القضاء في إدلب وريفها.. بين فض النزاعات وتعزيز سيطرة الفصائل

القضاء في إدلب وريفها.. بين فض النزاعات وتعزيز سيطرة الفصائل

(ريف إدلب)، لم تعد سحر البيوش (45 عام) والدة فارس، الأربعينة، تأمل أن يطبّق الشرع بحق قتلة ولدها الذين تم القبض عليهم وإحالتهم لمحكمة الجنايات الواقعة في بنش منذ أكثر من ثلاث سنوات، والسبب كما توضحه شاكية “بعد كل هذه المدة هرب عدد من المجرمين من سجون المحكمة ولا أحد يعرف وجهتهم بينما لم ينفذ حكم القصاص بمن تبقى منهم حتى هذه اللحظة”. تصمت قليلاً، ثم تتابع ممتعضة “لا يسعني إلا القول حسبنا آلله ونعم الوكيل”.

تعدّدت المحاكم في المناطق المحرّرة بحسب تعدّد الفصائل الحاكمة، وأصبح الوضع القضائي في إدلب وريفها متداخل ويفرض فيه الطرف الأقوى أحكامه على الجميع. فوراء حكم الأقوى يكمن مشهد معقد، يختلط فيه دور الفصائل بدور المدنيين وتصبح مفاهيم إسلامية مثل الشريعة والإجتهاد أسلحة لبعض هذه المحاكم لتصفية الحسابات وتعزيز سيطرة بعض الفصائل ومن ينتمي إليهم.

قضية عالقة

قضية الشابين فارس البيوش وشريكه رجب حنّاك، إحدى القضايا التي لا تزال عالقة في هذه المحاكم، وعن خلفية هذه القضية تتحدث سحر والدة فارس عما جرى مع ابنها وشريكه في ذلك اليوم بكل حزن وأسى، فتقول لـ”حكاية ما انحكت”: “كان ولدي وشريكه يعملان في مجال صياغة الحلي، وبعد انتهاء عملهما يعودان للمنزل مصطحبين معهما الحلي والأموال خوفاً من تعرّض المحل للسرقة ليلا، غير أنّ اللصوص وضعاف النفوس تجرؤوا هذه المرة على ملاحقتهما حتى منزل فارس وهناك حاصروا المنزل وقتلوا فارس وشريكه ولاذوا بالفرار بعد سرقة الحلي والمال”.

هذه الحادثة هزّت أرجاء مدينة كفرنبل وشعر الأهالي معها بأنّ المواطن لم يعد يأمن على نفسه وممتلكاته حتى في عقر داره.

بعد مدة أربعة أشهر تمكنت محكمة كفرنبل من إلقاء القبض على الجناة وزجهم في السجن، كانوا خمسة أشخاص أحدهم متواري عن الأنظار، تم تحويلهم لمحكمة الجنايات في بنش وهناك تم الحكم على ثلاثة منهم بالإعدام وهم من ارتكبوا جريمة القتل، وحكم على الاثنين الباقيين بالسجن لمدة ثلاثة أعوام بحكم السرقة، غير أنّ الأخيرين قد لاذوا بالفرار بعد هجوم النصرة على السجن أثناء اقتتالها مع حركة أحرار الشام مما أدى لهرب أكثر من ستين سجين، وفق تصريح القاضي عدنان لـ “حكاية ما انحكت”.

هذه الحادثة تعكس التشرذمات والإضطرابات التي تعاني منها السلطة القضائية في المناطق التي تخضع لسيطرة المعارضة، ومع ذلك فهي تعتبر محاكم ضرورية ومهمة لفض جانب من نزاعات المدنيين ومحاولة إعادة الحقوق لأصحابها ونشر العدل في المنطقة.

أنواع المحاكم

عن أنواع المحاكم المتواجدة وتبعيتها ومرجعيتها القضائية، يتحدث القاضي عدنان محمد العيدو (45عاما ) لـ “حكاية ما انحكت”، وهو خريج جامعة الأزهر وقاضي الأحوال الجزائية والشخصية في محكمة كفرنبل، إذ يقول أن المحاكم المتواجدة تتبع لجهتين، المحاكم الأولى وتدعى الهيئة الإسلامية للقضاء وهي مدعومة من فصائل المعارضة، وأهم هذه الفصائل حركة أحرار الشام وجيش الاسلام وفيلق الشام بالإضافة لمجموعة من الفصائل الأخرى. محاكم الهيئة، عبارة عن إحدى عشرة محكمة موزعة على إدلب وريفها وهي أرمناز، بنش، معرة مصرين، الدانا، أطمة، محكمة سراقب، أبو ضهور، محكمة جبل الزاوية أو احسم، كفرنبل، معرة النعمان ومحكمة ترملا. ويبين العيدو بأنّ هذه المحاكم قسمين، بدائية وتمييز، تضم كلّ محكمة من هذه المحاكم ثلاث غرف، الغرفة الجزائية، غرفة الأحوال المدنية، غرفة الأحوال الشخصية، أما بالنسبة لمحكمة التمييز فهي متواجدة في بنش، وفيها يتم استئناف القرارات الصادرة عن المحاكم البدائية.

(من الصفحة الرسمية للمحكمة الشرعية في كفر نبل على الفيسبوك، والصورة تستخدم بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

أما النوع الآخر من المحاكم المتواجدة فهي تدعى دور القضاء وتتبع لجبهة فتح الشام، هذه المحاكم كلها درجة واحدة ولا يوجد فيها محاكم تمييز، وإنما يرجع فيها الاستئناف لرئيس المحكمة نفسه.

الجبهة/ العقاب.. بعث أخر!

وبحسب عدد من الأهالي والأفراد الذين اعتقلوا من قبل فصيل العقاب (نحجب أسماءهم نزولا عند رغبتهم)، يعمل مع هذه المحاكم أذرعا أمنية يرتجف سكان المنطقة بمجرد ذكر اسمها أمامهم كمجموعة العقاب في منطقة جبل الزاوية، هذه المجموعات تمتلك حرية تامة في اعتقال أو اختطاف أو حتى اغتيال أي أحد من سكان تلك المناطق فيما يعلل أمراء الجبهة هذه المجموعات بمقتضيات الضرورات الأمنية وفق قول أحد عناصر النصرة، عبود الطلفاح (25عاما)، وذلك نقلا عن لسان أمرائها كما يقول لـ “حكاية ما انحكت”.

الناشط الإعلامي، تامر أكر (32عاما)، تمّ اعتقاله من قبل “فصيل العقاب” على خلفية نقده لتصرفات النصرة على صفحته الشخصية، تم اقتياده إلى سجن سري والتحقيق معه بتاريخ 12 تموز/ يوليو 2015، تعرض لتعذيب “جسدي ونفسي بالغ الشدة وكنت أظن نفسي هالك لا محالة إلى أن تم إطلاق سراحي بوساطة من أحدهم شرط أن لا أتعرض لهم بكلمة واحدة مستقبلا”، كما يقول لـ”حكاية ما انحكت”، علما أنّ تامر بعد هذه الحادثة لم يعد يأمن على حياته ما دفعه لمغادرة البلاد والإقامة في تركيا منذ 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015.

ثمة اتفاق بين نوعي المحاكم المتواجدة كما يوضح القاضي العيدو، فلا يتدخل إحداها بالأخرى ولا بأي شكل من الأشكال، ففي حال تم رفع دعوى في محاكم دور القضاء فلا يحق لأي من محاكم الهيئة استقبالها أو النظر فيها وبالعكس، إلا في حال طلب طرفي النزاع نقل الدعوى من محكمة إلى أخرى وبموجب كتاب موافقة من قبل المحكمة.

أيضا ثمّة تنسيق واتفاق بين طرفي المحاكم حول محاكمة عناصر الفصائل ويعطي القاضي العيدو مثالا على ذلك بأنه إذا حصل وأساء أي عنصر من عناصر حركة أحرار الشام أو جيش الاسلام أو فيلق الشام فتتم محاكمته في محاكم الهيئة، وأما عن عناصر الجبهة فيحاكموا في دور القضاء، أي أن كل فصيل يتبع بمحاكمته للمحكمة التابع لها، وهذا الأمر يعتبر خللاً ويقوّض عمل القضاء كما يرى القاضي العيدو الذي يحبّذ أن يكون القضاء موّحداً ليكون أجدى وأكثر عدلاً وفاعلية .

غير أنّ التوّحد بين الطرفين على ما يبدو هو ضرب من المستحيل، وذلك لأسباب عديدة، منها الاختلاف الفكري والمذهبي وغياب الثقة، وعدم اقتناع أي طرف بالآخر، ولا يخلو الأمر من تجاوزات من طرف النصرة على محاكم الهيئة كما فعلت مؤخراً وبتاريخ 3 يونيو 2017 عندما هاجمت محكمة كفرنبل وأطلقت النار بشكل عشوائي واعتقلت أحد عناصر المحكمة وأطلقت سراحه بعد ساعة، وكان ذلك ردا على اعتقال أحد المحسوبين عليها بحسب شهادة أبو عمر (36عاما)، وهو أحد موظفي المحكمة الذي قال لـ “حكاية ما انحكت”: “قام عناصر الأمن في المحكمة باعتقال شخص ملثم كان ينتقل من مكان لآخر بشكل مشبوه فتم اعتقاله للتأكد من هويته ثم أطلق سراحه بعد ساعة من استجوابه لتأتي سيارات الجبهة مساء وفعلت مافعلته”، علما أن اعتداءات النصرة هذه تكررت أكثر من مرّة.

وينوّه أبو عمر إلى أنّ هذه التصرفات تتكرّر من قبل النصرة بين الحين والآخر ثم يكون جوابها بأنّها تصرفات وأخطاء فردية.

هذه الحادثة يعلّق عليها المحامي مصطفى الحج (35عاما)، بأنه لاسبيل للإستقرار القضائي في المنطقة طالما أنّ كل فصيل يسعى لفرض نفوذه وسيطرته على الساحة وكأنه يريد تذكير الجميع بأنه الفصيل الأقوى، ويعبّر عن ذلك بالقول “كل ما أخشاه أن تبدأ حرب أخرى على النفوذ بعد سريان الهدنة مع النظام في المناطق المحرّرة”.

بين الشريعة والقانون المدني

“لا تعتمد الهيئة الاسلامية على قانون ثابت للقضاء، وإنما تعتمد في مرجعيتها بإصدار الأحكام على الشريعة الإسلامية بمفهومها العام، وأحيانا نجتهد نحن القضاة فنأخذ من قول الفقهاء والمذاهب الأربعة الشافعي، أبي حنيفة، الإمام مالك وابن حنبل وغيرهم، ونستنبط من أقوالهم مانراه مناسبا”، يقول القاضي العيدو، ويؤكد بأنّ الهيئة الإسلامية للقضاء وزعت أكثر من مدونة قضائية، ومنها مجلة الأحكام العدلية في المعاملات، كما واعتمدت في فترة من الفترات القانون العربي الموحد وهو قانون معمول به في الكثير من الدول ويستند إلى الشريعة غير أنه لا يخلو من الإشكالات.

وكذلك وزعت الهيئة تعاميم تتضمن الخطوط العريضة لمجموعة القضايا الجزائية والمدنية والأحوال الشخصية، هذه التعاميم يقوم بوضعها قضاة سابقون، طلبة علم، محامون ومشايخ، هؤلاء هم قائمون على تقنين وتنظيم عمل المحاكم كما يشرح القاضي العيدو الذي يتطرق بحديثه لمعيار اختيار القضاة داخل المحاكم التابعة للهيئة “لابد أن يكون القاضي حاصل على إجازة في كلية الشريعة أو جامعة الأزهر، أما المستشار فيجب أن يكون حقوقياً حصرا أي أنه حاصل على شهادة حقوق إضافة لخبرة لا تقل عن عشر سنوات في العمل القضائي، ماعدا ذلك لا يقبل أي قاضي لا يملك هذه المؤهلات العلمية”.

أما فيما يخص آلية اختيار القضاة، فهي تتم باقتراح اسم شخص من قاضي المحكمة الفرعية يتم رفعه للهيئة وهنالك تقوم لجنة خاصة بدراسة وضع هذا الشخص، مؤهلاته، سلوكياته، نشاطاته وبعدها يصدر رئيس الهيئة القرار بتعيينه أو رفضه.

رأي المجتمع المحلي

آراء متعددة لأهالي ريف إدلب حول القضاء القائم، ومنهم المهندس عمر الحمود (38عاما) الذي يرى أنّ القضاء في المناطق التي تقع تحت سيطرة المعارضة، هو قضاء نزيه وليس منحازاً لطرف من الأطراف، غير أنه يأخذ عليه أنه متعدّداً وليس موحداً. يوافق المعلم منصور البيوش (50عاما)  رأي الحمود، بأن المحاكم نزيهة وتحكم وفق كتاب الله وسنة رسوله وليست كمحاكم النظام الظالم، من جهة أخرى ينتقد التاجر أبو خالد (42عاما ) القضاء قائلا: “لا أثق فيه لأنه لا يزال هناك رشوة وفساد كأيام النظام، محسوبيات سابقا ومحسوبيات الآن”. ومن جهتها روعة الخطيب (38 عام)، تعمل في مجال الخياطة، وهي تشكو تأخر أحكام هذه المحاكم، إذ تقول: “قضية طلاقي من زوجي عالقة في المحكمة منذ مدة طويلة فما داعي كل هذا التأخير؟”.

يبرّر القاضي العيدو تأخير بعض الدعاوى كدعوى الطلاق لأنهم يعطون فرصة للصلح بين الزوجين، وهناك دعاوى تتأخر اضطراريا كدعاوي حصر الإرث التي تتطلب استدعاء كلّ أصحاب العلاقة فيكون عدد منهم خارج البلاد ويتم تبليغهم عن طريق الواتس آب، وما عدا ذلك فمعظم القضايا يتم حسمها بالسرعة الممكنة وأقصى حد لها يكون بين 3 إلى 5 أشهر ولكل قضية ظروفها وملابساتها.

يختتم العيدو حديثه بالقول: “لا ندّعي الكمال فنحن قضاة ضرورة ومضطرين لوجود محكمة يلجأ إليها الناس لفض نزاعاتهم وتأدية الحقوق إلى أهلها، لا نقبل إملاءات من أحد ولا يتدخل بعملنا أحد، قرارنا مستقل والناس كلهم عندنا سواسية، لا أحد فوق الحق والقانون، ولسنا معصومين فنحن في النهاية بشر نخطأ ونصيب ونجتهد”.

ويبقى القضاء في إدلب وريفها يصارع للبقاء، سيما وأنّه من أهم مؤسسات استقرار المجتمع وعليه تبنى حياة المواطنين، ورغم المحن التي يمرّ بها السوريون إلا أنّهم مازالوا يأملون بتطوير عمل القضاء ومؤسساته لينعموا بجانب من العدل بعد ظلم سنوات طويلة.

.(الصورة الرئيسية: تصميم كوميك لأجل سوريا. خاص حكاية ما انحكت)

شارك المقالة: