المجتمع المدني في مناطق النظام: انتبه، أمامك منعطفات سياسية!

المجتمع المدني في مناطق النظام: انتبه، أمامك منعطفات سياسية!

حازم مصطفى (اسم مستعار)حازم مصطفى (اسم مستعار)

كاتب وصحفي سوري مقيم في اللاذقية

بقلم .

(اللاذقية)، حتى عام 2012 لم يطرأ تغيّر يذكر على أحوال المجتمع المدني السوري بعد نكسة ربيع دمشق 2001، إذ بقي بعض منه عاملاً  على أرض الواقع من منظور غض السلطة النظر عن نشاطه غير السياسي حصرياً، ما أبقاه ضمن دائرة الخطر والاستهداف الدائمين، معرّضاً للملاحقات والاعتقالات والمحاكمات الاستثنائية بغياب منظومة حماية قانونية واضحة.

تسمح هذه المقدمة بتصوّر حال هذه المنظومة بحال انحسار سلطة الدولة عنها، ففي المناطق التي خرجت عن سيطرة الدولة، خاصة السنوات بين 2014-2016، استعاد المجتمع المدني السوري جزءاً من عافيته ونشأت عشرات الجمعيات والمنتديات، بحكم عوامل داخلية وخارجية، حتى بلغ عددها داخل البلاد في مناطق المعارضة وفق تقرير صادر العام الحالي عن “مواطنون بلا حدود”  395 جمعية، يضاف لها 170 تحت سيطرة قوات الحماية الكردية، في حين أنّ الجمعيات العاملة في مناطق النظام 1266 جمعية، وفقاً للتقرير نفسه، أي أقل من الثلث، أما خارج البلاد فهناك 206 جمعية.

حتى 2010 بلغ عدد الجمعيات المسجلة في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل 1047 (منظمة/ منتدى/ هيئة/ مبادرة)، تركز 85% منها في دمشق وريفها وحلب وحماة وحمص واللاذقية وطرطوس. في حين تركز الباقي في الرقة ودير الزور والحسكة ودرعا والسويداء والقنيطرة، وبملاحظة نسب التوزع يلاحظ التقرير السابق “أن آليات الصراع في سوريا أعادت توزع هذه المنظمات بشكل أكثر عدالة من ناحية ومن ناحية أخرى أفضى النزاع إلى تنامٍ أسي في عدد هذه المنظمات”.

المجتمع الأهلي والمجتمع المدني

في مناطق النظام هناك ثلاثة منظومات مجتمع مدني، اثنتان منهما مرتبطتان بالحكومة، والثالثة مستقلة حديثة يمكن القول إنها نواة مجتمع مدني وفق التعريفات الحديثة.

المنظومة الأولى تعرف بالمنظمات الحكومية غير الحكومية، وهي أكثر حضوراً رسمياً وأقوى تمويلياً وتدار من قمة السلطة السورية مثل الأمانة السورية للتنمية كبرى الجمعيات، والغرفة الفتية الدولية ومركز الأعمال والمؤسسات السوري، وما يزال غالبها حتى الساعة  شريكاً للعديد من المنظمات الدولية الفاعلة وتقيم ورشاً تدريبية وتعليمة داخل البلاد.

أما الثانية فهي الجمعيات الأهلية التي تهتم بشكل أساسي بمساعدة الفقراء والأيتام والمعاقين والمساجين المدنيين (مثل جمعية رعاية المساجين والمعاقين والمكفوفين… إلخ)، ونسبة منها جمعيات دينية (خيرية دعوية) ويبلغ عددها بالمتوسط مائة جميعة، نشأت في خضم  القرن الماضي، وترتبط بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ذات البنية البيروقراطية الشديدة في تعاملها مع الجمعيات والمؤسسات، وهي مراقبة من قبل الجهات الأمنية وعليها تقديم تقارير عن أي نشاط تقوم به (بعد الموافقة الأمنية على النشاط طبعاً).

هذه الجمعيات كما يقول عضو جمعية المكفوفين “أحمد محمد” (45 عاماً) من اللاذقية: “تتلقى دعماً لفظياً فقط من الوزارة أو المديرية التابعة لها دون أي شيء واقعي ملموس، ولا يسمح لها بقبول التبرعات إلا عبر قنوات بيروقراطية شديدة وبموافقات أمنية أيضاً وتعتمد في تمويلها على اشتراكات الأعضاء وبعض المتبرعين من الداخل”.

للمجتمع الأهلي تقاليد في العمل تختلف عن توجهات وطرائق مجموعات المجتمع المدني الحديثة، إلا أنّ هذا لم يمنع تعاوناً بين الجمعيات في قضايا مجتمعية كثيرة، خاصة موضوع المهجرين وإغاثتهم وتأمين سبل عيش كريمة لهم، يذكر السيد “أيمن الخالدي” (51عاماً) من جمعية الأيتام الإسلامية في “اللاذقية” (تأسست عام 1928) أن جمعيتهم “تعاونت في عدّة مشاريع مشتركة مع منظومات العمل المدني، كانت الغاية خدمة الناس في الظرف الطارئ، استفادوا هم من ترخيصنا للعمل، فحتى اليوم تعاني المجموعات من مشكلة الترخيص أمام الجهات الأمنية في ظلّ بيروقراطية شديدة للوزارة، بالمقابل قدّموا العمل والتمويل المناسبين لعدد من المشاريع الصغيرة، مثل كفالة اليتيم القادم من مناطق الصراع، وتعليمه وتدريبه على إحدى المهن وفق المعايير التي تكفل أن يكون له وجود في سوق العمل”.

على المستوى الشعبي فإنّ الأكثر حضوراً هي الجمعيات والمبادرات والهيئات المدنية حديثة النشأة (وهي المنظومة الثالثة)، وأغلبها من نفس مواليد بقية شقيقاتها في مناطق المعارضة، وتنتشر في عموم المناطق بأسماء وهويات مختلفة ولها طيف واسع من الأعمال المدنية بما في ذلك الشأن الثقافي والتنموي، لكن المفهوم يُربط بما أنتجته الأزمة الراهنة من مشكلات تحتاج علاجاً طارئاً وسريعاً كالقضايا الإنسانية والإغاثية ثم التنموية، وهي الصورة العامة لهذه المنظومات رغم أن الإغاثة ليست مدرجة في رسالة مجموعات المجتمع المدني.

يتشارك المجتمع المدني في المناطق السورية ككل مظلات العمل الأساسية، فمعظمها يعمل ضمن توجهات إنسانية ومجتمعية وتنموية. وترتفع في مناطق النظام نسبة المنظمات ذات التوجهات الإنسانية حتى تصل نسبتها إلى النصف تقريباً، ثم التنموية، التي بدأت نسبتها بالارتفاع مؤخراً باتجاه التنمية المجتمعية وبأشكال مختلفة بدلاً عن الإغاثة التي انخفضت نسبة العاملين فيها كثيراً.

يفسّر ذلك باستقرار شكل الأزمة والحاجة لتنمية الموارد داخلياً خاصة بعد الهجرات الكبيرة لها خارج البلاد، يضاف لها كما تقول مديرة إحدى الجمعيات (نتحفظ عن ذكر اسم الجمعية بناءً على طلبها) في اللاذقية “تيريز حنا” (46 عاماً) “عامل آخر مهم، هو اشتراطات التمويل التي أجرت مراجعات متعدّدة حول أنماط العمل السابقة مطالبةً بالبحث عن مصادر تمويل ذاتية عبر التنمية والتدريب، وهو أمر منطقي في ظل اعتماد جزء كبير منه على التمويل الخارجي”.

تشكل النساء نسبة كبيرة من الناشطين في المنظومات الحديثة المستقلة وتلك التابعة للنظام، وهو ما يختلف مع مثيلتها في مناطق المعارضة ذات النسبة النسائية القليلة رغم ظهور عدد كبير من المنظمات التي تستهدف النساء كفئة مستضعفة في المجتمع، وهو ما يراه التقرير السابق أيضاً.

عن علاقته مع السلطة

يتعرّض الناشطون لضغوط مختلفة من المجتمع والسلطة والأفراد النافذين وحتى الجمعيات نفسها تشكّك بجدوى العمل بحد ذاته، وتضيف إليها الناشطة “حنين الأحمد” (27 عاماً) من الهلال الأحمر السوري بحمص “ضغوط التمويل ومصادره أيضاً في أحيان عدّة يكون لها تأثير وتلعب دوراً هاماً في تحديد ورسم خطوط وحدود للعمل واتساعه، ولذلك نخضع لشروط في العمل، فنحن نعمل ضمن الهوامش المتاحة ونحاول قدر استطاعتنا استغلال واستهلاك هذه الهوامش وبقوة”.

تتبع الجمعيات أمنياً لأقسام الأحزاب السياسية في الفروع الأمنية المختلفة، وليس لدى هذه الفروع أجندة خاصة للتعامل معها بقدر ما يتم الأمر بمنطق رد الفعل، أو منطق الاستخدام إن أمكن، كاستبدال شخصيات معينة أو أماكن النشاط بمناطق جديدة (تمّ استبدال أنشطة في الرمل الفلسطيني بمنطقة الزراعة مثلاً في اللاذقية، رغم أنّ الأولى أكثر حاجة لهذا النشاط)، أو الضغط لتنفيذ أشغال أو أنشطة محدّدة في أوقات معينة (بحيث تأخذ طابعاً احتفالياً أو سياسياً أحياناً)، تشير ناشطة من جمعية “موزاييك” إلى حدوث هذا الأمر عدّة مرات، حيث يطلب منهم ذلك بطريقة مهذبة ودون تهديد، إلا أنّ النتيجة في حال الرفض تكون المضايقات ورفض السماح بأنشطة جديدة وهكذا.

هناك اشتغال لجزء من المجتمع المدني بالشأن السياسي (مثل حركة البناء الوطني، وحركة مواطن ومركز دمشق للدراسات القانونية ومنظمة جذور) إلا أنها مراقبة علانية وتحكم الموافقات الأمنية منطوق عملها، فقد شارك الأمن السياسي (مراقباً ظاهراً) مثلاً في جلسة تشاورية حملت عنوان خيارات السوريين، عقدت في طرطوس قبل شهرين أقامتها حركة البناء الوطني شارك فيها سياسيون معارضون  وموالون وشباب، تلا ذلك استدعاء بعضهم إلى الأمن السياسي لمعرفة ماذا جرى في الاجتماع!

عن العلاقة مع مناطق المعارضة

تلعب الجغرافيا السورية اليوم الدور الأكبر في تحقيق قطيعة كاملة بين الفريقين، فلا تواصل إلا بحدود دنيا، وتضيف الصراعات العسكرية مزيداً من غياب العلاقات التي تنحصر في لقاءات ممكنة خارج البلاد (أصبحت بيروت منصة معتمدة لتدريب الفريقين لدى المنظمات الدولية).

يعمل كل من الفريقين دون تشارك الموارد والرؤى رغم التقائهم في كثير من الغايات نفسها، فاختلاف المصادر التمويلية بينهما أولاً، ودخول العامل السياسي في التمويل ثانياً، يجعل من عملية التنسيق شبه مستحيلة.

 يشير الشاب والناشط في جمعية “ساعد” الإغاثية بدمشق “طارق علي” (24 عاماً)، أنّ تنسيقاً جرى بين جمعيتهم المدنية وأخرى في مناطق إدلب وقتما بدأ نزوح الناس من هناك، شملت تقديم مواد إغاثية لهم منقولة إلى إدلب وقد نجحت، إلا أنّ هذا هو السقف الأعلى المسموح والممكن مجتمعياً في أي تنسيق يمكن أن يحدث.

في نفس الوقت، هناك بعض الناشطين من الفريقين يرفضون بالمطلق أي محاولات تنسيق أو عمل مستندين إلى تمترس سياسي لكلّ منهما، تقول الناشطة السابقة حنين: “ربما سيتحرّر المجتمع المدني بشكل حقيقي عندما يتحرّر ناشطوه من الأحكام المسبقة واحتكار الأحقية للعمل”.

رؤى المستقبل في غياب القوننة

كان ظهور المجتمع المدني السوري ككل “رد فعل” وانعكاس لما يجري في البلاد، وليس نابعاً من تفكيك منظومة الدولة الشمولية أو انتشار ثقافة المواطنة واستبدالها بمنظومة حقوقية مواطنية، الأمر الذي أثر (وما يزال) في تكوين كامل هذا المجتمع المدني وطبيعته.

يذهب الباحث الرئيسي في التقرير السابق (منظمات المجتمع المدني السورية)، الدكتور والناشط المعروف، زيدون الزعبي، إلى أنّ المجتمع المدني السوري ككل، وليس فقط القابع في ظلّ السلطة، ليس بهذه القوة والمناعة، فقد ظهر في أسوأ زمن وأسوأ كارثة ولم يستطع تكوين الأدوات والخبرات التي تتيح له مواجهة ما قد يتعرّض له مستقبلاً رغم تطوّره الملحوظ في الفترة الماضية.

لقد استفاد مجتمع مناطق النظام المدني كما يقول الدكتور الزعبي “من الظروف السياسية الراهنة ومن عجز السلطة عن تلبية كلّ الحاجات المجتمعية تاركاً بعض المساحة للمجتمع المدني التي ما تزال ضيقة رغم أنّها أوسع من مساحات الأعوام قبل 2012، وقد تحرّك المجتمع المدني ليوسع هذه الساحة مع مزيد من اضطرار الأجهزة السلطوية لتركه يعمل بحكم الحاجة إليه والرغبة بالتغيير لدى الناشطين، فأغلبهم يرغبون اليوم بتوقف الحرب وحدوث تغيير جذري في المجتمع، سواء إيقاف الحرب أو تحقيق قيم مثلى للمجتمع، ولكن الأمور على الأكيد ليست وردية فحتى اليوم لم يطوّر المجتمع المدني وناشطوه أدوات كافية للمناورة كي يستمروا بعملهم ووجودهم”.

 لم يتجاوز المجتمع المدني السوري صراعه مع السلطات المجتمعية الدينية والاجتماعية إلى اليوم رغم الترحيب الذي قوبل به مجتمعياً، فقد تجاوز نخبويته السابقة دون قدرته على الدفاع عن نفسه في حال انقلاب السلطة عليه، فالعقدة تبقى المنظومة الأمنية وتوابعها (فروع البعث والشبيبة وغيرها) التي تريد استمرار احتكار الساحات لوحدها وتعطيل هذا المجتمع، والتجربة المدنية السورية ما تزال غضة وطرية العود ويمكن لأي هبّة ريح أن تودي بها.

(الصورة الرئيسية: تصميم كوميك لأجل سورية. خاص حكاية ما انحكت)

شارك المقالة: