تركيا تستهدف المنظمات الدولية وطلاب وأساتذة الجامعات الأجانب

تركيا تستهدف المنظمات الدولية وطلاب وأساتذة الجامعات الأجانب

بقلم . ترجمه‫/‬ته إلى العربية .

يعاني اللاجئون السوريون في تركيا من وضع قانوني هش للغاية، رغم أن تركيا من الدول الموقعة على اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وتستضيف اليوم أكبر عدد من السوريين في العالم. يمكن أن يعزى ذلك إلى نظام الحماية المؤقتة المتبع حالياً، والذي يحرّم السوريين من وضع اللجوء الكامل، بالإضافة إلى اتفاق 2015 مع الاتحاد الأوروبي.

ويعيش اليوم أكثر من 3 ملايين سوري في ظلّ هذه الظروف القانونية الغامضة، والتي اتخذت منحى فادحاً مؤخراً بعد فرض الأحكام العرفية في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز 2016، حيث تواصل الحكومة التركية حملتها الشعواء ضد المعارضة السياسية في البلاد.

وتبدو مبرّرات هذه الحملة اعتباطية تماماً، فقد تجاوزت “المشتبه بهم المعتادين” (الناشطين الأكراد وحركة غولن المتهمة بالتخطيط للانقلاب)، وأصبحت تطال أي شخص يشتبه بارتباطه بهم ولو من بعيد، ما انعكس على السوريين اللاجئين والمقيمين على حد سواء.

كان من أبرز الذين طالتهم هذه التدابير القمعية موظفو المنظمات الدولية من الأجانب والسوريين، والذين يعملون في مجال الإغاثة داخل تركيا وفي الشمال السوري، ولا سيما ضمن المنظمات النشطة في مناطق سيطرة القوات الكردية.

إلا أنّ الحملة طالت حتى طلاب الجامعات من الأجانب الذين لا يشتبه بانتمائهم لأيّة نشاطات دولية، حيث يواجه هؤلاء الطلاب خطر الترحيل رغم تصاريح الإقامة التي بحوزتهم.

المنظمات غير الحكومية الدولية

كانت شقيقة حنان مارديني تعمل في الهيئة الطبية الدولية في مدينة عنتاب المحاذية للحدود السورية جنوب شرق تركيا، قبل أن تقتحم الشرطة التركية مكتبهم في 20 أبريل/ نيسان من العام الجاري. في حديثها لـ”حكاية ما انحكت”، ذكرت مارديني أنهم “تفقدوا تصاريح الإقامة وتصاريح العمل والعقود وقوائم الموظفين، وأي شيء يخطر على البال فتّشوه بحثاً عن مخالفات”.

إلا أنّ المخالفة الوحيدة التي عثروا عليها كانت تتعلّق بمصدر تصاريح عمل الموظفين، فقد صدرت تلك التصاريح من محافظة هاتاي في حين كان المكتب يعمل في غازي عنتاب، فتم اعتقال جميع الموظفين الأجانب على هذا الأساس. “تم ترحيل الموظفين الأوروبيين إلى أوروبا واحتجاز السوريين في مركز اعتقال (بانتظار الترحيل). لا يمكن وصف الظروف المزرية التي وضعوهم فيها. لقد أخبرهم محامي الهيئة الطبية الدولية أنّ أي سجن تركي نظامي أفضل من تلك المراكز”.

حاولت والدة حنان زيارة ابنتها المحتجزة بمساعدة المحامي المعيّن، إلا أنّ محاولتها باءت بالفشل. تشرح مارديني: “ذهبت أمي إلى هناك في وقت مبكر من صباح ذاك اليوم وانتظرت لساعات. لاحقاً أخبرتنا أختي أنّها رأتها من نافذة غرفتها ولوحت لها بيدها. لكن لم يسمح لها بالدخول”.

في النهاية أطلق سراح موظفي الهيئة الطبية الدولية بعد أسبوعين من الاحتجاز، إلا أنّ وضعهم القانوني ما يزال غامضاً، إذ “لم يكن هناك أيّ مبرر لسجنهم لمدة أسبوعين أصلاً. كانت المخالفات الإدارية طفيفة جداً، والمسؤول عنها المنظمة وليس الموظفين. أختي حالياً تفكر في الانتقال إلى بلد آخر، وكذلك المنظمة. لم يعد يمكن الاطمئنان للوضع هنا (تركيا) من الآن فصاعداً”.

أما ميساء (اسم مستعار)، وهي زوجة معتقل كان يعمل في منظمة دولية أخرى، فتضيف في محادثة لـ”حكاية ما انحكت” عبر فيسبوك: “يواجه معظم المحتجزين اليوم اتهامات تتعلق بـ”تهديد الأمن”. بإمكان الذين يواجهون تهماً حقيقية أن يطلعوا على ملفاتهم الأمنية، لكن في غياب أيّة تهمة أو أدلة واضحة في قضية المعتقل فهي (السلطات التركية) تكتفي بالقول إنها مسألة أمنية حساسة لا ينبغي أن يطلع عليها أحد، ولا حتى المحامي المعيّن. أشعر أنني في سوريا مجدداً!”.

في “مدينة المنظمات”، غازي عنتاب، تدور عدّة شائعات عن الأسباب الكامنة وراء هذه الحملة. ذكر بعض العاملين في المنظمات السورية، الذين تحدّثوا لـ”حكاية ما انحكت” شرط عدم الكشف عن هويتهم، أنّ سبب هذه الاعتقالات ارتفاع الحمى القومية عقب محاولة الانقلاب، ورغبة الحكومة في إحكام السيطرة على موارد وأنشطة المنظمات الأجنبية.

ورأى آخرون في الحملة ضغطاً رسمياً باتجاه توظيف المزيد من المواطنين الأتراك في تلك المنظمات، الأمر الذي يفسّر عدّة تشريعات جديدة تشترط حصصاً أعلى للموظفين الأتراك داخل كلّ منظمة.

ومع ذلك، ما يزال ذلك احتمالاً بعيداً برأي من تحدثنا معهم. ذلك أنّ من المستحيل تعويض معرفة السوريين ببلدهم ولغتهم في حال تمّ استبدالهم بموظفين أتراك، على الأقل ليس دون التسبّب بإعاقة بالغة لعمل المنظمات.

أخيراً، ذهب البعض الثالث إلى اعتبار العلاقات الدولية الجذر الرئيسي لهذه الحملة، إذ لم تستهدف الغارات الحكومية أيّة منظمات سورية حتى الآن. ويبدو أنّ عدم التزام الاتحاد الأوروبي بوعوده، أي إزالة قيود السفر المفروضة على المواطنين الأتراك وتسهيل انضمام أنقرة للاتحاد، أحد أسباب ضغط الحكومة التركية على نفوذ الاتحاد الأوروبي وعملياته ومواطنيه المقيمين على الأراضي التركية.

علاوة على ذلك، لم يكن الدعم الأوروبي والأمريكي للأكراد في شمال سوريا موضع ترحيب بالنسبة للحكومة التركية، والتي قامت منذ منتصف 2015 باستئناف معاركها مع المتمردين الأكراد شرقي تركيا وشمال العراق، ومؤخراً شمال سوريا. وقد ازداد هجوم الإعلام التركي على المنظمات الدولية في السنتين الماضيتين، حيث تمّ تصويرها كشريك خفي لحزب العمال الكردستاني يتلطى وراء تقديم المساعدات للسوريين.

مع ذلك، اعتبر جميع الذين تحدثنا معهم على أنّ أيام عمل المنظمات الدولية كما يعرفونها باتت معدودة، وأضافوا أنّهم جميعاً بصدد البحث عن خيارات أخرى للسفر إلى مكان آخر في المستقبل القريب.

“إرهابيون” في الجامعات

غادر فاضل (اسم مستعار)، وهو مدرس جامعي سوري، مدينة حلب عام 2014 وانتقل مع زوجته وأطفاله إلى مدينة عنتاب، حيث بدأ بالتدريس في جامعة زيرفا لمدة عام، قبل أن يتركها في عام 2015 ويبدأ التدريس في جامعات تركية أخرى.

بعد اتهام فتح الله غولن بالوقوف وراء محاولة الانقلاب في يوليو/تموز 2016، تم إغلاق جامعة زيرفا بذريعة انتمائها إلى فلك الداعية التركي المقيم في الولايات المتحدة، وتم نقل حوالي عشرة آلاف طالب إلى جامعات أخرى لمواصلة دراستهم، بما في ذلك حوالي ألف طالب أجنبي منهم ثلاثمائة سوريون.

حين توّجه فاضل لتجديد إقامته السنوية في يناير/كانون الثاني 2017، قيل له إنّ ملفه يحتوي على بضعة إشكالات ينبغي تصحيحها، كما طُلب منه تقديم وثائق إضافية. لدى عودته بعد أسبوع، صودر جواز سفره وطُلب منه أن ينتظر قليلاً. بعد عدّة ساعات في قاعة الانتظار، كما روى لـ”حكاية ما انحكت”، “اقتربت من الباب، فأوقفني ضابط أمن وسألني عن وجهتي. وقتها تأكدت أنّ التأخير لم يكن مسألة روتينية، بل كان يجري التحضير لاعتقالي”.

(جامعة زيرفا في عنتاب. أغلقت الجامعة عام 2016 بذريعة انتمائها إلى فلك حركة غولن. قبضت السلطات التركية على الطلاب السوريين ورحلتهم بموجب اتهامات غير متناسقة قانونياً (Sirinnar.net/ الاستخدام العادل. جميع الحقوق محفوظة للمؤلف))

تم نقل فاضل إلى أحد مراكز استقبال اللاجئين التي يموّلها الاتحاد الأوروبي، غير أنه تحوّل إلى مركز اعتقال وترحيل، إذ “كان المبنى يضم مرافق رياضية وأراضي مفتوحة حوله، لكن لم يسمح لنا بالتحرّك سوى داخل الطابق الذي كنّا فيه، وفقط بين الساعة 6 صباحاً ومنتصف الليل. صودرت هواتفنا المحمولة ولم يسمح لنا بالاتصال بالعالم الخارجي ولا بالزيارات”.

كان مع فاضل اثنان من طلابه السوريين السابقين من جامعة زيرفا، بالإضافة لطالبين أجنبيين، وقد قاموا معاً بتنظيم إضراب عن الطعام يوم 25 أبريل/نيسان للمطالبة بحل وضعهم.

“أول ما وصلنا حاولوا إجبارنا على توقيع وثائق دون شرح أي شيء عنها”، يتذكر فاضل، ويتابع “كانت إحداها باللغة التركية، مع ترجمة عربية مكتوبة بخط اليد وبشكل غير واضح. قرأت فقط عبارة “العودة الطوعية إلى الوطن”، فرفضت التوقيع. حاولوا مرة أخرى بعد بضعة أيام، وكانت الوثائق بالتركية فقط، لكنني كنت قد تعلمت التركية منذ مجيئي ورفضت التوقيع مرة أخرى”.

كذلك أخبرنا بلال (اسم مستعار)، وهو قريب أحد الطلاب المحتجزين وطالب سابق في جامعة زيرفا، أنّه تمّ تعليق حسابه المصرفي بانتظار التحقيق، فهو وسبعة طلاب من معارفه مطلوبون للاستجواب.

كانت مدّة إقامته قد انتهت، ولكن بناءً على التجربة المريرة التي مرّ بها قريبه قرّر عدم تجديدها. “أريد أن أنهي هذا العام الدراسي على الأقل قبل مغادرة البلاد. لقد تم فصل قريبي من جامعته الجديدة بعد عشرة أيام من احتجازه بناء على أوامر السلطات التركية”.

بعض الطلاب قدّموا وثائق تثبت أنهم التحقوا بجامعة زيرفا نتيجة منح دراسية حصلوا عليها من منظمات غير حكومية، وليسوا هم من اختار الجامعة، إلا أنّ ذلك لم يفدهم بشيء.

بعد ثلاثة أيام من الإضراب عن الطعام، تدهورت صحة فاضل. تمّ نقله إلى المستشفى لكنه أصر على رفض تناول الطعام، فتم حقنه بمصل ثم أعيد إلى مركز الاعتقال. في اليوم السادس قاموا بكسر الإضراب، حيث زارهم رئيس مديرية إدارة الهجرة التابعة لمحافظة عنتاب وطمأنهم أنه سيجد حلاً.

يتابع فاضل: “لكن الحل كان الترحيل. يعرفون أنهم بموجب القانون التركي لا يستطيعون إعادتنا إلى منطقة حرب إلا إذا أردنا ذلك نحن، لذلك توعّدونا: “إذا لم توقّعوا على عودتكم الطوعية ستبقون هنا لعام كامل” وهم يعرفون وضعي، يعرفون أنني أب ولدي مسؤوليات”.

ثمّة تفسير قانوني لعدم اعتبار الاتحاد الأوروبي تركيا “دولة ثالثة آمنة” لا يمكن إرسال طالبي اللجوء إليها من أوروبا، يتمثل بحالات الترحيل القسرية أو “الطوعية” هذه التي يواجهها طالبو اللجوء. في الظروف الطبيعية، لا يسمح القانون التركي بالإعادة القسرية حسب المادة 4 من قانون الأجانب والحماية الدولية، لكن بعد فرض الأحكام العرفية مؤخراً، تمّ الإعلان عن مرسوم جديد (المرسوم رقم 676) ينص على السماح بالإعادة في حال وجود شبهة ارتباط بمنظمات إرهابية (المادة الفرعية رقم 35). عزّز ذلك التوّجه عدم اعتبار تركيا دولة ثالثة آمنة، وهو ما استند إليه اتفاق 2015 بين الاتحاد الأوروبي وتركيا.

أوضح المحامي والباحث التركي في جامعة أمستردام الحرة، أورشون أولوسوي، أنّ مفهوم “الدولة الثالثة الآمنة، هو بحد ذاته ضد روح اتفاقية 1951 الخاصة باللاجئين، وقد أصدرت المفوضية السامية ورقة موقف ضدها. لقد ظهر هذا المفهوم ضمن الاتحاد الأوروبي في ثمانينات القرن الماضي لوضع تصوّر للبلدان الأوروبية الآمنة تماماً وبلدان أخرى يمكن اعتبارها آمنة في حال لا يواجه اللاجئون فيها خطر الإعادة القسرية. لكن مصطلح “دولة ثالثة آمنة” أضيف للتشريع التركي دون أي تعريف واضح لمعناه”.

وقال فاضل لـ”حكاية ما انحكت”، إنه لم يتم توجيه أيّة اتهامات ذات صلة بحركة غولن المحظورة في أيّ مرحلة من مراحل احتجازهم أو استجوابهم: “سألنا الموظفين مراراً عن التهمة (…) كانوا يكتفون بالقول: “تعرفون ماذا فعلتم”، دون أي توضيح”.

رداً على سؤال حول بعض الاختلافات القانونية الدقيقة بين الاتهامات المزمع توجيهها، أوضح المحامي التركي أولوسوي: “القرار الإداري المبني على تقارير استخباراتية له هو ما يحدّد من هو الإرهابي، وليس حكم المحكمة. ينطبق ذلك على الترحيل، لكن يمكن لحكم المحكمة قبول أو إلغاء أمر الترحيل. المشكلة هي تضليل المحتجزين بشكل منهجي (حول حقوقهم) ولا سيما حين يكون التمثيل القانوني بعيد المنال”.

معاملة وحشية

بما أنّ فاضل يتكلم العربية والإنجليزية والتركية، فقد طلب منه في كثير من الأحيان المساعدة في الترجمة أثناء احتجازه، ما جعله يتابع عدّة حالات أخرى لمحتجزين آخرين. قال إنّ هناك أسراً بأكملها، بنسائها وأطفالها، محتجزة في طابق آخر، بالإضافة إلى قاصرين ذكور في الطابق نفسه الذي كان هو محتجزاً فيه.

وأضاف: “كانت المعاملة سيئة للغاية: تهديدات، وحبس انفرادي، وحتى ضرب لإجبار الناس على التوقيع على وثيقة المغادرة “الطوعية”. إذا ساء وضعك الصحي وأصبحت بحاجة ماسة إلى الدواء، فعليك دفع ثمن الدواء حتى لو وصفه له طبيب المركز نفسه”.

ذكر فاضل لـ”حكاية ما انحكت” بعض الحالات التي شهدها بنفسه، فقد تم حرمان رجل مصاب بالسكري من الأنسولين لمدة أربعة أيام إلى أن دفع ثمنه بنفسه، إذ رفض الموظفون تبريد الأنسولين وإعطاءه الإبرة اللازمة: “في اليوم السادس ذهبت إلى مكتبهم وقلت لهم: “حياة هذا الرجل في خطر، عليه أخذ الحقنة مرتين في اليوم، إذا أصابه مكروه فأنتم تتحملون المسؤولية”. بعد سماع ذلك، صعد أحد الموظفين إلى الطابق الثاني وجلب الإبرة. كان هذا ببساطة كل ما يجب القيام به”.

ومن الحالات المقلقة أيضاً صبي سوري، كان قد دخل تركيا دون وثائق رسمية وسجلت السلطات عمره 20 عاماً. “كان الصبي أصغر من ذلك كما يبدو بوضوح”، كما يقول فاضل، وقد تعرّض للحبس الانفرادي لمدة أسبوعين تقريباً لإجباره على التوقيع على بيان الإعادة “الطوعية” إلى الوطن. “كان لباب غرفته نافذة زجاجية. مرة رآه أحد المحتجزين الآخرين يحاول أن يشنق نفسه بحبل الستار فأبلغ الموظفين. منذ ذلك اليوم وضعوا معه محتجزاً آخر في الغرفة نفسها، ثم قام في وقت لاحق بالتوقيع على بيان الإعادة إلى سوريا”. ليس لدى فاضل أي معلومات أخرى عن مصير الصبي منذ مغادرته مركز الاحتجاز.

ترحيل إلى السودان

كان فاضل “محظوظاً” بما فيه الكفاية، فقد قام بتوظيف محام لمتابعة قضيته على نفقته الخاصة، إذ “لو قرّرت المحكمة الابتدائية في غازي عنتاب ترحيلي فبإمكاني الاستئناف أمام المحكمة الدستورية في أنقرة لإلغاء الحكم، فسوريا ليست بلداً آمناً. لكن ما فعلوه أنهم ببساطة لم يصدروا حكماً. بالعادة لا يمكنهم تأجيل الحكم لفترة طويلة، ولكن في ظلّ قانون الطوارئ يمكنهم القيام بأي شيء”.

أضاف أولوسوي: “هناك أيضاً خيار تقديم القضية مباشرة إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لإيقاف عملية الترحيل، ما يتيح الوقت اللازم لإجراءات المحكمة التركية”، إلا أنّ محامي فاضل لم يبلغه عن هذا الخيار.

تم احتجاز فاضل لأكثر من ثلاثة أشهر، إلى أن وقّع أخيراً على منع دخول لمدة عام وأطلق سراحه. وبما أنه لا يستطيع العودة إلى سوريا، فالدول الوحيدة التي يمكنه السفر إليها كمواطن سوري دون الحاجة إلى تأشيرة مسبقة هي ماليزيا والسودان وموريتانيا.

يشرح فاضل: “تمنح ماليزيا تأشيرة سياحية لمدة ثلاثة أشهر فقط (عند الوصول)، ثم تتوجب المغادرة مرة أخرى، وتحتاج موريتانيا إلى كفيل محلي ما، أما السودان فلا يقبل حالات الترحيل. وبما أن ترحيلي كان وشيكاً، فقد دفعت السلطات التركية ثمن تذكرة السفر إلى ماليزيا، ثم دفعت أنا تذكرة أخرى من هناك إلى السودان”.

ولكن الطريق إلى ماليزيا ليس الخيار الأول بالنسبة لجميع المرحلين. شامل (اسم مستعار)، وهو محتجز آخر تم ترحيله أيضاً، شارك تجربته عبر فيسبوك: “لا أعلم على أيّ أساس قالوا إن الذهاب إلى السودان مباشرة، لكنهم طالبونا بشراء تذاكر من هناك إلى بلد آخر، لكي تعرف الشرطة السودانية أنّنا لن نبقى هناك. اشترينا تذاكر من السودان إلى قبرص، وتم ترحيلنا على هذا الأساس”. يؤكد شامل أن معظم المحتجزين لا يسمح لهم بالدخول إلى السودان لهذا السبب.

تبقى مشروعية هذه العملية ككل غامضة إلى حد كبير. أولاً، تتيح المادة 9 من قانون الأجانب والحماية الدولية حظر الأجانب من دخول البلاد لمدة تصل إلى خمس سنوات، وفي المسائل المتعلقة بالأمن القومي قد يصل الحظر إلى عشر سنوات. في الحقيقة هذا قرار إداري يمكن إلغاؤه في المحكمة، لكن ليس من الواضح سبب إصرار السلطات التركية على توقيع منع دخول لسنة واحدة فقط، إذ يحتاج السوريون الذين لا يحملون تصاريح إقامة إلى تأشيرة دخول أصلاً، كما أنّ فاضل اعتقل أثناء محاولته تجديد إقامته.

ثانياً، كدولة موقعة على اتفاقية عام 1951، على السودان استقبال الأفراد حتى لو كانوا مرحّلين. لكن ليس هناك أيّة قوانين تجبر الدول على قبول أي مواطن قادم من دولة أخرى، كما أنّ السوريين المرحّلين إلى السودان معرضون للإعادة إلى تركيا في حال رفضت السودان استقبالهم. لذا كان الطريق عبر ماليزيا هو الحل في بعض الأحيان، إذ بذلك تتأكد السلطات التركية من عدم عودتهم إلى تركيا حتى لو رفضتهم السودان.

على الرغم من تصريح الإقامة الذي بحوزتها، تركت زوجة فاضل تركيا مع أولادها وغادرت إلى السودان، تاركة وراءها تحصيلها الجامعي كطالبة بكالوريوس في السنة الأخيرة في إحدى الجامعات التركية.

كان فاضل ما يزال يحاول استيعاب خسارته حين تحدث إلينا، فأطفاله الصغار تعلّموا التركية في المدرسة ولا يستطيعون القراءة أو الكتابة بالعربية، وكان قد أسس عمله الخاص في عنتاب، إلى جانب عمله الجامعي، بالمال القليل الذي تيّسر له إخراجه حين غادر سوريا. لكنه فقد ذلك كله الآن، وعليه أن يبدأ حياته من الصفر مرة أخرى، وذلك في بلد كالسودان لا يتوفر على الكثير من الفرص حتى لأبنائه.

قال مقيمون سوريون في تركيا لـ”حكاية ما انحكت” إنهم يزدادون قناعة أنّ ضغوط العودة متعلقة بحل “المناطق الآمنة” الذي تسعى وراءه أنقرة. ويقول فاضل تعليقاً على ذلك: “لقد غادرت جامعة زيرفا قبل عام من محاولة الانقلاب، وأعرف الكثير من طلابي السابقين ممن واصلوا دراستهم في الجامعات الأخرى وجدّدوا إقاماتهم كالمعتاد. إنهم يختارون بعض الناس عشوائياً، يريدون فقط تسجيل أسماء الذين قد يتطوعون للمغادرة إلى “المناطق الآمنة” التي يقيمونها شمال سوريا للترويج لها كحل معقول. حتى إنهم طلبوا مني في المركز التوقيع وعبور الحدود ثم التسلّل إلى تركيا بعد ذلك إن أردت. هم لا يمانعون وجودي في تركيا، بل فقط يريدون سجلات عبور لسوريين عادوا إلى تلك المناطق الآمنة”.

بعد ترحيل كل من يحمل جواز سفر ساري المفعول من موظفي المنظمات الدولية والطلاب السابقين، بقي الذين لا يحملون وثائق نظامية في ظل خطر يهدّد حياتهم، فالبلد الوحيد الذي يمكن إرسالهم إليه هو سوريا. لذلك، ما لم تتمكن أسرهم من إقناع القنصلية السورية في تركيا بإصدار جوازات سفر جديدة لهم، قد يبقون محتجزين ومعزولين عن العالم الخارجي في مراكز الاعتقال تلك أو يعاد إرسالهم إلى منطقة حرب.

أضاف الباحث القانوني أولوسوي مزيداً من التفاصيل حول هذه الثغرة: “في العادة يظلون رهن الاحتجاز لمدة تصل إلى سنة ثم يطلق سراحهم، ولكن إذا اتهموا بالإرهاب فقد يستغرق احتجازهم مدة أطول. لكن ليس هناك أي مهلة محددة في ظل الأحكام العرفية”.

(الصورة الرئيسية: تصميم كوميك لأجل سوريا. خاص حكاية ما انحكت)

شارك المقالة: