المدارس الجعفرية في الساحل السوري: خطوة في طريق الألف ميل الشيعي

المدارس الجعفرية في الساحل السوري: خطوة في طريق الألف ميل الشيعي

حازم مصطفى (اسم مستعار)حازم مصطفى (اسم مستعار)

كاتب وصحفي سوري مقيم في اللاذقية

بقلم .

(اللاذقية)، يعترف “غدير” أنه لم يكن يصلّي قبل ارتياده لمدرسة مجمع جامع الرسول الأعظم في مدينة (اللاذقية)، ففي قريته الجبلية (العلوية) لا يوجد هذا الطقس رغم وجود الجامع فيها منذ عقود، مضيفاً: “يستغرب بعض أهل قريتي قيامي بالصلاة، فهو طقس لم يعتادوا عليه في حياتهم اليومية”.

يسافر غدير (17 عاماً) يومياً من إحدى قرى ريف بانياس إلى اللاذقية (90 كم) لحضور دروس المدرسة الثانوية التي انتمى إليها بعد نيله شهادة التعليم الأساسي (التاسع)، ففي “البداية رفض أهلي الفكرة، ثم تقبلوها عندما عرفوا أن المدرسة ستدفع نفقات دراستي، عدا عن أنّ شهادتي الثانوية تؤهلني لمتابعة دراستي الجامعية في نفس المجمّع”.

 تأسست غالبية المدارس الجعفرية في عهد الأسد الابن إذ أنّ النظام السياسي السوري في فترة الأسد الأب قدّم نفسه للعالم دائماً كنظام علماني، فرفض تأسيس أيّة منظومات تعليمية خارج المنظومة الحكومية التي تدرّس فقط  المذاهب السنية الأربعة بما في ذلك كليات الشريعة الجامعية، باستثناء معاهد تحفيظ القرآن التابعة للأوقاف.

حارب النظام أٌقوى هذه المنظومات متمثلة في محاولات (جميل الأسد) نشر (العلوية) بين السوريين عبر سلطة جمعيته (المرتضى) (تأسست 1981)، إلا أنه وفقاً لما يقوله المدرس (مجتبى) (45عاماً) خريج كلية الشريعة جامعة (دمشق) ومقرئ قرآن في إحدى المدارس: “سعى (جميل الأسد) بالمقابل لربط العلويين بالمرجعية السنية الكبرى (مكة) عبر بعثات الحجيج التي كان يرسلها مأجورةً إلى هناك، كما أنّه أحرق عدداً من المزارات العلوية أواسط الثمانينات لقيت استنكاراً كبيراً من رجال الدين والمجتمع، مما استدعى قراراً رئاسياً بحلّ الجمعية وإيقافها عن العمل كلياً شتاء 1983″، ومع أنه كان هناك فعلاً بعثات حجيج فإن الصورة المتداولة (بما في ذلك شعبياً) تناقض هذا الكلام، وتقول بنشر “التشيّع” كما نقل ذلك مثلاً “نيقولاوس فاندام” في كتابه “الصراع على السلطة في سورية”.

مجمع الرسول اﻷعظم الذي تأسس عام 2006 كمسجد ثم كبر حتى أصبح مجمعا تدريسياً رئيسياً وجامعة فيها قسم قانون وكلية شريعة. تصوير: حازم مصطفى/ فبراير 2017

لم تتوقف أبداً محاولات التشييع في عموم سوريا وليس في الساحل فقط، إلا أنّ الانغماس الإيراني في المقتلة السورية أعطاها قوةً مضافة أمام النظام السياسي فباتت قادرة على التأثير المباشر على القرار السيادي السوري والتربوي أهمه، فهذه البوابة تساعد كثيراً في تأطير العمل التبشيري الشيعي ضمن أطر قانونية ورسمية، سواء ببناء المدارس والحسينيات والجوامع أو الجمعيات الخيرية التي تساعد كلها في نشر الفكرة.

ولا يتحاشى التشييع في الساحل الاقتراب من غير العلويين، رغم أنه يتوّجه أساساً هنا إلى الأقليات التي تربطه بها (مظلومية تاريخية) يمكنه اللعب عليها في جرّها إلى  الحظيرة الشيعية الكبرى، إلا أنّ نسبة السنّة المتشيعين ضئيلة جداً وتتركز في مناطق السكن العشوائي، وتكاد وفقاً للشيخ “عمر” (40عاماً) خريج كلية الشريعة في دمشق وإمام أحد جوامع حي “الرمل الفلسطيني” لا تتجاوز أصابع اليد، حيث “إنّ الحرب السورية عزّزت  تصوّرات استهداف الطرفين لبعضهما، وكادت تذهب بعلاقات الجيران في مهب الريح لولا تدخل عقلاء الطرفين (في اللاذقية تدخل آل غزال من العلويين وآل سلواية من السنة بعد مظاهرات العام 2012 لتهدئة الشارع العلوي المستنفر وقتها)، خاصة بعد تحوّل الحراك في سورية بمفاعيل عديدة باتجاه التطرف الديني”.

يقول الصحفي مجد  (35عاماً) وهو عدا عن كونه من منطقة البهلولية التي افتتحت فيها مدرسة مؤخراً يعمل في وسيلة إعلامية محلية “موالية”: “دعنا نعترف بقضية هامة، أنّ وزارة الأوقاف منذ تأسيسها لم تقم سوى بقليل من الجهد لصالح أهل الجبل (ذو الغالبية العلوية)، وغالبية هؤلاء فقراء ومفقرين ولا قدرة اقتصادية لهم لبناء المدارس والجوامع، كما لا توجد ثقافة التبرّع التي تشتهر بها المدن، ما يفعله الشيعة أنهم يبنون مساجد ومدارس بالضغط أو التأثير على الوزارة وهم من يدفعون تكاليفها كلها، لا بل إنّهم يدفعون رواتب لأساتذتها وطلابها”.

جغرافياً، تتوّزع هذه المدارس في طرطوس على مناطق الدريكيش وصافيتا حيث توجد في حسينية أنشأتها الجمعية الخيرية الإسلامية الجعفرية عام 1975 بتمويل محلي، وفي مدينة طرطوس في  جامع خديجة (الذي كان اسمه باﻷساس جامع عائشة ولكن احتجاجات متكرّرة قادت لتغيير الاسم رسمياً نظراً لكره المذهب الجعفري لشخصية عائشة)، أما في اللاذقية فيوجد مدارس في كلّ من في كرسانا (شمال المدينة)، ورأس العين في ريف جبلة، والبهلولية والقرداحة إضافة إلى مدرسة الرسول الأعظم.

أما المنهاج فكما يقول المدرس “مجتبى”: “يقسم إلى جزأين أحدهما مشترك بين تلاميذ التعليم الديني ككل ويسمى (الكونيات) ويتضمن العلوم والرياضيات واللغة العربية وغيرها، والثاني (فقهيات) يختلف تبعاً للمذهب الذي تدرسه المدرسة، هنا يتم تدريس الفقه الجعفري المنسوبة تعاليمه إلى سادس أئمة آل البيت (جعفر الصادق)، وهي نفسها تعاليم المذهب العلوي في شؤون العبادات واليوميات (فقه الحياة)”.

في مواد الفقه الجعفري، يتم التركيز على تعليم الطلاب عبر سنوات دراستهم الثلاثة أسس وفقه المذهب الجعفري التي تتضمّن وفقاً للشيخ “شوقي حداد” كما وردت في كتابه “العقائد الإسلامية الجعفرية عند الشيعة العلوية”: “المسائل الاعتقادية التي علّمنا إياها الإسلام الحنيف من خلال كتاب الله وسنة رسوله والأئمة الأثنا عشر من ولده وتتلخص في أصول الدين الخمسة وهي: التوحيد، والعدل، والنبوة والإمامة والمعاد”.

يوضح لنا أحد موظفي قسم المناهج في مديرية التربية في اللاذقية أن انتماء المدرسين الديني متعدّد، وغالبيتهم سوريين (من الفوعة وكفريا، ومن السيدة زينب وبعض متشيّعي الساحل، وفيهم بعض السنة المكلفون بالتدريس رسمياً)، ولوحظ وجود مدرّسين إيرانيين يتقنون العربية تماماً يدرسون بها بعض المواد، أما الإدارات فهي سورية، ويتم قبول الطلاب بناء على مفاضلة عامة تجري بعد ظهور نتائج التعليم الأساسي (التاسع)، وعادةً فإنّ أصحاب العلامات المتدنية ممن لا يحق لهم التعليم العام (العلمي والأدبي) هم من يقبل فيها، وهناك مقاعد مخصّصة لهم فيها ونسبة قبول تحدّد من قبل وزارتي الأوقاف والتربية ويتلقون بدلاً نقدياً كما في التعليم الثانوي غير العام (الصناعي والتجاري والنسوي) في البلد (أحد موظفي قسم المناهج في مديرية التربية في اللاذقية)  “إن الإشراف عليها يتبع بالكامل لوزارة الأوقاف ولا علاقة لوزارة التربية به”.

يرفض الصحفي مجد ما يقال عن أنّ غاية هذا الكرم هو تشييع المنطقة، ويضيف: “لا يمكن عملياً تشييع القرى بسبب وجود طبقة رجال الدين (المشائخ) الذين يستمدون سلطتهم من جهل الناس وسيطرتهم على الطقوس الدينية كلها، وليس لهم مصلحة في تفتيح العيون على ضعفهم العلمي والمعرفي أمام رجال الدين الشيعة خريجي الحوزات العلمية والجامعية، سواء تعلّق الأمر بالفقه الجعفري أو بالعقائد الباطنية التي لا تعطى للعوام، كما أنّهم هم وحدهم الوكلاء الحصريين للزكاة التي ينتفي في الجيل أثرها الاجتماعي بسببهم ويحاربون بشدة أيّ تغيير لهذه الأنماط”.

يعتقد مجد أيضاً، أنّ محاولات التشييع “يمكن أن تنجح في المدن أكثر بسبب غياب ضغط رجال الدين والدعم الجزئي من السلطة كما حصل في جزء من حي (الدعتور) (شمالي اللاذقية ويبلغ عدد سكانه الكلي قرابة ربع مليون) الذي تشيّع بسبب الفقر، ولكن في الريف ليس من مصلحة السلطة الدخول بمواجهة معلنة أو خفية مع هؤلاء، لأنّ هؤلاء هم خزانها البشري.. هذا الصراع تجلّى واضحاً أوائل التسعينيات حين ضغط رجال الدين العلويين لطرد إمام جامع الإمام جعفر الصادق (وهو شيعي من الفوعة) في حي الرمل الشمالي (اللاذقية)، عبر علاقاتهم “.

حتى اليوم فإنّ منتسبي هذه المدارس هم من الجبل العلوي، ريفاً ومدينة، ويندر جداً وجود أيّ شخص خارجها، اللافت وجود عدد لا بأس به من الفتيات فيها، يتلقين تعلميهن الديني، إذ تقول هدى (18عاماً)  من مدرسة رأس العين في (جبلة) وهي ترتدي الحجاب فقط أثناء الدراسة والصلاة والتلاوة (لعدم اعتياد العلويات على ارتياده):  “إلى وقت قريب كانت قراءة القرآن من قبل النساء مرفوضة من المجتمع ورجال الدين معاً، عندما توفيت أمي قرأتُ عدة سورٍ على قبرها أمام الناس، فكانت ردة فعل الحاضرين الاستغراب والاستهجان وقمعني أحد المشايخ، إلا أنّني لم أعبأ بهم وشجعني أبي، اليوم أدعى للترتيل في وفيات منطقتنا”.

حتى اليوم لم تظهر في الساحل علناً ولا سراً احتفالات شيعية كاللطم والضرب كما في المدن الأخرى (دمشق مثلاً )، إلا أنّ المشاركة الفاعلة لرجال الدين الإيرانيين في احتفالات المدارس بالمناسبات الشيعية (مثل عيد الغدير وعاشوراء، وهي أيضا مناسبات علوية) وتقديمهم للهدايا (الكتب أبرزها) تخرجها إلى حدّ ما عن دورها كمدارس دينية الطابع إلى مدارس يمكنها نشر التشيّع بطرق متعدّدة.

يتنوع الموقف الأهلي من هذه المدارس، فالبعض يرى أنّها فرصة لخلق مرجعية للطائفة العلوية في ظل إفشال الأمر عدّة مرات من قبل النظام السياسي السوري وصلت إلى حدّ التصفية، كما حدث مع الشيخ الدكتور المهلب الحسن من طرطوس الذي اغتيل عام 1984 في ظروف غامضة بعد مطالبته العلنية بمرجعية علوية، في حين يذهب آخرون إلى الخوف من الأجندة السياسية للتشيّع، إذ يقول المدرس (مجتبى): “السوري السني أقرب إليّ من الإيراني الشيعي، نحترم الشعب الإيراني وقيمه وحضارته ولكن لا نريد التفريط بالطائفة خدمةً لمشروع سياسي ولا نريد أن نكون من أدواته، ويتحمّل النظام السياسي المسؤولية الكاملة وراء هذه التوجهات وتصاعدها في الساحل الذي بقي عبر تاريخه محتضناً لكل أبناءه ومن مختلف الطوائف”.

على الأرجح سينهي “غدير” دراسته الجامعية في مجمع الرسول الأعظم ويعود إلى قريته إماماً لجامعها الذي يعمل على توسيعه بمساعدة من المجمع، وبالتأكيد سوف يلقى كثيراً من العناء بمواجهة رجال دين منطقته، إلا أنّه كما يقول: “مستعد للتضحية في سبيل تصحيح العقيدة والدين غير عابئ بأحد في ظل دعم لا محدود يوّفره الأخوة في الدين”.

ملاحظة: كل الأسماء مستعارة.

(الصورة الرئيسية: مجمع الرسول اﻷعظم الذي تأسس عام 2006 كمسجد ثم كبر حتى أصبح مجمعا تدريسياً رئيسياً وجامعة فيها قسم قانون وكلية شريعة. تصوير: حازم مصطفى/ فبراير 2017)

شارك المقالة: