ست سنوات ثورة.. إصرار على الأمل

ست سنوات ثورة.. إصرار على الأمل

محمد ديبومحمد ديبو

رئيس تحرير موقع حكاية ما انحكت (النسخة العربية). باحث وشاعر سوري. آخر أعماله: كمن يشهد موته (بيت المواطن، ٢٠١٤)، خطأ انتخابي (دار الساقي، ٢٠٠٨). له أبحاث في الاقتصاد والطائفية وغيرها.

بقلم .

ست سنوات مرّت، موّزعة على الكثير من القهر، والكثير من الموت، والكثير من الفقدان، والكثير من ألم يكاد أن يكون متفرّدا بين كل الآلام التي عرفتها البشرية.

ست سنوات، بكينا فيها كثيرا، ومتنا كثيرا، وكفرنا كثيرا، وفقدنا الكثير من الأحبة في السجون والقبور، أحبة كان من المفترض أن يكونوا عشاقا أو أباءا أو أطباء ناجحين.

ست سنوات، انقسمنا فيها على بعضنا، وشُرّدنا، انتقلنا فيها من اليمين إلى اليسار، ومن اليسار إلى اليمين، تنقّلنا بين أفكار كثيرة وطروحات كثيرة وعبرنا أفخاخا كثيرة، بحثا عن الأمل.

كل هذا اليأس والألم صحيح، ولكن الصحيح أيضا، أنها ست سنوات مفعمة بالأمل، مفعمة بالتحدي، مفعمة بالتغيير والعمل له، مفعمة بالثورة، تلك المفردة التي غيّرت حياتنا وأيامنا، تلك الكلمة التي كان مجرّد قولها في بلاد الاستبداد السوري والمحيط الاستبدادي العربي يعتبر كفرا وجريمة، فها هي على كل لسان رغم أنف المستبدين والثورات المضادة والقتلة المحليين والدوليين، أليس هذا إنجازا؟

هي ست سنوات، من الإيمان بالتغيير والسعي له، هي ست سنوات من التجريب، هي ست سنوات من محاولة البحث عن مخارج وسعي دائم لإيصال السفينة السورية إلى شواطئ الآمان.

هي سنوات من محاربة اليأس، إذ رغم كلّ القتل والتدمير الذي يمارسه النظام، ورغم كلّ عناصر الثورة المضادة التي ولدت في قلب الثورة وضفافها، ورغم كل محاولات الدول الإقليمية (صديقة وعدوة) تربية شعوبها بالسوريين وغيرهم لئلا يطالبوا بالحرية، ورغم كل أخطائنا التي نكرّر الكثير منها بالمناسبة، ورغم كلّ هذا الإرهاب الذي تمكن من استغلال الثورة وتقديم الذرائع للنظام و”المجتمع الدولي” لخنق أحلامنا… رغم كل ذلك، لا يزال هناك سوريون كثر يرفضون الاستسلام، فمن بين براثن القصف واليأس يخرج في مدينة دوما متظاهرون يرفضون محاولات “المجتمع الدولي” تمييع القضية السورية وجعلها مسألة محاصصات لا حقوق.

هل هذا مجرد تفاؤل مبني على أمل كاذب؟ هل هذا مجرد “ثرثرة ثورية” لم يعد لها مكان في الواقع؟

تعالوا نتحدث عن الانجازات بعد أن تحدثنا عن الكثير من اليأس وواقع الحال الصعب: هل أحد اليوم من السوريين يصدق أن لدينا نظام في سورية؟ ألم يتغير وعي السوريين عن نظامهم والعالم؟ ألم يفقد النظام كل مرتكزاته الأخلاقية و”العقد الاجتماعي” الذي كان يربطه بالسوريين؟ ألم تسقط كل إيديولوجيات النظام، بدءا من الممانعة وليس انتهاءا بالعلمانية؟

قد يقول قائل: ما أهمية هذا؟

أهمية هذا، أنّ أي نظام لا يمكنه أن يحكم بمجرد العنف وحده، إذ يحتاج إيديولوجيات ومرتكزات وقبول أجزاء من الشعب به، فنظام الأسد لم يحكم طيلة عقود لأنه كان مستبدا فحسب، بل لأن ثمة مرتكزات داخلية وإقليمية (القومية العربية، فلسطين، العلمانية، البعد الاجتماعي في سياسات النظام الاقتصادية في مرحلة التأسيس، الطبقات المسحوقة، الاتحاد السوفياتي إبان الحرب الباردة…) كانت مستندا له،  ولأن ثمة “شرائح مجتمعية” كانت مقتنعة بخطابه وبأنه يعبّر عنها… اليوم كل هذا سقط، وأصبح النظام مجرد آلة عنف متنقلة، ما يعني أن الخطوة الأساسية قد أنجزت، فيما بقي العمل على ترحيل هذه الجثة ودفنها، وهو ما يحتاج الكثير من العمل، وهو درب يحتاج الكثير من الصبر، والأهم أنّ علينا إجراء الكثير من المراجعات والنقد والانتقال من الثورية الحالمة التي طبعت الكثير من نضالنا إلى الثورية الواقعية التي تبني خطاها بناءا على استراتيجية طويلة الأمد، فالدرب طويل ويحتاج الكثير من الصبر والنضال، النضال ضد وعينا الزائف بالضرورة عن الكثير من الأشياء، والنضال ضد أدوات نضالنا واختبارها من جديد، بحثا عن آفاق وأمال كبرى، وهذا ليس صعبا أبدا، فحين سدّت أبواب “العدالة الانتقالية” التي كان يطالب بها السوريون كجزء من الحل السوري، ها هي مجموعات سورية تبحث عن العدالة بطرقها الخاصة عبر تحشيد الجهد لدفع القضاء في بلدان متعددة للتحقيق في جرائم الحرب السورية. هذا مثال عما يمكن أن نفعله، فلنفتح مجرى النقد ولنرّمم الأمل.

(الصورة الرئيسية: تصميم صمم بمناسبة الذكرى السنوية السادسة للثورة السورية. المصدر: شبكة جيرون)

شارك المقالة: