عقدة الإسلام السياسي السوري وعقدة مستقبله

عقدة الإسلام السياسي السوري وعقدة مستقبله

حمّود حمّودحمّود حمّود

كاتب وباحث سوري، متخصص في الإسلاميات، يكتب وينشر في عدد من الصحف والمجلات والمواقع العربية، منها الحياة والمسبار. صدر له: “سورية والصعود الأصولي (حوار مع الكاتب عزيز العظمة)، دار الريس/ 2015، و “بحثا عن المقدس، البعث والأصولية” عن دار جداول عام 2014، إضافة إلى عدد من الترجمات.

بقلم .

لنتفق بداية على نقطة: من الخطأ التاريخي الكبير النظر اليوم إلى شكل ومسار الإسلام السياسي في سورية، بعد دخول أزمتها العام السابع، بنفس العين كما ننظر بها إلى مستقبل الإخوان المسلمين عموماً أو أية حركة دينية لديها مشروعها السياسي، أو أنْ نقايسه وفق الأطر التي انتهت إليها الدولة الكهنوتية الإيرانية. لقد تجاوز الشرط السوري التاريخي كل هذه الأشكال الكلاسيكية من الإسلام السياسي، وإنْ كانت الكثير من حركاته قد انبثقت من داخل بنيته العدمية. لقد وعدنا خامنئي مرّة مع بداية الربيع العربي أنّ هذا الربيع هو استكمال للثورة الإسلامية، بحيث ستمخض حكماً إسلامياً. إننا نفهم كيف يفهم خامنئي الربيع العربي ونفهم كذلك عن أي حكم إسلامي يحلم به. لكن حتى هذا الحلم الإيراني، الذي من المفترض أنْ تكون سورية نبضه المستقبلي، قد اصطدم بجدران تاريخية قد أفرزتها عقدة الإسلام السياسي السوري. وبالفعل، لم تكن المسألة بهذه البساطة الأصولية كما كان، وما زال، يحلم بها أصوليو طهران.

والحال، أنّ عقدة الإسلام السياسي السوري تستمد خيوط تعقيدها من خيوط عقد الأزمة السورية ذاتها، من جهة، ومن عقدة خيوط البنية الفكرية الأصولية ذاتها، من جهة أخرى، سواء أخذت هذه البنية شكلاً سنياً أم شيعياً، كما سيأتي معنا. إنّ هذه العقدة هي التي أفرزت لنا اليوم لا إسلاماً سياسياً واحداً، مشروعاً إسلامياً دولتياً متجانساً، بل “إسلامات سياسية” تتصارع في المقدّس وعلى المقدّس، إسلامات جديدة كلّ الجدة على ساحة الإسلام السياسي الكلاسيكي. إنّها أشكال لا تبدأ بإعادة هيكلة الإسلام السياسي السني المعولم في سورية والعالم عموماً، وفق أطر وشروط معولمة جديدة، ولا تنتهي بولادة أشكال تأسلمت سياسياً حديثاً، أقصد المشروع السياسي الشيعي، عاصمته طهران. إنّ كلٍّ من هذه المشاريع الأصولية له مشروعه العدمي الخاص في سورية المناقض لأي مشروع آخر، وبخاصة إذا ما نظر بعين النقد ارتباط كلّ منها بعقد سياسية إقليمية ودولية، لكن أيضاً بعقد تستمد هيجانها من منظومة الله والتراث. لقد أصبحت سورية، والحال هذا، “أرض صراع العدميات”.

لا مناص أمام هذه العقد العدمية من طرح أسئلة بسيطة من قبيل: عن أي مستقبل نتحدث؟ عن أيّة سورية نتحدث (إذا ما أزيل شكلها السايكس-بيوكي الحالي من على الخارطة)؟ عن أي إسلام سياسي نتحدث؟ إذا ما قاربنا منهجياً، مثلاً، سؤال مشروع الإخوان المسلمين في سورية في إقامة دولتهم الإسلامية المتخيّلة، فبالتأكيد لن تكون لهم اليد الطولى إذا ما سقط بعث الأسد وزمرته (وهو الرأي الذي شدّدت عليه منذ بداية الأزمة السورية في حوار مع جريدة تونسية، كان قد نشر في مواقع أخرى). الأمر نفسه ينطبق على أهداف السياسات الثيو-بوليتكية الإيرانية في سورية. لكن حتى مع هذا الطرح، فإنّه من المغالطات المنهجية اليوم أنْ نقصر حديثنا عن الإسلام السياسي السوري على أيّ واحد من هذه الأشكال فيما يخص مستقبل الإسلام السياسي عموماً في سورية. لا ينبغي أبدأً إهمال التفكر أنّ شرط نجاح أيّ من هذه الإسلامات مرتبط بمستقبل أي خيط من خيوط هذه العقدة السورية ومصالح الدول فيها. قيام وزن إسلامي سياسي متجانس في سورية له الكلمة الفصل في القرار السياسي سيهدّد حتماً رؤوس دول المنطقة (بالطبع هو ممتنع ذاتياً عن التطبيق لأسباب بسيطة تصدم بالفسيفساء السورية الاجتماعية). مثل هذه الدول لن تسمح حتماً بمثل هكذا تجانس ديني-سياسي موحد في حكم الدولة. نقول هذا الكلام ونحن ندرك في وعينا الخلفي أنّ الصورة لن تكون على هذه الدرجة من النفي إذا ما قامت هويات طائفية، سيقام بتسييسها، تحمل في جعبتها إنشاء كيانات سيا-دينية. ما يدعم هذا هو اتجاه سياسات الدولة التي تزداد تديناً، أو بالأحرى تزداد انحطاطاً في “تديين الأزمة السورية”، من جانب، ومن جانب آخر ما يتعلق بهوية الدولة العبرية في المنطقة وما تريده من سورية. في هذا السياق يمكن التشديد على أنّ أيّ مسار منظومة إسلام سياسي في سورية سيتماشى حتماً مع الهيكليات الطائفية إذا ما كتب لها النجاح في سورية. من الصعب فصل المسارين في سورية، من الناحية السياسية أو الجيو-بوليتيكية، أقصد فصل المشروع الأصولي عن هويته الطائفية. بكلمات أخرى: من الاستحالة بمكان فصل أي مشروع أصولي بحامله الأنثروبولوجي البنيوي الذي يستند إليه: الطائفة. فكما أنّ مشروع الأصولية هو مشروع طائفة، فكذلك الأمر فإنّ مشروع الطائفة هو حكماً مشروع أصولية.

نقول هذا الكلام لكي نشدّد بشكل غير مباشر على استحالة وضع رؤية مستقبلية للإسلامات السورية السياسية في هذه اللحظات من عمر أزمتها. ربّما من المهم التركيز مستقبلاً على مقاربة هذه الإسلامات، وذلك بالأخذ بعين الاعتبار المنهاجي الآنية الشرطية والتاريخية لها، وإلا ستكون المقاربات قفزاً على العقد السورية المتشابكة بنيوياً بعقد العالم، أو على الأقل ستكون شعوذة تضرب برمال الصحراء. ربما من الأهم معالجة كل شكل من أشكال الإسلام السياسي ضمن شروطه نفسها وعلائقه الجهادية والطهورية مع أشقائه المنافسين له وما مدى ارتباط هؤلاء بمصالح الدول.

مشكلة منهاجية أخرى تصعب على الباحث قراءة المسارات الأصولية المستقبلية في سورية هي ما يتعلّق بضبط أصولية الأصولي نفسها معرفياً. وهذا الإشكال في الواقع يعود إلى أنّ أحد المعاني المستبطنة للأصولية أنها “بـلا معنى”، غير قابلة لأنْ تركن في أرض أيديولوجية محدّدة، لا بل حتى أنّ “المعنى الأصوليّ”  في مرجعيتها يتبدّل، وذلك وفقاً للشرط اللحظيّ الذي تعيش به الأصولية. هذا هو السبب مثلاً في التخبّط الغربي في قراءة مسار حزب العدالة والتنمية في تركيا، وذلك فيما يتعلّق بالاختلافات الحادة في إدراجه ضمن منطمة الإخوان المسلمين أو ضمن يافطة ما يطلق عليه حديثاً بـ “ما بعد الإسلام السياسي” (وهي المقولة التي يكرّرها الباحث الإيراني آصف بيات، انظر مثلاً الكتاب الذي حرره: Asef Bayat, Post-Islamism: The Many Faces of Political Islam  (2013)) التي تسترشد العمل ضمن حدود الدولة الوطنية والقومية. وهذا أيضاً سيكون السبب في التخبّط في قراءة الأصوليات التي تقاتل في سورية، والذي يمكن قراءة بعض من ملامحه اليوم، مثلاً: التخبّط في قراءة الميليشيات الأصولية الطائفية التي تقاتل مع النظام السوري، أو في تخبّط المعارضة السورية عموماً في قراءة نفسها أولاً وفي قراءة الأصوليات السنية القوية على الأرض ثانياً، وعدم تجرأ الكثير منها إلى الآن الوقوف ضدها على أنها أصوليات إرهابية خرجت لتحطم المشروع الوطني السوري.

لقد شهد المشهد السوري في الواقع وعاين كل الأشكال الأصولية والطائفية التي خبرها العالم، لا بل أنتج مسارات جديدة من الإسلام السياسي وأعاد إحياء أخرى بأثواب جديدة، الأمر الذي يؤكد على ما نذهب إليه من استحالة ركن الأصولية الدينية بزاوية منهاجية منضبطة يمكن من خلالها درسها. ما أثبتته أزمة الأصوليات السورية أنّ انشقاق أو ولادة، أو قل إعادة ولادة، حركات أصولية جديدة دائماً ما يتوّلد معها، أو يجب أنْ يتوّلد معها صراع مع الأشقاء الأصوليين الآخرين، الأمر الذي كان ينتج لسورية حروب على العدم وفي العدم. الصراع السني- الشيعي، في كل أشكاله الطائفية الأصولية، مثال مهم على هذا، لا بل أصبح العنوان العريض للأزمات البنيوية في المشرق.

هل يمكن التجرؤ، والحال هذا، على التأكيد أنّ ما سيسفر عنه هذا الصراع الأصولي الطائفي، هو الذي سيحدد شكل “الخرائط السورية” المستقبلية؟

 بعض الباحثين الغربيين قال هذا الكلام وشدّد عليه منذ 2006 على خلفية الصراعات الجهادية والطائفية في العرق (كما هو الحال مثلاً في مقالة الباحث الإيراني-الأميركي ولي نصر: Vali Nasr, The Shia Revival: How Conflicts within Islam Will Shape the Future, W. W. Norton & Company (2007)). لكنّ المضي في هذا التأكيد في الحال السورية (التي لا يمكن فصلها عن فصول المسرح الأصولي العراقي) أمر لا شك سيُترك للشروط التاريخية في كيفية حلّ (وربما إعادة هيكلة) الأوتاد المتشابكة بالتربة السورية، دولياً وإقليمياً، من جهة، ومن جهة أخرى مرتبط بالأشكال المستقبلية لعقدة الإسلامات السورية السياسية السنية والأشكال الأصولية الطائفية الشيعية التي تستمر إيران في زرعها ضمن بيئة خصبة جداً، بيئة تبدي استعدادها الدائم في تشرب أسطورة “غضب الإله”، الغضب الذي تترجمه قيامة أصولييه على الأرض: تطهيراً لمقدسه، لكن أيضاً انتصاراً لغضبه.

(الصورة الرئيسية: مدرسة ابتدائية بمدينة منبج حولها تنظيم داعش لمقر أمني له. تاريخ التقاط الصورة: 19/08/2016. حقوق النشر: تصوير كمال شيخو خاص حكاية ما انحكت)

(هذا المقال ينشر بالتعاون والشراكة مع أوبن ديموكراسي ومؤسسة سمير قصير)

شارك المقالة: