آهات على جدران حي الوعر

آهات على جدران حي الوعر

نضال الحمصينضال الحمصي

كاتبة صحفية ومؤلفة قصص قصيرة، مقيمة في حمص (الاسم مستعار)

بقلم .

غمضة عين (1)

تنظر إلى المكان أمامها، ثم تغمض عينيها للحظات، تتخيّل كيف كان المكان، ثم تفتحهما.. تغمض عينيها مرة أخرى، تحاول أن تنسى، أو تتذكر، ثم تفتحهما.

 المشهد لم يتغير، هو الخواء ذاته الذي يملأ فراغاً بين بنائين، هذا الفراغ الذي كان يوما ما بيت أسرتها، والذي ضم ذات يوم والديها وإخوتها الصغار، والذي لم يبق منه سوى بقايا ثياب وجدران وسقوف محطمة رسم على سطح أحدها أطفال يركبون أرجوحة معلّقة في الهواء.

 أتابع عيني سجى اللتين تحتملان رؤية بيت أسرتها المهدّم كلّ يوم، فهو بالقرب من منزلها الذي يضمّها وزوجها، وأسمعها تروي تلك اللحظة التي ضرب فيها النظام السوري منزل أسرتها الكائن في حي الوعر الحمصي المحاصر منذ أربعة سنوات بصاروخ فراغي. يومها كانت محتمية من القصف في قبوٍ أسفل بنائها. يومها أيضاً أخفوا عنها حقيقة وفاة كامل أسرتها، ولم تعلم بالخبر إلا صبيحة اليوم التالي، لتبدو صرختها حين سمعت الخبر، أشبه بطلقات رشاش يطلقها شاب ضئيل يحاول عبثاً أن يصيب الطائرة الحربية التي كانت سبباً في دمار المنزل، وفي وفاة ساكنيه.

 تتحدث سجى بفخر عن الشاب الضئيل الذي لاحق الطيارة الحربية يومها برشاشه المتواضع وتخبرني أنه كان ابن عمها، وأنه أفضل من استخدم الرشاش على جبهات الوعر، تقول ذلك وهي تنهي كلماتها بتنهيدة مرة، تقول، بأن كل ذلك “مضى مثل غمضة عين، حتى الزمن هنا فقد كلّ بركته، على الأقل، حين سنغادر هذا المكان إلى جرابلس، لن يكون هناك قصف، ولن يكون هناك حصار، سيكون لدنيا خبز وطحين، وحين نغادر، كل ما سيتبقى لدينا مجرّد ذكريات، لنجد أنفسنا أمام حياة جديدة لا نعلم عنها شيئاً”. تصمت سجى وهي تسحب عينيها عن فراغ بين مكانين تعلم تماماً أنّها ستحمله دوماً في قلبها وذاكرتها، وأنّه سيبقى مرافقاً لها ولن ينسى مهما تعدّدت هجراتها.

غمضة عين (2)

كانت بداية الحملة الأخيرة على حي الوعر في السابع من شباط 2017، واستمرت بشكل متواصل لمدة شهر كامل، لكن هذه المرة، كان الاستهداف هو الأعنف، وكان مركزاً بغارات الطيران والصواريخ الفراغية والمظلية، وعلى مختلف قطاعات الحي. لكن، وفي منتصف شباط 2017، وبعد تعرّض الحي للمرة الأولى لأكثر من خمسين غارة في يوم واحد، كرد فعل انتقامي من أهل الحي على التفجيرات التي حصلت في المراكز الأمنية يومها، والذي فاجأنا جميعاً، إذ لم يكن لأهل الحي أي دور فيها، ذاك اليوم جاء كصفعة على وجوه الجميع، مدنيين وعسكريين، لحظتها فهمنا، أنّ هذه المرة ليست ككل مرة، وأنّ موعد تهجيرنا من قبل النظام يبدو موعده أقرب من أي وقت مضى، وهذا الذي كان، فمع كلّ غارة جديدة، كنّا نعلم تماماً أنّ الخروج بات أكثر قرباً، وأنّ الباصات الخضراء يتم تجهيزها بانتظار خروجنا، مع هذا، وإلى آخر لحظة، كنت أتمنى، ومن كلّ قلبي، لو أنّ معجزة ما تحصل بغمضة عين، ويلغي اتفاق التهجير، لكن ذلك لم يكن.

_وهل حددتَ وجهتكَ؟

_إدلب، ومن ثمّ تركيا، لم يعد لي مكان هنا، هذه المرة الثالثة التي أتهجر بها، هذا كافياً!

ملاجىء

ترفع أم مازن نقابها عن وجهها، وتبدأ تلقائياً بالحديث بصوت أنثوي مبحوح، هي زوجة شخص مقتدر هنا، عيناها السوداوان تُشعِران الناظر إليها بأنّ في هذه البقعة الكئيبة من العالم والتي تدعى سوريا، الكثير من الجمال الذي لن يمسّه أي خراب. تأخذنا معها إلى الملجأ الذي ضمّ عشرات العائلات التي احتمت فيه لمدة شهر كامل من قصف طائرات النظام السوري، تتحدث بحماس وألم كيف وضعوا برنامجاً خاصاً يناسب ظروفهم وقتها، كل ذلك على إيقاع صفارات الإنذار التي عمّمت على أرجاء الحي بالتنسيق مع مراصد تتبع حركات طائرات النظام ووجهتها ثم تعلم الناس بقدومها.

 دقيقتان فقط، هو الوقت الفاصل بين الصفارة وبين قدوم (الحنونة) كما يسمونها، الوقت الأفضل للغسيل والطبخ والخبز، هو عند صلاة الفجر، أما التاسعة صباحاً فهو موعد ابتداء الغارات، والتي ستستمر لما بعد صلاة المغرب، حيث بالكاد يصلّي الناس العشاء، وبالكاد يأكلون اللقيمات القليلة، ليناموا متعبين منهكين بعد يوم طويل وكئيب من القصف. لم تكن مشاكلنا تنتهي هنا، إذ انتشر القمل بين أهل الملجأ جميعم تلك الفترة، فلا وقت للاستحمام أو الاهتمام بالنظافة، إضافة لانتشار المشاكل والنزاعات المضحكة المبكية بين الناس ولأتفه الأسباب.

كانت خطة النظام تؤتي ثمارها، قصف مكثف على الحي ثم لعب بالأعصاب، تهديد روسي لأهل الحي بالتصعيد إذا لم يتم الاستسلام، جوع وخوف وتعب وإحساس بالهزيمة، مع ذلك كان عندي أمل لا يتزحزح بأنّ الله أكبر منهم جميعاً، وبأن لا بد لكل هذا أن ينتهي ذات يوم، ومن يعلم، لعل الخروج سيكون لصالح الجميع، لكن أكثر ما يحزّ في نفسي الآن هو الوداع، أتخيل حتى أني سأفتقد هذا الملجأ الكئيب، (تمسح دموعها بطرف أصبعها)، وبأني لن أرى معظم الناس هنا بعد اليوم، لكني أثق بأن جرابلس ستكون مكاناً جيداً، وبأنه ستكون بداية جديدة هناك، عساها تكون أفضل من هنا.

دفعات

“بعد كل ذاك التصعيد الدموي والتهديد الروسي، يبدو الاتفاق أفضل من غيره، بل يمكن أن أدّعي أيضاً أنّنا حققنا فيه بعض المكاسب التي لم تستطع بقية الأماكن تحقيقها”، يتلفظ الأستاذ (س) أحد المعنيين بالتفاوض بالكلمات السابقة ببطء، وهو يمسح نظاراته قبل أن يثبتها على أرنبة أنفه، ويتابع بثقة ملفتة، وهو يشرح آلية خروج الدفعات من مسلحين ومدنيين إلى إدلب وجرابلس والريف الشمالي حسبما يشاؤون، على حوالي تسع أو عشر دفعات، يتكون كل منها من حوالي 1800 شخص جلّهم أطفال ونساء، يستمر خروجهم على مدى شهرين..

-وبعد ذلك؟ ما مصير الحي؟

-نضغط كثيراً لإعادة بيوت الحي إلى بقية أصحابها الموجودين في باقي أحياء مدينة حمص الواقعة تحت سيطرة النظام، ونسعى للحصول منه على وعود بعدم التعرّض لمن يختار البقاء في الحي، وعدم دخول الجيش إلى البيوت وتعفيشها، لكن الوعود إلى الآن شفهية، ونحن نريدها كتابية وموقعة، فإن كنا سنغادر هذا المكان مرغمين، فلنضمن على الأقل ألا تتكرر مأساة أحياء حمص القديمة، حيث ما زال كثير منها فارغاً إلى الآن.

تسويات

يبدو هذا الموضوع الأكثر إشكالية إلى الآن، وتعني التسوية، أن يسلّم الشخص نفسه للقوات النظامية، لتسوية أوضاعه ليعود بعدها إلى (حضن الوطن)، وقد أجرى عدد من الناس تسويات مع النظام للبقاء في الحي، ولا توجد إحصائية واضحة، لكن النظام يسعى لقيام أكبر عدد من الناس بالتسوية، ويروي لنا عامر بحماس، كيف شاهد بعينيه أن الروس المشتركين في اتفاق التهجير، تفاجأوا من عدد المدنيين المغادرين من الحي، لدرجة أنّ الجنرال الروسي الموجود في الجنائية، والمكلف بالإشراف على تسيير حصول الناس على أوراقهم الثبوتية الحكومية، قال للناس “لمَ تغادرون الحي وتتركون بيوتكم؟ لم لاتجرون تسويات وتبقون في حيكم؟ حتى الذي في سن العسكرية سنسمح له أن يؤدي خدمته هنا”، ليأتي رد الناس سريعاً عليه، بأنهم لن يثقوا بمن قصفهم بالطائرات، وليقول له أحدهم بأن ابنه أجرى تسوية وسلم سلاحه، لكنهم عادوا وسجنوه، ثم يصرخ صوت آخر من بين الحشود ليقول: “لسنا نحن الذين يجب أن نعمل تسويات، بل أنتم من يجب أن يقوم بالتسويات!”.

آهات على الجدران

من بين المشاهد المؤلمة الكثيرة التي يمكن أن يراها أي شخص أثناء تجواله في الحي، عبارات الوداع التي تركها المغادرون على جدرانه، والتي سيشعر قارئها بكمّ الأحزان والحسرات في قلوب المغادرين، فالتهجير الحاصل في حي الوعر، والذي أضحى في نهاياته الآن، هو حلقة في سلسلة لا يبدو أنها ستنتهي عما قريب.

(الصورة الرئيسية: كتابات على جدران حي الوعر كتبها الأهالي قبل مغادرتهم الحي. التقطت الصورة بتاريخ 15/6/2017. تصوير: نضال الحمصي (اسم مستعار). خاص حكاية ما انحكت)

شارك المقالة: