مبادرات بيئية في المناطق المحاصَرة تنقذ ما تبقى من سوريا

عمرو الفحامعمرو الفحام

 عمل في منظمات دولية وإقليمية متعددة في سوريا والعراق وتركيا. وهو حاصل على درجة الماجستير في إدارة الموارد والبيئة من جامعة لانكستر وبكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة دمشق

بقلم .

خلف نطاق الموت والدمار، حملت حرب سورية تداعيات هائلة على البيئة، بما يشمل ارتفاع مستويات التلوّث، وتدمير الغابات، والتراكم الخطير للنفايات في المناطق المحاصَرة.

ووسط عجز النظام أو رفضه، تزويد الخدمات الأساسيّة للسكّان خارج نطاق المناطق الخاضعة لسيطرته، بثّت المبادرات البيئية المحلّية في المناطق الخاضعة لسلطة المتمرّدين والأكراد، بعض الأمل في المناطق التي مزّقتها الحرب، وساعدت الناس على تحمّل ارتفاع تكاليف سلع كالوقود والأسمدة.

إعادة تدوير في الغوطة المحاصَرة

أحمد طه مهندس ميكانيكي عمره 43 سنة، وهو من دوما، كبرى مدن شرق الغوطة يقول: “في الماضي، كانت لدينا عشرات آلاف أشجار الزيتون والمشمش والجوز. حتّى أنّ أشعّة الشمس لم تكن تصل إلى الأرض”.

لكن منذ بداية الحرب، ما عاد السكان اليائسون قادرين على تحمّل تكاليف النفط أو الغاز للتدفئة، فراحوا يقطعون الأشجار للحصول على الوقود. وقال طه المقيم حالياً في مدينة غازي عنتاب التركية: “منذ عام 2012، خسرنا معظم الأشجار المتبقية، بسبب ممارسة قطع الحطب للبقاء على قيد الحياة”.

يشير الواقع إلى أنّ السهل الواقع بمحاذاة دمشق، ويُعدّ من أقدم المواقع الزراعية في التاريخ، يعاني منذ سنوات لأسباب عدّة، من بينها قرار بتحوير خطوط أنابيب أحد المعامل المحلّية المعالِجة لمياه الصرف، وجعلها تمرّ في المنطقة. وكان المعمل الذي تم بناؤه عام 1997 مصمَّماً لمعالجة مياه الصرف في دمشق. لكنّ نوعيّة المياه المعاد تدويرها لم تكن مناسبة للري. وقال طه: “لقد عملت خطوط الأنابيب الممتدة نحو معمل معالجة مياه الصرف في عدرا، والعابرة لهذه الأراضي الزراعية، على تسميم المياه والأشجار تدريجياً”.

(جسر الحاج بعد عملية التشجير في حلب . المصدر: كرم مصري)

وأكّدت ريم، وهي خبيرة بيئية عملت في الماضي مع وزارة البيئة السوريّة، أنّ توسيع المخيّمات غير الرسمية، التي يسكنها النازحون القليلو الدخل حتّى قبل أن تبدأ الحرب، تسبّب بالقدر الأكبر من الدمار. ولفتت إلى “تزايد عدد الورش والمعامل غير المشروعة”، وإلى أنّ “مبادرات النظام لحماية الأراضي الزراعيّة في الغوطة إمّا ذهبت سدى، أو بقيت غير منفَّذة”، وإلى أنّ مشروع رسم خريطة لغايات الحماية “بقي حبراً على ورق”.

يثبت كلّ ما سبق من معلومات أنه عند بدء التظاهرات ضد الحكومة السوريّة عام 2011، كان وضع هذه الجوهرة الزراعيّة غير مستقرّ منذ الأساس.

مع بداية أعمال العنف، قرّر طه وأصدقاؤه الناشطون بذل قصارى جهدهم لحماية منطقتهم، وشكّلوا مجلس دوما المحلّي. ووضعوا خطّة تهدف إلى تجنّب كارثة بيئية وصحّية وزراعيّة، لا سيّما في حال وُضع حدّ للخدمات العامّة، وهو ما حصل فعلاً عندما انسحبت قوّات النظام من المدينة وبدأت تقصف المنطقة من بعد في تشرين الأول (أكتوبر) 2012.

كان ردّ فعل مجلس دوما المحلي سريعاً. وفي غضون أيّام قليلة، استأنفت آليات البلديّة عملها، فأزالت النفايات المتراكمة من الشوارع، ونقلتها إلى مكب جديد. وفي هذا السياق، أكّد مصوّر في سنّ السادسة والعشرين، اسمه محمّد قائلاً: “لقد أنقذونا من تراكم النفايات الصلبة، واستحدثوا وظائف للمواطنين”.

(العمال يفرزون القمامة قبل تحويلها إلى أسمدة عضوية، حيث يبعدون الحجر وأنقاض الإسمنت عن بقية النفايات. المصدر: المجلس المحلي لمدينة دوما)

واستحدث المجلس أيضاً مكبّاً محسّناً إلى حدّ كبير، فوفّر للقرى الصغيرة طريقة للتخلّص من نفاياتها في الشكل المناسب. وأفادت ريم قائلة: “قبل عام 2012، كان لدوما مكبّ مناسب، لكنّ لم يشارك في أيّ عمليّات إعادة تدوير. أمّا القرى الصغيرة في المحيط، فلم يكن لديها نفاذ إلى هذه الخدمة، وكانت تحرق نفاياتها المحلية”. لم يتوقع مجلس دوما استمرار حصار المدينة لوقت طويل. لكن عام 2013، تخطّى حجم نفايات المكب قدرته على الاستيعاب، وبدأ السكّان يتذمّرون من الروائح والحشرات التي وصلت إلى المناطق المتمدّنة.

 استشار أعضاء المجلس المحلي مهندسين وسكّاناً، وقرّروا تحويل النفايات المحلّية إلى أسمدة عضويّة يمكن بيعها للمزارعين بأسعار رخيصة نسبياً. وقد تأكّدت فعاليّة آلة غربلة النفايات التي تم تصميمها وبناؤها، بعد أن تعذّر تهريب آلة كبيرة لهذا الغرض إلى دوما. وتابعت ريم: «بسبب الحصار، ما عاد المزارعون قادرين على النفاذ إلى الأسمدة، وبالتالي، وفّرت لهم الأسمدة العضوية المعاد تدويرها حلّاً بديلاً عمليّاً وصحّياً».

كان تطوير هذه المشاريع في منطقة مزّقتها الحرب بمثابة تحدٍ. ومع أن المهندس الميكانيكي الذي صمّم الآلة قُتل لاحقاً خلال غارة شنّها النظام على الموقع، نجح المشروع الذي موّلته وكالة “فرانس إكسبرتيز»” في تحويل مكبّ خطير إلى حلّ منتج يأتي بالمنفعة. ومنذ ذلك الحين، تمّ تصدير هذه التجربة الناجحة إلى أماكن أخرى في المنطقة.

وأرغم الحصار أعضاء المجلس على بذل جهود لإيجاد مصدر طاقة بديلة. وقال عضو المجلس نظير فليتاني في هذا الصدد: “عندما تكون محاصَراً في الشتاء، ويصبح الحطب باهظ الثمن، ستحاول إيجاد الحلول”.

(آلة غربلة النفايات التي تم تصميمها وبناؤها في مدينة دوما، المصدر: المجلس المحلي لمدينة دوما)

على سبيل المثال، وبسبب القيود المفروضة على الوقود الأحفوري وارتفاع أسعاره بنتيجتها، بدأ عدد كبير من السكّان يقطّرون النفايات البلاستيكيّة لإنتاج وقود سائل، لاستعماله وبيعه، باللجوء إلى أساليب بدائية وغير صحّية. وقد أدّى ذلك إلى تفشّي الأمراض التنفّسيّة، وردّاً على ذلك، علّم مجلس دوما المحلي السكّان، بدلاً من ذلك، كيفيّة تجميع أفران تعمل بالطاقة الشمسيّة.

واستكشف المجلس المحلي حلولاً تستند إلى الكتل الحيوية، بهدف توليد الكهرباء من النفايات والمواد العضوية الأخرى. وقاموا ببناء بركة كتل حيوية في مزرعة محلية، وبدأوا ينتجون منها ما يكفي من الطاقة لضخ المياه الجوفية إلى السطح. وعندما رأى مزارعون آخرون مدى نجاح هذا النموذج، تحوّلوا إلى أنظمة الري المستندة إلى الكتل الحيوية.

يرى طه، العضو في المجلس البلدي، أنّ أفعال هذا الأخير ستحمل وقعاً مستداماً. وقال إنّه “لو رُفِع الحصار، لما اعتمد الناس على الطاقة المتجددة إلى هذا الحد. لكنّ الوضع الذي اختبروه علّمهم عدم الاستخفاف بما لديهم، فاكتسبوا دراية في أنواع الطاقة المتجددة”.

أول (وآخر) المستديرات الخضراء شرق حلب

يتألف القسم الأكبر من شرق حلب، الخاضع طوال أربع سنوات، وحتّى كانون الأول (ديسمبر) 2016، لسيطرة المتمردين، من مستوطنات غير رسميّة تتّسم بشوارعها الضيّقة وتفتقر إلى المساحات الخضراء والتخطيط المناسب. ومع أكثر من أربع سنوات من القصف المنتظم الذي شنّه نظام الأسد، تحوّلت المنطقة إلى مسرح للموت والدمار.

لكن في عام 2015، قرّر ثلاثة ناشطين حلبيّين إعادة الحياة إلى مدينتهم المحاصَرة، عبر زرع الأشجار فيها.

وقال المتطوّع ريان، الذي يقيم اليوم في فرنسا: “أردنا إضافة عنصر جماليّ إلى هذا الجزء من المدينة، الذي كانت الحكومة السوريّة قد أهملته”. وأضاف، “كان المكان يفتقر إلى الأشجار وأحواض الزهور، وامتلأت المستديرات بالتربة، وغابت عنها النباتات. وقامت فكرتنا الأساسية على زرع شجرة زيتون أمام كلّ منزل خسر فرداً خلال القصف، وإضافة لوحة معدنية حُفر عليها اسم الضحيّة. وكنّا نأمل بأن تعجب هذه الفكرة السكّان، وتمنّينا أن تولّد حركة زراعيّة في المدينة”. بيد أن الشوارع التي سكنتها معظم العائلات ضيّقة جدّاً ومعرّضة للقصف باستمرار. وبالتالي، تمّ تحويل المتنزهات القليلة المتبقّية إلى مدافن، بعد أن امتلأت مقابر حلب بالأموات.

(المزارعون يوزعون الأسمدة العضوية المنتجة من زبل البقر والغنم على أراضي مشروع جمعية كركي لكي الخيرية. المصدر : احمد بيرو)

واضطرّ الناشطون إلى تغيير خططهم مع تزايد عدد القتلى. وقال عضو في المجموعة اسمه باري، “كان عدد الضحايا، البالغ 12.000 شخص، أكبر بكثير مما أمكننا تحمّله. وبالتالي، قرّرنا تسليط جهودنا على مستديرتين”.

كحلّ بديل، قرّرت المجموعة زرع مئات الأشجار على مستديرتين رئيسيّتين في حلب: الأولى عند المدخل الجنوبي الشرقي للمدنية، بالقرب من جسر الحاج الذي يفصل المناطق التي يسيطر عليها المتمرّدون عن تلك الخاضعة للنظام، والثانية عند معبر الجندول شمال حلب. وقام متطوّع ثالث في المشروع اسمه سيف بإدارة العمل ميدانيّاً. فتشاور مع آخر حدائقي في حلب في شأن أنواع الأشجار الواجب زرعها وأعدادها. وتمّ اختيار أشجار الزيتون، بسبب إمكانيّة زراعة هذه الأشجار المحلّية الدائمة الاخضرار بسهولة متى كان عمرها سنتين، وإنتاجها الزيتون قبل الغرسات. وكذلك، تمّ اختيار أشجار السرو لأنّها توفّر حماية من الريح.

قامت منظّمة “بيتنا سورية” المنتمية إلى المجتمع المدني السوري ومموّلة من الدنمارك بتغطية مجمل تكاليف الحملة، بما يشمل شراء الأشجار ونقلها وأجور العاملين. وفي شباط (فبراير) 2016، زُرعت 400 شجرة زيتون و100 شجرة سرو.

وقال باري المقيم حاليّاً في مدينة غازي عنتاب التركية، “كانت حلب رماديّة بالكامل. لكن بعد إنجاز هذه الحملة، أصبح المرء يرصد فجأةً بقعتين من الخضار وسط هذا البحر الرمادي”.

نجح العاملون في تنفيذ الحملة، على رغم خطر القصف القائم وأخطار قنّاصي النظام. وكان الزرع بطيئاً، إذ اضطرّ العاملون إلى التوقف والاختباء كلّما رصدوا طائرة عسكرية في السماء. ونال المشروع ترحيباً من السكّان، حتّى أنّ المعارضة من مختلف المجموعات عرضت المساعدة، إلاّ أنّ المنظّمين رفضوا تقويض “الطابع المدني” للمشروع.

للأسف، لم تكن نهاية هذه الرواية سعيدة، إذ عاودت قوات النظام السورية الاستيلاء على مستديرة الجندول وقصفت منطقة جسر الحاج بعنف، قبل أن تستولي على مجمل شرق حلب في كانون الأول 2016. ويرجّح ريان وباري أن معظم الأشجار التي زُرِعت في منطقة جسر الحاج احترقت أو تأذت.

أسمدة عضوية في الشمال الشرقي

شهد سهل الجزيرة في الشمال الشرقي أعمال عنف أقل حدّة ممّا شهدته مناطق سوريّة كثيرة. ومع ذلك، صعُب على المزارعين الحفاظ على أراضيهم، بسبب مواجهتهم نقصاً في المبيدات والأسمدة الكيميائية والبذور.

وفي الشمال الشرقي ذي الغالبية الكردية، المحاصر بالبر من كلّ الجهات والخاضع حالياً لسيطرة حزب الاتحاد الديموقراطي، قُطِعَت معظم الطرقات التجارية بسبب استمرار الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية وإقفال المعابر الحدودية مع تركيا.

وبالتالي، اضطرّ مزارعون كثيرون إلى إقفال شركاتهم نتيجة انخفاض قيمة الليرة السوريّة. وعلى سبيل المثال، ارتفع سعر طن الأسمدة الكيميائية إلى أكثر من 600 دولار، وهو سعر غير ميسّر ولا يمكن المزارع العادي تحمّله.

هيشيار عمر، رئيس “جمعية كركي لكي الخيرية” في معبدة، بقي يراقب الحرب وانعكاساتها السلبيّة على البيئة.

يقول: “قبل عام 2011، كانت البلدية تنظف زبل البقر والغنم، إنما بطريقة غير فاعلة. أما السلطات المحلية الجديدة (التابعة لحزب الاتحاد الديموقراطي)، فلم تتمكن من أداء مسؤولياتها. وبالنتيجة، بدأ الزبل يتراكم في الشوارع، مسبباً انتشار أمراض على غرار داء الليشمانيا (وهو مرض جرثومي يصيب البشرة والكبد، تسببه لسعات ذباب الرمل). ودرست المنظمة الخيارات المتوافرة أمامها”.

وشرح المتطوّع كرمان رمضان “جمعنا الزبل من الشوارع وحظائر المزارعين، وبدأنا نستعمله كسماد. وما كان في الماضي نفايات مؤذية تحوّل إلى قيمة مضافة للأراضي الزراعية، تستمر تأثيراتها لأكثر من خمس سنوات”.

(الخوذ البيضاء أمام جسر الحاج بعد عملية التشجير
في حلب. المصدر: أحمد حشيشو)

تمثّل التحدّي الأكبر بإقناع السكّان المحلّيين بالعودة إلى الأسمدة الطبيعية، حيث أنّ المزارعين باتوا شديدي الاعتماد على الأسمدة الكيميائية المدعومة من الحكومة، التي كانت توزَّع مجّاناً في مناطق زراعة القمح حتّى منتصف تسعينات القرن العشرين، وقد بدأ هذا الدعم يتراجع تدريجياً منذ ذلك الحين، إلى أن توقّف تماماً عام 2014.

وقال أحد المزارعين، “لقد جاءوا إلى حظيرتي وساعدوني على التخلّص من البراز المتراكم”، واعترف بأنّه كان متحفّظاً حيال الموضوع في البداية. وقال: “أعرف أنّه يمكن استعماله كسماد، لكنّني لست متأكداً إن كان بفعالية السماد الكيميائي الذي كنّا نشتريه من السوق”.

في الوقت الراهن، ينتظر الفريق موسم الحصاد، ليثبت أنّ الأسمدة العضوية أفضل من الخيارات الكيميائية. وقال رمضان إنه ينوي التوسع إلى المناطق التي تتوافر فيها الأسمدة الطبيعية في السنوات القليلة المقبلة.

تصرّ منظمة “جيركي ليجي” على توسيع مشروعها، وإطلاق المزيد من المبادرات البيئية. وقال عمر: “يتحوّل الناس في كل مكان نحو المكاسب الاقتصادية، على حساب الطبيعة والصحة. لكنّنا نواصل استحداث مبادرات عمليّة وصحيّة ومراعية للبيئة، تسمح بتوليد فرص عمل”.

ملاحظات

(1): لأسباب أمنية، تمّ تغيير كل الأسماء في روايتي حلب ودوما، باستثناء أحمد طه ونظير فليتاني وباري.

(2): أنجز هذا التحــــقيق فـــريق “سيريا أنتولد” ضمن مشروع “تجمع الصحافة السورية المستقلة، الذي يشارك فيه كل من: راديو روزنة، موقع الجمهورية,عنب بلدي، سيريا ديبلي, شبكة الصحفيات السوريات, حكاية ما انحكت. وقد أنجز هذا التحقيق في أواخر عام 2016.

(3): نشرت المادة في صحيفة الحياة بتاريخ 13 يوليو/ تموز 2017.

(4): نشر في النسخة الأولى أن عمر أحمد طه 54 في حين أن عمره 43، وتم تصحيح المعلومة بتاريخ 21 يوليو 2017.

(5): تم إضافة الفيديوهات إلى هذه المادة بتاريخ 23 يوليو/ تموز 2017، وتقرير “إعادة التدوير والأسمدة العضوية في الغوطة الشرقية المحاصرة” هو من تصوير المجلس المحلي لمدينة دوما والمونتير سلطان جبلي، فيما تقرير “من السماد الكيماوي إلى السماد الطبيعي” من تصوير “أحمد البيرو” ومونتير “سلطان جبلي”.

 

شارك المقالة: