فيلم ضائع في لبنان.. عناءات اللجوء وأحلام العودة

فيلم ضائع في لبنان.. عناءات اللجوء وأحلام العودة

علا المصياتيعلا المصياتي

كاتبة من سوريا، خريجة من المعهد العالي للفنون المسرحية – قسم الدراسات المسرحية.

بقلم .

 

ضائع في لبنان خسر بلده، هو أشبه بحكاية متدحرجة من الخسارات تلتهم كل ما يقف في طريقها، وهذه ربما رؤية مجازية عن أحداث فيلم “ضائع في لبنان” Lost in Lebanon 2017 إخراج جورجيا وصوفيا سكوت، اللتين أرادتا إضاءة جوانب وتفاصيل لجوء السوريين في لبنان.

 يرصد الفيلم مفهوم الخسارة بأبعادٍ مختلفة، الضياع والفقدان، من خلال تشكّل المفهوم الجديد للوجود خارج حدود الوطن، على أرضٍ تقيم فيها دون أن تعرف لنفسك تسمية. لينسحب ذلك على مقومات وشروط تلك الإقامة التي تتحوّل إلى ما يشبه السجن الإجباري.

في لبنان تبدو سوريا أكثر قرباً بالنسبة لمن هرب منها، أو غادرها مجبراً. الأماني والأفكار الحميمية عن سوريا نراها واضحة في العيون والكلمات وكلّ الأفكار والذكريات التي سيطلق لها أبطال الفيلم العنان، فتنفلت عبر الفيلم ويسمحون لها بتشكيل صورة حقيقية ووجه من الوجوه الجديدة لسوريا المغتربة المتشكلة في تفاصيل حياة السوريين المنتظرين لأيّ أمل يرجى في عودتهم.

نتابع جوانب من حياة شخصيات الفيلم الأربعة. لكلّ واحدة منها حكاية مختلفة، ولكن في المجمل تدور جميعها حول ظروف استثنائية يعيش ضمنها السوريون في لبنان. فبالرغم من اختلافهم، إلاّ أنّ ما يجمعهم هو الرغبة في حياة أفضل. تلك الحياة التي يحاربون من أجلها، يمنّون النفس بانتظارٍ طويل يحرقون أيامه دون أيّة آمال أو حلول على المدى القريب.

الطريق إلى سوريا مقطوع حتماً، فتعيش الشخصيات في أماكن غريبة عنها ولكنها تشبه ما تمرّ به من أزمات، ما يصبغ علاقتهم بأماكنهم بسوء الفهم والحيرة. فالبيت في مدينة بيروت بالطبع لا يشبه خيمة في عكار ولا مكتب في مخيم شاتيلا، كما لا يشبه مدرسة مبنية بجانب الخيم يتعلّم فيها عشرات الأطفال خوفاً عليهم من الجهل والعنف الذي صار في متناول الجميع. وفي فضاءات مختلفة ومختلطة يبدو المكان أكثر تشوّهاً، فهنا نقابل من يحكي عن مكان حمله من سوريا إلى لبنان واكتشفه حديثاً فعكّر عليه حلاوة الاكتشاف، وهناك من يرى في  ذلك المكان (لبنان) هدوءاً وراحة وبداية موفقة للتخطيط والعمل، وأخر وجد نفسه في المكان الذي لا يعرف عنه شيئاً فضاع في تفاصيله، وهكذا تنسج تلك الأمكنة خيوط تعاريفها بإحكام على رقبة حياة الهاربين.

شخصيات الفيلم.. بحثاً عن سوريا المفقودة 

الشيخ عبدو، 39 عاماً، متزوج وأب لطفلة وبانتظار مولود جديد، لا يمل من التفكير بجيلٍ جديد من الصغار الذين تركوا أرضهم وعاشوا في خيم الشمال اللبناني، وما يحضّره لهم المستقبل. والذي أقل ما يقال فيه (المستقبل) بأنه مجهول تماماً ومخيف. ربما هذا ما يجعله يبني بيته أو خيمته إن صح التعبير، وخيم الآخرين ممن يقطنون حوله في أرض عراء في منطقة عكار، ومن ثم يستهلون حياتهم الجديدة ببناء المدرسة الوحيدة في المخيم.

أمّا نمر، 16 عاماً، فهو متطوع في ذات المؤسسة التي يعمل فيها الشيخ عبدو، يشكلان مع فريق آخر من المتطوعين السوريين وسكان الخيم، فريقاً محبّاً يدرّس الأطفال، مقتنعاً بأنّه سيتمكن من حمايتهم من التطرّف الذي سينتج لاحقاً عن السلاح المجاني المرمي والمتصارع عليه في الأرض السورية.

للشاب نمر طموحات وأحلام كبيرة تكاد تكون أبعد من فكرة العودة إلى سوريا، التي يداوم على رسم حدودها القريبة جداً بأصابعه على الهواء. “لاأعرف أين بالضبط ولكنها وراء الجبال”.

سوريا هناك وراء الجبال القريبة فعلاً، الجميع يدرك ذلك، ولكن هذا “الهناك” يكاد يكون أبعد من أي حلم يراودهم، أمّا الواقع فهو مدرسة صغيرة وخيمة بغطاء أزرق.

(مشهد من فيلم ضائع في لبنان. خاص حكاية ما انحكت)

ريم، 26 عاماً، الفتاة الأكثر ديناميكية في البداية تغنّي “جنة ياوطنّا” وتشاهد مظاهرة كانت قد شاركت بها مع مجموعة مع الأصدقاء عام 2011 في سورية. هذه الحيوية لا تموت بل تأخذها ريم إلى لبنان وتفرش بها خطواتها الرحبة وشغفها بالعمل في الأزقة الضيقة في مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينين، هناك حيث مكتبها في بيروت، كما وتسعى بكلّ طاقتها لتنظيم العمل على تقديم المساعدات للعوائل السورية التي تسكن المخيّم. الأفكار البناءة حاضرة دوماً ولكن السواد الذي فرضه الواقع الأمني في لبنان أشد ثقلاً. “علينا جمع المعلومات عن كلّ عائلة”، تقول ريم، وتتابع: “وكل ما يخص النواقص في البيوت”، ولكن تلك المخططات لا تنتهي في مكانها الصحيح، فالعطب أكبر من إصلاح شباك أو تركيب حنفية أو دهن جدار.

مخيم شاتيلا الذي حضر كشخصية في الفيلم، وكان حاضراً كتصوّر بعيد عن المخيمات السورية إذا بقيت متروكة لتجد حلاً بنفسها. فشاتيلا “مكان خاص لا يجب أن يعيش فيه أحد”، تقول عنه ريم. هذه الخصوصية التي ستولّد ربما خصوصية أخرى تشبهها بنفس الإهمال وقلّة الخدمات وسوء التنسيق، هذا ما ينتظر اللاجئين الذين لم تضيّع الحرب واقعهم فقط، بل هدمت لديهم أي مفهوم منطقي للحياة في مكان أفضل.

النحات موفق، يبدو صوت حريته الشخصية وكأنه يعلو على صوت الحرب، هرب موفق لأنّه لم يحتمل فكرة أن يقتل شخصاً حين كان مصيره إلى الخدمة العسكرية لا محالة، ففضّل الضياع في لبنان على الضياع في الحرب. من بين أحلام الشخصيات الأربعة، لا يخطّط موفق لشيء معلن ولكنه يعلق بين الممكنات البسيطة التي يعيش فيها، مع منحوتات صغيرة تشكل جزءاً أكثر واقعية من حياته التائهة في متاهة الهرب ومبرّراته.

يعمل بعض الأحيان مع الأطفال السوريين اللاجئين في الخيم، يساعدهم على اللعب وعلى الدخول إلى سوريا بأصواتهم فقط، “من منكم بقي خارج سوريا” يسأل ولكنه وحده يجيب “أنا فقط خارج سوريا”.

(موفق، إحدى شخصيات الفلم ويعيش في بيروت. المصدر: الموقع الرسمي للفلم. الصورة تستخدم بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة للمصور)

على خارطة كبيرة لسوريا يقف مجموعة من الأطفال يتعرّفون على مدنهم التي لم يعرّفوا عنها شيئاً، “أنا من حلب” يقول أحدهم رغم أنّه لم يعرف من حلب إلاّ الحرب ربما، ولكن لوقع جملته صدى عميق في قلب موفق الذي يرهقه سؤال الهوية، ليسأل نفسه: “من هو الطفل السوري اللاجئ، هو في النهاية طفل، فلِمَ تلك الإضافات؟”

السؤال عينه سيسأله طفل جديد قادم للشيخ عبدو لا يعرف عن سوريا إلاّ الخيمة التي سيكبر فيها.

سوريا تلك الفكرة التي تكبر يوماً بعد يوم، لا تعطي ولا تولّد أي فكرة أخرى، سوريا لا تهدي أولادها إلاّ قدرية التشرّد، “المهم أن نكون داخل سوريا” يقول موفق، ويدخل الأطفال سوريا على الخارطة الكبيرة فقط.

فضاءات الهم.. ممنوع الرجوع وممنوع البقاء

الأمكنة التي تأخذ حيّزاً كبيراً من حياة هؤلاء الأربعة لا تبدو سهلة الفهم والقبول، فالموضوع أكبر من أن يُلخص بجملة “تركنا سوريا لنعيش اليوم في لبنان”، التعقيد وصل حدّ أن تصبح منبوذاً في لبنان ومحروماً من العيش في سوريا. إلى جانب الخوف الدائم من الترحيل إلى سوريا الذي يرافق الشباب الثلاثة، وهو الأمر الذي أنتجه الهاجس الأمني الذي يكبر داخلهم يوماً بعد يوم، هو ذاته الخوف من حواجز الأمن السوري والاعتقال، صار خوفاً مشابهاً ولكن من حواجز الأمن اللبناني الذي سيوصلهم لما هو أصعب من الاعتقال وهو الترحيل إلى سوريا.

تبدو أصوات مدينة بيروت مختلفة عن أصوات المخيمات، فبين حياة العراء والحياة الأكثر مدنية يعلق أبطال الهروب الحتمي، وبين الرغبة بالرجوع والخوف من الإرجاع أو النفي إلى الموت، تتوّسع المخاوف لتضيق عوالمهم وآمالهم إثر الضغط القاسي والخوف الذي يولده فقدان الأمان في نفوسهم، في بلد كلبنان يكاد يضيق على نفسه جغرافياً وأمنياً.

تجديد أوراق الإقامة، أو الحصول على أوراق رسمية في البلد المضيف صار هاجساً أكبر وأثقل بعد حلم العودة وهم تعليم الأطفال وبناء المدرسة، التي لم نعد نرى لها أثراً في الفيلم بعد اعتقال الشيخ عبدو من قبل قوى الأمن اللبنانية لأسباب تتعلّق بانتهاء صلاحية إقامته في لبنان بعد تغيير قوانين دخول السوريين وإقامتهم.

تتبدّد الأحلام وتختلط الأوراق، لكن الهموم تتشابه وتتداخل، يذهب الشاب نمر إلى بيروت، ويسجل موفق في المفوضية العامة للاجئين، “لا شيء سيتغيّر” يقول ويردّون عليه بذات القدرة على الانتظار والأمل، “عليك الانتظار سنخبرك إن حصل شيء جديد”، بأنفاس مرتبكة تنتظر ريم أن تسمع خبراً عن وصول والديها إلى سوريا في طريق العودة، هم وحدهم من يعودون إلى سوريا، لكن مع الكثير من القلق.

يرصد الفيلم تلك الانتقالات الزمنية التي توّسع دائرة القلق وتكرّس الخوف فتصل الأمور إلى أكثر نقاطها تعقيداً. لنلحظ بأنّ شيئاً ما بدأ يغيب عن تلك الوجوه التي كانت تحلم في بداية الفيلم وتبرق عيونها، باتت اليوم مرفوضة ومرتبكة إثر هذا الرفض المعلن، بينما هم يتكلمون ويقيّمون الأحداث الطارئة صار عمر الخيمة أطول وصارت الإقامة والأوراق همّاً أكبر وأثقل، فتأزّم الوضع مع تراكم المسؤوليات  والممنوعات، والآن ممنوع الرجوع وممنوع البقاء.

“إذن ليضعونا في حفرةٍ ويطمرونا وانتهينا”، جملة في الفيلم على لسان أحد السوريين تبدو كحل يائس ينبثق عن سؤال يطرحه في اجتماع ريم مع فريق عملها، ذلك الاجتماع الذي لم يفضِ لأي حلّ.

(الشيخ عبدو، إحدى شخصيات الفلم، ويعيش في عكار. المصدر: الموقع الرسمي للفلم. والحقوق تستخدم بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة للمصور)

الهاجس الأمني الذي بات سؤالاً صعباً ومحيّراً بالنسبة لهم، بينما هو أهم الأسئلة، فبعد خروجه من السجن اللبناني رجع الشيخ عبدو إلى سجن آخر أكبر منه، إلى عكار حيث المخيم الذي تغيّر وصار أضيق وأعسر. وعليه كيف سيحل هؤلاء وضعهم الأمني في بلد صغير ومرتبك أمنه وأمانه. أمّا الحرب، فتصل من خلف الجبال بأصوات انفجاراتها وطنين ألمها إلى المكان الخطأ الذي يكبر فيه اللاجئون وهمومهم.

خواتيم مفتوحة.. نحو الأمل

يذهب الشيخ عبدو مع زوجته التي ستضع مولودها الجديد إلى المستشفى، يفكر بطفله الذي ولد بدون أوراق وبدون أمل في الحصول عليها، ليورّث الأب ابنه الهمّ ذاته. وهكذا يزداد عدد السوريين المخالفين للقانون في لبنان. “كيف سنحل موضوع أوراقه؟”  سؤال مفتوح ومتروك بينما الطفل تعلو صرخاته الأولى التي تعلن قدومه بالصحة والسلامة.

اختار موفق لنفسه خياراً مربكاً ومتوّقعاً، سيسافر إلى تركيا ومن ثم سيذهب بالبحر إلى أوروبا، أنا أحب أن أذهب بالبحر، لكن البحر يوصل له الجواب وهو أنّ أعداداً جديدة من السوريين غرقوا اليوم خلال محاولة عبور البحر.

في لبنان لا يبدو البحر قاتلاً، فقد عوّدنا الفيلم حتى نهايته على تصوّر مكان منغلق وضيق، في لبنان حتى البحر لا يوصلك إلى مكان، ولا حتى لقطة مؤثرة للكاميرا على ميناء بيروت باتساعه كصورة متخيّلة للترحال والتنقل، لن تفيد بالإيحاء بأنّ انتقالاً جديداً ستكون فيه راحة ما لأولئك المتضرّرين.

فبين الجبال والمساحات الخضراء الزراعية وأبراج مدينة بيروت التي تبنى الآن على مهل، لم يصل السوريون في لبنان لخلاص في محطة مستمرة بدون انقطاع مع الانتظار والضياع.

يبدو التركيز في الفيلم على اللجوء في لبنان كواحد من أشكال المأساة السورية التي طال عمرها، رغم أنّ أبطال الرحلة الأربعة يعطون  الأعذار للمكان، وبالرغم من إمكانية العيش في جحيمه (مع الكثير من التعب والذل) كما تصفه زوجة الشيخ عبدو التي لا تعرف مستقبلاً لأودلاها الصغار ولا لحياتها التائهة، فتبكي هي ويستغرق الجميع بالتفكير بحلول غير موجودة.

كما ويبدو أصل الهمّ السوري في لبنان هو من صلب المأساة السورية، فسورية القريبة جداً لم تترك حتى الخارجين منها بسلام.

في ساعة ونصف، وضع الفيلم شخصياته والمكان ضمن كوادر ثابتة، وقدّم لنا الحكاية بصورة مريحة، كما لم تلعب الصورة دوراً درامياً أبعد من رصد ومتابعة الحكاية عبر مشاهد الفيلم الوثائقي. ففي المخيم  كانت اللقطات عامة، حيث الحالة الجمعية والإحساس بالأمان مع المجموعة بالرغم من انعدام أفق العيش. ينقلب ذلك إلى الارتياح الطفيف لحالة حرجة وضغط أكبر صُوّرت بلقطات قريبة على وجوه الشباب، على الأخص ريم وموفق ونمر، بعدما تأزمت أحوالهم وأصبحوا أشبه بمساجين في مساحة تضيق مع الوقت.

يقوم الفيلم على فكرة دوامة العودة الآمنة المرجوة عند الجميع، إذ لا يوّفرون فرصة دون ترجي حدوثها، ولكن يقصدون منها العودة الآمنة التي يحلمون بها وفق أمان مرجو ريثما يتحول إلى الضبابية إثر فقدان الأمل، تصعب بعده رؤية أي ضوء أو أمل بالخلاص.

هذا ما بدأت واختتمت به صورة الفيلم، من نفق مظلم نبدأ ونسير نحو الضوء المشع في نهاية الطريق، لنعود منه إلى الظلام ثانيةً، مثل طريق لا أمل يرجى منه، وفي نفس الوقت محكومون بالمرور فيه باتجاه ذلك النور المؤجل والمتروك ربما لتلك الشخصيات التي ستنيره بألمها.

(الصورة الرئيسية: نمر أحد أبطال الفيلم، هرب إلى لبنان هربا من الخدمة العسكرية/ GroundTruth Productions/ الصورة تستخدم ضمن سياسة الاستخدام العادل والحقوق محفوظة للمصور)

شارك المقالة: