائلة بيت الخطيب فثلاثة أعضاء وعائلة البيوش عضوان وهكذا”، ويتم اختيار الأعضاء بالتوافق بين العائلات ووجهاء المدينة ونشطائها.

وعند سؤال الحسني عن مدى استقامة الديمقراطية مع العودة لفكرة العائلات والقبيلة، يبرّر بأن ذلك “لا يتعارض مع الديمقراطية طالما أنّ هناك ما يجمع بين الاثنين معاً، وهي التمثيل العائلي والخبرة والكفاءة”.

انتقادات عديدة واجهت وتواجه المجالس المحلية جرّاء طريقة اختيار الأعضاء بعيداً عن الانتخابات ومشاركة جميع فئات الشعب بذلك. هذا ما يعبّر عنه المهندس المدني حمدو الرسلان (39 عاماً) فيقول ممتعضاً: “يتم تشكيل أعضاء المجلس المحلي دون علم الشعب بذلك، نحن بحاجة للابتعاد عن المحسوبيات والولاءات، والاتجاه نحو الكفاءات الراغبة بالعمل”.

أما المعلم عمر البكور (41 عاماً) فيقترح أن يجري انتخاب للأعضاء في مكان معين أو ساحة عامة لتتاح الفرصة للجميع بالمشاركة، وبالتالي يتفادى الأعضاء أيّة انتقادات مستقبلية كونهم منتخبين من الشعب مباشرة. في حين يصرخ الشاب حسام العبيدو (25 عاماً) بجملة مختصرة “خرجنا وناضلنا من أجل الحرية، الحرية مطلبنا ونريد انتخابات”.

(من انتخابات المجلس المحلي في خان شيخون. 2 يونيو/ حزيران 2017. المصدر: الصفحة الرسمية للمجلس المحلي في خان شيخون)

رئيس المجلس المحلي لمدينة سراقب، إبراهيم باريش (50 عاماً)، يشرح آلية اختيار رؤساء المكاتب داخل مجلسهم بأن ذلك يتم من خلال مشاورات رئيس المجلس مع الكتل والتجمعات المدنية والسياسية (الإخوان هم الجهة الوحيدة التي تعمل سياسياً في إدلب) يتم عرض النتائج بعدها على المكتب التنفيذي للمصادقة عليها.

أما فيما يتعلق بطريقة تعيين الموظفين العاديين داخل المجلس فيتم بالإعلان عن الوظائف شبه الثابتة عن طريق مسابقات للفئة الأولى والثانية والثالثة، وعن طريق التعيين المباشر للفئة الرابعة والخامسة بحسب “الباريش”. والمقصود بهذه الفئات هنا أصحاب الشهادات الجامعية والماجستير (الفئة الأولى)، المعاهد، الثانوية، التعليم الأساسي، والفئة الخامسة هي غير متعلمة ويمكن توظيفها في المجلس كعمال تحميل معونات أو عمال بلدية.

ظهرت مؤخراً طريقة اختيار الأعضاء من خلال الانتخابات كما حدث داخل المجلس المحلي لمدينة خان شيخون. وهنا يفيدنا رئيس مجلس مدينة خان شيخون، محمد صالح معراتي (30 عاماً)، بأنّ الانتخابات التي جرت في 28 أيار/ مايو 2017، استمرت عدّة أيام ونجح فيها 25 عضواً، ليفتح بعدها باب الطعن بالانتخابات لمدة يومين ثم أغلق ولم تكن هناك أي اعتراضات على المرشحين من قبل الشعب.

يجتمع الأعضاء الناجحون ويفضي اجتماعهم لاختيار رئيس للمجلس بالتصويت، ثم يتم اختيار مدراء المكاتب حسب الخبرة والتصويت.

المرأة حاضرة.. ولكن!

يشير الحسني إلى أنّ أهم ما ميّز المجلس المحلي في كفرنبل مؤخراً، هو الحضور النسائي فيه بعد إحداث مكتب جديد تحت اسم “رعاية شؤون المرأة”، يتألف من عضوتين.

لكن يبقى هذا العدد قليلاً قياساً بعدد الذكور. عضو اللجنة التحضيرية لتشكيل المجلس المحلي، عفيف عمور (48 عاماً)، يبرّر قلّة عدد ممثلات المرأة في المجلس قياساً مع عدد الأعضاء الذكور لعدّم ترشحهن رغم أنّ أبواب الترشح مفتوحة أمام الجميع. والسبب كما يراه، هو المجتمع المتحفّظ بالدرجة الأولى وتحرّج النساء من تواجدهن حيث يتواجد الرجال، وبرأي العمور (وإن لم تساهم المرأة ضمن المجالس المحلية بالشكل الأمثل) فإن ذلك لا يخفي حقيقة مشاركتها الفاعلة في الثورة السورية كناشطة وإعلامية وثائرة.

(نشاط للمجلس المحلي في كفر نبل في 10 أغسطس/ آب 2017 المصدر: الصفحة الرسمية للمجلس على الفيسبوك)

سهير الجعار (37 عاماً)، وهي إحدى الأرامل المتردّدات للمجلس بغية الحصول على مساعدة إغاثية، تشيد بإدخال العنصر النسائي للمجلس، إذ تقول: “سابقاً كنت أتحرج من دخولي بين الرجال لطلب المساعدة، أما الآن أصبح الوضع أفضل لأنّني أتعامل مع نساء مثلي يفهمن وجعي ومعاناتي أكثر، بت أستطيع أن أفضي لهن بما أمر به من ظروف قاسية دون تكلف”.

سوء توزيع الدعم أم انتقاد مجاني؟

من جهتها، رضية شعبان (37 عاماً)، تشكو قلّة إنصاف وعدل المجلس في توزيع المعونات الإغاثية فتقول غاضبة: “أنا الأرملة قضيت شتاء العام الماضي دون وسيلة تدفئة وتحملت مع أطفالي قساوة البرد في حين حصلت عائلات ميسورة على كميات كبيرة من الفحم والمدافئ المقدمة من المجلس المحلي فأي عدل هذا؟”.

أما فيما يتعلق بعدم إنصاف المجلس بتوزيع الدعم والمعونات، فيرد عفيف العمور عضو اللجنة التحضيرية لتشكيل المجلس المحلي في كفرنبل (48 عاماً) “إنّ المواطنين اعتادوا على النقد وخاصة نقد المجالس المحلية، وذلك دون التعمّق في أسباب القضايا ومعرفتها، فالكميات التي تصل المجلس قليلة، وكثيراً ما تكون محصورة في عائلات شبه معدومة وأسر منكوبة، وفي أغلب الأحيان تتولى المنظمات الداعمة مسؤولية الإشراف والتوزيع بنفسها”.

لا ينكر العمور ورود العديد من الشكاوى ضد أعضاء المجلس، لكن ذلك دون إثبات أو أدلة، “مجرّد شكوك” حسب تعبير العمور الذي يتابع بأنه لا يدافع عن المجلس “ليس معصوماً عن الخطأ، وقد تكون هنالك أخطاء، لكنها أخطاء فردية تحدث في أي منظمة أو هيئة أو مؤسسة”.

إن كان البعض يأخذ على عدد من المجالس المحلية الانحياز وعدم التشاركية والديمقراطية في اختيار الأعضاء، فإن البعض الآخر يلمس بشكل واضح نشاطات المجالس وخدماتها المتعددة للمدينة بغض النظر عن الأمور الأخرى، ومنهم الصيدلاني محمد الحلاق (28 عاماً) الذي يقول: “لقد قامت المجالس بمد خطوط الكهرباء من جديد ضمن المدن والبلدات بدلاً من الأسلاك القديمة المقطّعة والمتهالكة نتيجة القصف، كما زوّدت المنطقة بالمولدات الكهربائية وعبّدت الطرق الرئيسية وأعادت المياه إلى المنازل بعد حفرها آباراً ارتوازية، ولا يخفى على أحد نشاطاتها في مجال إعادة ترميم شبكات الصرف الصحي والتخلص من النفايات باستمرار”، ويردف أنّ للمجالس المحلية دوراً هاماً في تنفيذ جميع حملات التشجير والتوعية، عدا عن دورها في دعم التعليم وإعادة ترميم المدارس المدمرة.

المجالس والمجتمع المدني

أما فيما يتعلق بعلاقة المجالس مع منظمات المجتمع المدني والجمعيات الإغاثية المتواجدة فهي علاقة تعاون وتنسيق وترحيب بين الطرفين. هذا ما يؤكده مسؤول العلاقات العامة لدى منظمة سوريا للإغاثة والتنمية، عبيدة دندوش (35 عاماً)، إذ يشيد بعلاقة المنظمة مع المجالس المحلية ويصفها بـ “التكاملية”، قائلاً “نستعين بالمجالس لتوزيع ما يصلنا من معونات إغاثية لأسر الشهداء وللمعاقين، ذلك أن بياناتهم جاهزة، كما أنّنا نستلم منهم بعض المراكز لدعمها في حال توقف الدعم عن المجلس أو قل، فقد استلمنا المستوصف والصيدلية المركزية من مجلس محلي مدينة كفرنبل وقمنا بدعمها حتى لا تتوقف”.

غير أن هذه المجالس تعاني الكثير من الصعوبات التي يجملها البيوش بـ “قلة الدعم المتمثل بحجم النفقات المتزايدة وحجم الإيرادات غير المستقرة، عدم وجود بدل مالي لأعضاء المجلس الذين يعملون كمتطوعين فينسحب البعض، الأمر الذي يضعف الكوادر ضمن المجالس، فتنتقل الكفاءات للعمل في المنظمات ذات المردود المالي الجيد”. في حين يقول أحمد برهوم الحسني: “كما هو معلوم بأننا نمر بأوضاع حرب، والمعيشة صعبة والرجل بحاجة للعمل ليسطيع الإنفاق على عائلته، لذلك نحن لا نلوم من ينسحب ويقدم استقالته”.

وينوّه البيوش إلى أن أكثر ما يؤلم أعضاء المجالس هو قلة ثقة المواطنيين بهم، ولذا “نحن بحاجة لكثير من حملات التثقيف والتوعية ليثق المواطن بالمؤسسات الخدمية الجديدة. وهناك مشكلة عدم وجود قوة تنفيذية لدى المجالس قادرة على تحصيل الحقوق تجاه المعتدين، سواء على الممتلكات العامة أم خطوط الكهرباء والمياه.”

لا شك أنّ المجالس المحلية سدّت فراغاً كبيراً في عمل الدولة السورية بعد انسحاب النظام. إلا أنّ ثمة معوقات كثيرة لا تزال تحكم عملها، بعضها نابع من محدودية الدعم وبعضها نابع من قلة الخبرة التي يراكمها المعنيون بالأمر عبر التجربة اليومية، وبعضها ناجم عن آليات التفكير التقليدية والمضادة للديمقراطية (تمثيل العائلات والمحاباة) التي تحكم عمل بعض هذه المجالس.

(الصورة الرئيسية: لوحة لـ كوميك لأجل سورية، وهي رسمت خصيصا لهذا التحقيق. خاص حكاية ما انحكت)

شارك المقالة: