الخبير ريتشارد غوان: إصلاح مجلس الأمن ليس الحل

الخبير ريتشارد غوان: إصلاح مجلس الأمن ليس الحل

ترجمه‫/‬ته إلى العربية .

يدّرس ريتشارد غوان حلّ الصراع في كلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا، وهو زميل بارز في السياسة العامة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية مع التركيز على عمل الأمم المتحدة. عمل غوان مؤخراً كمحلّل استشاري مع منظمة مجموعة الأزمات الدولية، مع التركيز على الدبلوماسية الوقائية، كما يكتب عاموداً على موقع وورلد بولتكس رفيو  (مراجعة السياسات العالمية). عمل سابقاً كمدير للأبحاث في مركز جامعة نيويورك للتعاون الدولي، حيث لا يزال زميلاً.

أجرى موقع (حكاية ما انحكت) مقابلة مع غوان حيث تحدّث إلينا بصفته الشخصية عن مسؤولية الأمم المتحدة لحماية المدنيين، وعدم قيامها بذلك في أعقاب جرائم الحرب الصارخة التي ارتكبها نظام الأسد خلال السنوات الست الماضية، وما فوائد القيام بإصلاحات عملية في آليات صنع القرار في مجلس الأمم المتحدة.

(1): هناك اعتقاد سائد أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة فشل في حمایة المدنیین في سوریا بسبب اعتماد روسيا المتكرّر لحق النقض في المجلس. وقد قيل نفس الشيء سابقاً عن فشل حماية المدنيين الفلسطينيين عندما نقضت الولايات الأمريكية أيّ قرار هام ضد إسرائيل باعتمادها حق الفيتو أيضاً. هل توافق على هذا؟ 

لقد فشل عمل مجلس الأمن بشكلٍ ذريع عندما تعلّق الأمر بسوريا. ولكني أعتقد أنه من الخطأ التركيز كثيراً على المسائل الإجرائية وحق النقض الروسي. الحقيقة هي أنه لو كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يريدون التدّخل حقاً في سوريا في وقتٍ مبكرٍ من الصراع أو بعد هجوم الأسلحة الكيميائية عام ٢٠١٣، لكانوا قد فعلوا ذلك بدون موافقة الأمم المتحدة كما فعلوا سابقاً في كوسوفو والعراق. بغضّ النظرعما إذل كان هذا القرار حكيماً أم لا، فإن إدارة أوباما لم تريد أن تأخذ هذا المسار. لذا، ظلت الولايات المتحدة تقوم بإعادة القضية إلى الأمم المتحدة لإجراء المزيد من المحادثات. لقد قلت سابقاً أنّ روسيا نجحت في استغلال هذا الحذرالأمريكي بشكلٍ كبير، ووجدت العديد من الطرق لعرقلة وإبطاء الدبلوماسية فيما يتعلّق بسوريا. ولكن حق النقض ليس سوى جزءٌ من القصة. استغلت موسكو عملية الوساطة التي كانت تقوم بها الأمم المتحدة كوسيلة لحماية الأسد، وتمكنّت من ضمّ الغرب في محادثات لا نهاية لها في مجلس الأمن عن تقديم المساعدات الإنسانية في سوريا. الدبلوماسية الروسية ساخرة للغاية، ولكن علينا أن نؤكد مرة أخرى أنّ الولايات المتحدة وأصدقائها تماشوا في بعض الأحيان مع الروس وانخرطوا في مناوراتٍ دبلوماسيةٍ معقدّة كذريعة لعدم القيام بمزيدٍ من العمل المباشر في سوريا. تمثل الضربات الجوية الأخيرة التي أمر بها الرئيس الأمريكي ترامب هذا الشهر تغييراً في النهج القائم: لقد أظهرت الولايات المتحدة أنّها مستعدّة لتجاهل الأمم المتحدة واستخدام القوة من جانبها. وكما اقترحت في مكان آخر، فإنّ الحقيقة هي أنّ ترامب تحرّك سريعاً في حين كان المجلس لا يزال يشكّك في قرار حول تحقيقات الأسلحة الكيميائية، وبالتالي فقد قام ترامب “بثقب أسطورة متعبة ولكن مستمرة ألا وهي أنه بإمكان مجلس الأمن الدولي أن يدير الحرب الأهلية السورية”، ولكن يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أنّ الضربات كانت محدودة إلى حدٍّ ما، ولا يبدو أنّ ترامب يريد المزيد منها. قد تستمر الألعاب الدبلوماسية في الأمم المتحدة، ولكنّي أشك في أنها سوف تقدّم الكثير.

(2): لقد اقترح البعض التحايل على  أو مراوغة مجلس الأمن والقيام بتصويت في الجمعية العامة (كما حدث في الخمسينيات من القرن الماضي فيما كان يتعلّق الأمر بالحرب الكورية). هل سيكون ذلك حلاً عملياً للوضع في سوريا؟

 في ٢٠١٢، تمّ طرح الفكرة بالسماح للجمعية العامة للقيام بتدخّل ما في سوريا، لكن وقتها، كانت القوى الثلاث: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، ضد الفكرة، فالولايات المتحدّة لا تريد أن تخلق سابقة للجمعية لتأييد التدخّلات وتهميش دور مجلس الأمن. أنشأت الجمعية آلية جديدة لجمع الأدلة على جرائم الحرب في سوريا في نهاية فترة ولاية الرئيس الأمريكي السابق أوباما، على أمل ردع الضباط السوريين والروسيين عن القيام بأعمال همجية جديدة، ولكني أشك في أنها ستتخذ إجراءات أكثر تطرّفاً. أوّد أن أؤكد مرة أخرى أنّ مسألة كيفية التحايل على أو مراوغة مجلس الأمن ليست حقاً مسألة تتعلّق بقواعد وإجراءات الأمم المتحدة، وإنّما تتعلق بالإرادة السياسية. إن أرادت الولايات المتحدة التدخّل في سوريا فكان بإمكانها أن تتبع ما قامت به في كوسوفو والعراق. وفي كلتا الحالتين، استخدمت أمريكا القوة من جانبها دون وجود أي دعم من الأمم المتحدة، ولكنها عادت بعد ذلك إلى مجلس الأمن لتخلق سلسلة من القرارات الرامية إلى تهدئة التوترات الدولية.قد يكون هناك احتمال القيام بشيءٍ مماثل في سوريا، على الرغم من أنّ روسيا قد تعرقل الأمور بشكلٍ أكبر مما قامت به في كوسوفو والعراق. ومع ذلك، فإنّ العقبة الحقيقية أمام التدّخل الكامل للإطاحة بنظام الأسد هي حقيقة وجود القوات الروسية على الأرض في سوريا، وليس قدرتها على الإخلال بدبلوماسية مجلس الأمن.

(وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في مجلس الأمن مع عدد من القادة، يدلون بأصواتهم خلال اجتماع مجلس الأمن الدولي حول سوريا الواقع في ١٨ كانون الأول ٢٠١٥ في الأمم المتحدة في مدينة نيويورك بولاية نيويورك. الصوةر مأخوذة من وزارة الخارجية الأمريكية، وتسخدم الصورة ضمن سياسة الاستخدام العادل والحقوق محفوظة للمصدر)

 (3): في بعض الأحيان، تمّ تفسير الدعوات المتكررة “للمجتمع الدولي” لاتخاذ خطوات في سوريا على أنّها نداء من أجل القيام بتدخّل عسكري “إنساني” بموجب الفصل السابع. هل هذا هو المسار الوحيد لعمل مجلس الأمن الدولي من أجل حماية المدنيين من جرائم الحرب التي يرتكبها النظام السوري؟

 الأمم المتحدة ليست مجرّد مجلس الأمن، والحماية لا تعني فقط التدّخل العسكري. يمكن أن تتخذ الحماية أشكالاً عديدة، بما في ذلك تقديم المساعدة الإنسانية الأساسية للذين يعانون. ولكن صعّبت الحكومة السورية قدرة الأمم المتحدة بتقديم الحدّ الأدنى من المساعدة.لقد حاول مسؤولو ودبلوماسيو الأمم المتحدة جاهدين إيجاد طرق أخرى لحماية المدنيين، بما في ذلك كلّ الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة لصياغة اتفاقات محلية لوقف إطلاق النار. وقد عملت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بلا هوادة لجمع أدلة على انتهاكات حقوق الإنسان، بالرغم من وجود عقبات رئيسية تعترض جهودها في مجال جمع المعلومات. وعلى الرغم من أنّ سمعتها مشوّهة الآن، إلا أنّ الأمم المتحدة رأت أيضاً أنّه من مهامها العمل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لتفكيك ترسانة الأسد الكيميائية كفرصة حقيقية للتقليل من مستوى المعاناة في هذه الحرب. وأعلم أنّ الأمم المتحدة تتعرّض لنقدٍ مستمر بسبب التنازلات التي قدمتها للحكومة السورية في محاولة تقليص تكاليف الحرب، وهي تستحق الكثير من هذا النقد. ولكن عمل العديد من موظفي الأمم المتحدة باستمرار لمساعدة سوريا.غير أنّ الحقيقة هي أنّ كلّ هذه الجهود الرامية إلى التخفيف من حدّة الصراعات لا تُحْدِث سوى فرقاً هامشياً بينما ترفض القوى الكبرى العمل بجدية على إيجاد تسوية سياسية لإنهاء الحرب، فالتخفيف من حدّة الصراع ليس كافياً.

 (4): هل تتفق مع الذين يعتقدون أن مجلس الأمن الدولي فقد مصداقيته عن طريق الدعم العاجل للتدّخل العسكري الذي رعته منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا، وهذا ما ساهم في خلق مأزق في سوريا؟ إلى أي مدى تعتقد أن هاتين الحالتين مختلفتين وأنها تتطلب نهجاً مختلفاً؟ هل كانت هناك أسباب أخرى وراء فشل مجلس الأمن في إتخاذ خطوات فعّالة في سوريا؟

 أوافق على أن الناتو قام بدفع تفويض الأمم المتحدة للتدّخل في ليبيا الى أقصى حدّ، وهذا بالتأكيد طغى على الدبلوماسية المبكّرة فيما يتعلق بالوضع في سوريا. روسيا لم تتوقف أبداً عن إجراء المقارنة بين هاتين الحالتين ولسببٍ وجيه. ولكن لسخرية الأمر أنّ الولايات المتحدة كانت حريصة منذ بداية الحرب السورية على تجنّب القيام بأية تدّخل، ولهذا السبب كانت على استعداد لاستثمار الكثير في دبلوماسية الأمم المتحدة الموسّعة. كما أقول، فإن الروس حقّاً استغلوا هذا الحذر الأمريكي. وسيتعيّن على المؤرخين في نهاية المطاف أن يقرّروا ما إذا كان تصرّف مجلس الأمن المتسرّع بشأن ليبيا أو التقاعس المطوّل عن سوريا قد ألحق ضرراً كبيراً بسمعة الأمم المتحدة. سؤال آخر للمؤرخين سيكون ما إذا كان الصراع الأوكراني قد صعّب الوصول إلى توافق في الآراء حول سوريا من خلال الأمم المتحدة. كانت المناقشات حول أوكرانيا في الأمم المتحدة مواجهة للغاية، ويمكننا القول أنها جعلت من الصعب على الولايات المتحدة وروسيا تحقيق أي تقدّم حقيقي في الشأن السوري.

 (5): لقد دأب أعضاء مجلس الأمن غير الدائمين، ولا سيما الأعضاء غير الغربيين، على توسيع المجلس ليصبح أكثر تمثيلاً وليتغلّب على إرثه، خاصةً بعد الحرب العالمية الثانية. هل تعتقد أنّ ذلك سيؤدي إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على عملية صنع القرار، ومن ثم النقاش حول التدخلات العسكرية “الإنسانية”؟ إذا كان الأمر كذلك، هل هذا ممكن في الوقت الراهن؟ ما هي العقبات الرئيسية؟ 

إن أخبرك أحد أن الحلّ لمشكلة جيوسياسية عاجلة مثل الوضع في سوريا أو أوكرانيا هي “إصلاح مجلس الأمن الدولي،” فلا يجب أن تأخذهم على محمل الجدّ. هناك مناقشات دبلوماسية دائمة لإصلاح المجلس في نيويورك، ولكن فرص النجاح الفوري ضئيلة للغاية. في الواقع، العقبة الرئيسية هي الصين التي تشكّك في أي إصلاحات من شأنها أن تؤدي إلى حصول اليابان على مقعدٍ دائم في المجلس. وإن كانت هناك بعض الإصلاحات كبيرة، سوف يتطلب الأمر سنوات للتصديق عليها ولتنفيذها. ينبغي أن نضيف أنّ بعض البلدان التي ترغب أيضاً في الحصول على مقاعد دائمة جديدة في المجلس، مثل البرازيل والهند، واللتان تشككان حقاً في أيّة تدّخل إنساني، شغلت البرازيل والهند مقعدين مؤقتين في المجلس عام ٢٠١١، على سبيل المثال، لكنهما امتنعتا عن التصويت على القرار الذي سمح باستخدام القوة في ليبيا. وقد بدأت برازيليا ودلهي نهجاً دبلوماسياً تجاه الأسد في عام ٢٠١١، ولكن لم يكن هناك أي متابعة جادة للأمر. فأنا لست متأكداً من أنّ إصلاح المجلس سوف يؤدي تلقائياً كونه أكثر فعالية. ومع ذلك، فقد دفعت الأزمة السورية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة للنظر في طرقٍ قصيرة الأجل لتحسين أداء المجلس. لقد كان هناك الكثير من الحديث عن موافقة الأعضاء الدائمين على عدم استخدام حق النقض في حالات الفظائع الجماعية. وهناك دعم كبير لهذا الأمر حول الأمم المتحدة، ونلاحظ أنّ الصين حاولت تجنّب الحالات التي يجب عليها أن تستخدم حق النقض ضد سوريا إذا كان ذلك ممكناً، وذلك لتجنّب الجدل. روسيا، من جهتها، تجاهلت هذا الضغط وأدلت بحق النقض كما تشاء (في الواقع، الولايات المتحدة متشكّكة جداً في أيّة خطوات للحدّ من صلاحياتها في حق النقض أيضاً). عموماً يجب علينا أن نكون صريحين جداً هنا: لقد فشلت منظومة الأمم المتحدة في سوريا. ولكن لا يمكننا إصلاح ذلك عن طريق القيام بتعديلات صغيرة أو حتى تغييّرات كبيرة في نظام الأمم المتحدة. فالسبب في اختلال عمل المنظمة هو أنّ القوى الكبرى في مجلس الأمن قد صممّته ليفشل. لقد شهدنا حالات مماثلة في الماضي في حروب سابقة في البوسنة. ولا ينبغي أبداً أن نتفاجئ من سخرية دبلوماسية الأمم المتحدة.

(الصورة الرئيسية: زميل المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية الدكتور ريتشارد غوان. الصورة بإذن خاص منه) 

 

شارك المقالة: