دروز سورية: مقاربة ما لا يُقارب

دروز سورية: مقاربة ما لا يُقارب

بقلم .

 

بالتعاون مع المؤسسة الأورومتوسطية لدعم المدافعين عن حقوق الإنسان، نشر الباحثان السوريان، عبدالله أمين الحلاق وإياد العبدالله، دراسة تاريخية حول “دروز سورية” في موقع “مجموعة الجمهورية”. دراسة تقع في حوالي 15 ألف كلمة تتناول تاريخ وواقع الدروز في سورية منذ بداية وجودهم وصولاً إلى ما بعد الثورة السورية وتشعباتها وتعقيداتها، وما أفرزته من تحديات سياسية وأمنية وطائفية واجتماعية.

ويعتبر الباحثان أن دراستهما “لا تسعى لقول كل شيء عن الدروز، وهي لا تدّعي ذلك”. وبأنها “تطمح إلى المساهمة في ذلك السجال العام الذي أخذت تتسع مساحته بين سوريين كُثُر، ولدى مهتمين ومتابعين لشؤونهم وأحوال بلادهم إثرَ اندلاع الثورة فيها في آذار 2011. وهو سجالٌ أخذَ، في جانبٍ بارزٍ منه، يحتفي بالجماعات ويتساءل عنها وحولها، ويحاول أن يفهمها ويفهم اصطفافاتها، لا سيما بعد أن تصدّر الإسلاميون ساحات القتال ضد النظام”.

وتشدد الدراسة على أن “تناولُ “الجماعات” في مجتمعٍ كالمجتمع السوري يشبه السير في حقل الألغام، إذ لا بد أن يصطدم الباحث بالأسوار والأسرار التي سُيّجَت بها مجتمعاتنا طوال عقود، من خلال سياسات الإنكار والتعمية التي لحقت بها، لا سيما في الحقبة الأسدية”. ذلك أنّ “الكتابة في الشأن السوري والجماعات كتابة مفخخة، تماماً مثل المجتمع السوري، وفي حالات النزاع السياسي والاجتماعي، تزداد الأعباء والحساسية تجاه هذه الكتابات عموماً”.

وجود “الدروز” في سورية

 يتوزع الدروز ما بين سورية ولبنان وفلسطين والأردن. وينتشرون في سورية في العديد من المناطق، إلا أنّ جبل حوران يُعتبر التجمّع الأهم لهم، إذ يشكلون أغلبية سكانه وفيه أهمّ مدنهم وقراهم، كالسويداء وشهبا وصلخد وغير ذلك. وللدروز تواجدٌ أيضاً في محافظة القنيطرة، وجزءٌ منهم في الجولان المحتلّ، وكذلك في ريف دمشق لا سيما مدينتي جرمانا وصحنايا، وكذلك في ريف إدلب حيث يتوزعون على قرابة 18 قرية في ما يسمى بـ “جبل السمّاق”.

ومن المرجّح أن التواجد الدرزي في جبل حوران هو تواجد حديث، يعود بحسب أقصى التقديرات إلى نهايات القرن السابع عشر، عام 1685 م، حيث هاجر إليه من لبنان ما يقارب 200 شخص من الدروز مع عائلاتهم. ثم تبعت ذلك موجةٌ أخرى أكبر حجماً في 1711 م، وذلك على خلفية الصراع بين اليمانيين “وهم الدروز على ما يبدو”، والقيسيين “الأمراء الشهابيون” الذين كانت لهم الغلبة. وكانت المواجهات بين الموارنة والدروز 1840-1860م سبباً أيضاً في هجرة كبيرة للدروز نحو جبل العرب.

خريطة لمدينة السويداء. ويكيبيديا

“لا يعني ما تقدم أننا حيال مجتمع منسجم، بل إننا نستطيع أن نقف على العديد من الانقسامات التي تنبع من اعتبارات عديدة، منها ما يعود إلى المنافسة بين العشائر الكبرى، لا سيما على السيادة والمكانة. هذا من دون نسيان انقسام من نوع آخر أيضاً، انقسام عمودي طبقي قوامه وجود طبقة من مُلّاك الأراضي وطبقة من الفلاحين العاملين لديهم. لكنه يتميز بأنّ كلاً من المالكين والفلاحين هم من الدروز، ولم يخضع الفلاحون في جبل حوران لإقطاعيين من خارج “الطائفة” كما كان الحال عند العلويين. لم يُبعِد هذا عن الفلاحين الدروز مظالم الملّاك، وهو ما دفعهم للاعتراض والانتفاض على واقع حالهم، كما حدث في “الثورة العامية 1890″، حيث انكسر آل الأطرش أمام ثورة الفلاحين الذين دُعِموا من قبل خصوم آل الأطرش، ما دفع هؤلاء الأخيرين للاستعانة بالعثماني الذي نجح بإخضاع الثوار، لكن مع تنازل آل الأطرش عن بعض امتيازاتهم في ما يخص ملكية الأرض والريع”.                

بالمعنى الاجتماعي

وفي “عالم الرجال”، ثمّة تقسيم اجتماعي تقليدي أيضاً. ويذكر الرحالة حنا أبو راشد أنّ أصوله تعود إلى ظروف دينية واجتماعية تمتد إلى حمزة بن علي، أحد أهم مؤسّسي المذهب الدرزي، والذي “أقفل باب الدعوة بوجه كل طالب”، لينتُجَ عن ذلك تصورٌ يقسم الوجود إلى قسمين: الأول “روحاني”، أي من “بيده أسرار الملة” وأعضاؤه ثلاثة: “رؤساء، عقلاء، أجاويد”. والثاني: “جثماني”، أي “لا يبحث في الروحيات، بل يبحث في الدنيويات”، وأعضاؤه: “أمراء، وجهال”. وزعماء هؤلاء الأخيرين هم من “بيدهم قبضة السيف، والزعامة الوطنية”. النساء الدرزيات يخضعن بدورهن لمراتبية تقليدية توازي تلك السابقة، وهن يقسمن إلى: عاقلات “يشتركن بالرأي، مع المشائخ الروحيين، ومعظمهن من نساء الزعماء”. وجويدات: “اللواتي يربين أولادهن على تعليم الدين فقط”. والراقيات: “وهن الأديبات والفاضلات”. ويذكر أبو راشد أنه يوجد خمسة منهن، على أيامه، في الجبل. والجاهلات: “لهن الفضل الأول خلال الحرب في مساعدة رجالهن، بجلب الماء وتدبير الغذاء وتنظيم الشؤون و…”.

بالنسبة للزواج، السمةُ العامة هي منع الزواج من غيرهم، رجالاً ونساءً، وهو أمر أحاله كمال جنبلاط إلى “العرف” لا إلى الدين، بل إنّه، ولهذا السبب، رأى أنّهم “عرق” لم يستطع التاريخ أن ينال منهم. كما لا يحق الزواج إلا من امرأة واحدة، وفي حال الطلاق لا يمكن للمطلقَين أن يعودا إلى بعضهما تحت أي ظرف.

تكمل الدراسة الإضاءة والبحث في تاريخ دروز سورية في المرحلة العثمانية، وفترة الانتداب الفرنسي على سورية ثم الاستقلال، وصولاً إلى ما بعد وصول حزب البعث إلى السلطة ثم وصول حافظ الأسد وتأسيس الحكم السلالي السلطاني وتوريثه لاحقاً عام 2000. وتشرح بالوثائق سيرورة تطور الثورة السورية في مناطق الأقليات انطلاقاً من واقع الدروز بين عامي 2011- 2016. أي بعد اندلاع الثورة السورية ضد النظام.

“الأقليات” و”الأكثرية”، مقاربة ما لا يُقارب

في كتاب “الجيل المُدان”، والصادر عن “رياض الريس للكتب والنشر”، تتحدث ابنة المؤلف منصور الأطرش أنها سألت أباها بعد إنهائه تأليف الكتاب: “هل ستنشر هذا، هنا؟”، فكان يجيبها: “دعيها الآن في الأدراج، وحين يحين وقتها نرى ما يمكن أن نفعل بها!”.

نستهلّ القسم الذي يلقي الضوء على “دروز سورية” بعد الثورة السورية، بهذه الواقعة التي تلخص تعامل الكاتب البعثي “الدرزي” وابن الزعيم التاريخي وقائد الثورة السورية الكبرى، سلطان باشا الأطرش، مع ما تضمنه كتابه من إشارات إلى المسألة الطائفية في سورية. هذا يضيء قليلاً على نمط من أنماط تعامل “النُّخب” السورية مع هذه الإشكالية التي لم يكن ليُتاح النقاش العلني فيها لولا الثورة. وأيضاً، على اعتبار تلك النخب بأنّ التعاطي مع هذه المسألة خطٌ أحمر. وخصوصاً، أنّ مؤلف الكتاب الذي ذكرناه أعلاه هو بعثي، بما يعنيه ذلك لدى البعثيين من “غلبةٍ” لما هو قومي على ما هو وطني، و”بالطبع: على ما هو طائفي”. “الوطني” مؤقت ومرحلي قبل “إنجاز الوحدة العربية”، والطائفي غير موجود، تناوُله ومقاربته والاعتراف به كحالة هو أمرٌ محرّم، يعلو كعب الإيديولوجيا البعثية عليه.

غلاف كتاب الجيل المدان لمنصور سلطان الأطرش. دار الريس

وإذا كان الاعتراض على منطق الحذر في تناول الواقعة الطائفية لا يستقيم إلا بالنقاش العام حولها في فضاء السياسة والثقافة السوريَّين، فإن ذلك يختلف عن دأب بعض “المثقفين” مناهضةَ التقية والصمت بالكلام الاستسهالي الذي يعطي حكماً على جماعة بشرية بالمجمل وفق مانوية الخير والشر، الثورة والنظام، السنّة والعلويين، الأكثرية والأقليات. ذلك أنّ الكتابات النمطية، وسورية اليوم أرضٌ خصبة للتنميط والاستسهال، هي في مكان ما منها استراحةٌ من عناء البحث في ظواهر وبُنى تحتاج إلى ما تحتاجه في فهم مقدمات اصطفافاتها اليوم تجاه الصراع في البلاد، الذي يُنذِرُ بتحوله إلى حرب طائفية صَرفة، إذا لم يوضع حدٌّ له.

هكذا، كان من النادر أن يقع المهتم على أبحاث ودراسات سورية تعنى بتناول سورية من حيث اجتماعياتها أو مكوناتها الثقافية والسياسية والاجتماعية، لأسباب كثيرة منها ما يعود إلى أن ذلك كان أحد المحرمات السلطوية، ومنها ما يعود إلى حساسيات إيديولوجية وسياسية اشتهرت بها نخب ثقافية وسياسية (حتى المعارِضة منها)، كانت مشدودة إلى مفردات التقدم والتنوير ونموذج الدولة المركزية القوية والصاهرة لمكوناتها. ولذلك، تعفّفت تلك النخب عن مقاربة هذه المكونات اعتقاداً منها أن تلك المقاربة تساهم في تكريس وشرعنة الموضوع المطروح!

خرج إسلاميون عن هذا الترتيب، وتناولوا المجتمعات ومكوناتها، لكنهم فعلوا ذلك عبر قنوات أيديولوجية تهدف إلى تكريس هذا التنوع بوصفه حقيقةً خالدة ووحيدة لهذا المجتمع، وبحيث يساعد في النهاية على استنتاج أنه يتكون من أكثرية وأقليات، وأنّ أيّ ترتيب سلطوي لا يفضي إلى سيادة هذه الأكثرية هو “اغتصاب لحقوقها”. كان هذا هو جوهر الخطاب السياسي لهؤلاء الإسلاميين الذين يسعون إلى السلطة، بوصفهم المعبرين عن هذه الأكثرية والمدافعين عن هويتها وحقوقها!

واستطراداً، فإنّ المجتمع السوري لا يزال منقسماً اليوم بعد حوالي 6 أعوام على انطلاق الثورة ضد النظام، بما يلوح حرباً تبدو الطائفية واحدة من محمولاتها، والمرجح أنّها ستستمر لفترة طويلة. إنّ الصراع في بعده الأهلي اليوم، لا يختزل في خانة الطوائف والطائفية كما تحاول بعض الجهات المنخرطة في الصراع أو المتابعة له القول، بل إنّ ثمة مستويات أخرى من الانقسام طالت حتى أبناء المجتمعات المحلية ذات المرجعيات الأهلية الواحدة أو المتقاربة، وقد ساهم في هذا، ذلك الحضور الإقليمي والدولي على الساحة السورية، الذي اختار أبواباً أهلية لاختراق هذه الساحة، عبر التمويل والتسليح والإعلام، فغدا لكل دولة جماعات وتنظيمات، والنظام الأسدي أبرز هذه الجماعات والتنظيمات الملحقة بجهات دولية وإقليمية. لا يعني هذا أنّ الأهلي والدولي يلخصان المشهد السوري وانقساماته الآن، فهذا الأخير يبقى أشدّ تعقيداً، إضافة إلى أنّ انقساماً ذا طبيعة سياسية وحقوقية لا يزال قائماً حتى الآن، وهو ذلك الذي تبلوّر منذ بدايات الثورة ضد طغيان النظام.

الثورة و”مفاضلات القمع”، أكثرية وأقليات

بالعموم، كان للتوّزع الديموغرافي للطوائف في سورية على امتداد الرقعة الجغرافية للبلد، ونسبة كلّ طائفة في منطقتها وعلاقتها مع الطوائف الأخرى في المناطق غير المتجانسة طائفياً، كان لذلك أثره في درجة علاقة تلك المكوّنات مع الحدث السوري ودرجة ونوعية انخراطها فيه، في الطور السِّلمي للثورة ثم الطور العسكري وما تلاه من تمرحلات تبدو مفتوحة.

لم يكن “السنّة” هم الحامل الاجتماعي الوحيد للثورة السورية ومطالبها بالطبع، ولكنهم شكّلوا الأغلبية العددية فيها بحكم الوزن الديموغرافي لهم من ضمن مكونات الشعب السوري. وكانت أكثرية المناطق الثائرة والمعروفة مجازاً بــ “النقاط الساخنة” في البلاد هي، موضوعياً، مناطق سنّية. وإذا كان قرار القمع واستخدام الحل الأمني – العسكري لقمع الانتفاضة قد اتخذ منذ اليوم الأول لاشتعالها في درعا “آذار 2011″، فإنّ القمع الذي ألحقه نظام الأسد بعموم السوريين الثائرين لم يكن يُوزَّع بالتساوي عليهم. وبدا، أنّ التوّزع والهوية الطائفية للمناطق المحتجّة على النظام يلعبان دوراً في هذا التمييز. إلحاق الموت “النوعي” بالسوريين المنتفضين وبذات الدرجة منه، يفترض اعترافاً من النظام بوجود قاسم مشترك بين هؤلاء السوريين جميعاً على كافة انتماءاتهم الإثنية والطائفية، وبوجود “قضية وطنية عامّة” هي التي فرضت الاعتراض على النظام. وعليه، لم تشهد مناطق الأقليات التي انخرطت في الثورة بدرجات متفاوتة مثل السويداء والسلَمية (ذات الأغلبية الإسماعيلية، والتي خرجت فيها مظاهرات بجموع كبيرة في الأشهر الأولى للثورة، واحتضنت عملاً إغاثياً وإنسانياً ومدنياً مناهضاً للنظام)، لم تشهد انتقاماً منها بالدرجة ذاتها التي قصفت فيها مدنٌ غيرها بالمدافع والأسلحة الثقيلة، وسقط في تظاهرات تلك المدن المئات من الشهداء برصاص القناصات. ذلك أنّ دحض “الهوية السورية” التي تبنتها الثورة بشعاراتها في البدايات لن يتم، من قبل النظام، إلا بافتراض “الحرب على الإرهاب” و”مواجهة التكفيريين والعصابات الإرهابية المسلحة” و”السلفيين والتطرف الديني المدعوم من قوى خارجية”. وغنيٌ عن القول، إن “مواجهة التكفيريين” هي مما لا يستدعيه قصف وحصار مناطق الأقليات التي انتفضت شرائح اجتماعية فيها ضد نظام الأسد، بل مناطق ذات هوية طائفية يسهل نسبُ “الإرهاب والتكفيريين” إليها، وفقاً لمنطق الاستسهال ذاته.

من هذه اللوحة العمومية لقراءة الفرز الطائفي في سورية وبداياته “من جانب النظام في البداية”، سننطلق إلى داخل مدينة السويداء لقراءة ودراسة الحِراك الذي شهدته: مقدماته، ظروفه، الوضع الاجتماعي وانجداله مع الطائفي ضمن الطائفة الدرزية الواحدة، والعلاقة مع المركّب السني المحيط بالمدينة التي تعدُّ معقل الدروز في سورية، والتحولات التي طرأت على المدينة من كافة النواحي وفقاً لتأثرها بالداخل وبالمحيط، ونتائج بروز ونمو التطرف الديني المعارض في البلاد، في سيرورة ترصد الحال منذ البدايات وحتى اليوم.

حراك البدايات، والعلاقة مع الجوار

درعا، “مهد الثورة السورية”، كانت على تماس دائم مع الجوار الدرزي منذ اندلاع الثورة ضد الأسد. وتمرحلَ هذا مع تمرحلات الثورة السورية، إذ إنّ بدايات الثورة السورية شهدت بداية نزوح الأهالي من درعا هرباً من قتل وتنكيل النظام السوري. وأعلن “معارضو السويداء” السويداءَ مضافةً لأهالي درعا، وقام الناشطون باستقبال الأهالي النازحين وتأمين المأوى والحاجات الضرورية لهم. وبعدها، قام بعض ناشطي السويداء بإيصال الطعام والدواء للأهالي المحاصرين في محافظة درعا، وتحديداً الحراك وبصرى الشام والغارية وغيرها من القرى المنكوبة، ليؤكدوا على وحدة الشعب السوري، وأنّه لا يقبل القسمة والتفرقة، ولضرب استراتيجية النظام في تحييد السويداء، معلنين في نشاطهم هذا نبذ الطائفية والمناطقية، وأنّ الثورة السورية ثورة لكلّ السوريين على اختلاف انتماءاتهم الطائفية أو العرقية.

مع عسكرة الثورة، لم يبق الاحتكاك على ما كان عليه في طورها السلمي، وصارت السويداء متأثرة بشكل مباشر بالمعارك الدائرة في درعا وريفها المتاخم لمحافظة السويداء وهو ما يشرحه الباحثان ويوثقانه في معركة السيطرة على مطار الثعلة، ومعركة “قادسية بصرى”، والطريقة التي حاول النظام زج الدروز في مواجهة “المحيط السني”.

شبح الجهاديين إذا يستحيل واقعاً، «مجزرة قلب لوزة»

وجود “الجيش الحر” في درعا لا يعني أنّ قوى معارضة مسلحة أخرى يمكن أن تقبل التعايش أو التفاهم مع واقع وحال الدروز المنقسمين تجاه ما يحدث في البلاد، وخصوصاً بعد صعود الراديكالية الدينية ومثالها على سبيل المثال، لا الحصر، “جبهة النصرة” وتنظيم “داعش”.

في 10 حزيران/ يونيو 2015، أقدمت مجموعة “الأمير التونسي” التابعة لــ “جبهة النصرة” على قتل 24 مدنياً درزياً من سكان قرية قلب لوزة، وهي إحدى القرى الدرزية في ريف إدلب، وذلك “نتيجة خلاف فردي”، وفقاً لما تناقلته مواقع إلكترونية.

مجموعة “النصرة” المسلحة أصدرت فرماناً “يقضي بمشروعية استيلائها على البيوت الفارغة في مناطق الدروز بريف إدلب”. وفي تفاصيل المجزرة أنّ المجموعة المسلحة طوّقت القرية الصغيرة، وطلبت المؤازرة، حيث دخلت عشرات السيارات ذات المدافع الرشاشة، وانتشر مئات العناصر من الجبهة، وقاموا بعمليات إعدام ميداني للأهالي طالت 24 مدنياً أعزلاً، بينهم 6 شيوخ، ورجلا دين. بعض الجثث وجدت في البيوت، وأخرى في الشارع، بحسب ما روى شهود وأبناء القرية لجريدة “المدن” الإلكترونية.

وكانت “جبهة النصرة” أيضاً قد “هدمت مزارات و”أضرحة شركية” بحسب ادّعائها، للدروز، وقامت بإرسال دعاة لتصحيح “الأغلاط العقدية” في مذهبهم، على ما ذهب إليه أمير الجبهة أبو محمد الجولاني، في مقابلة تلفزيونية على قناة “الجزيرة”. كما أن دروز إدلب تنكروا لمذهبهم، وأشهروا إسلامهم. إلا هذا الأمر، لم يُقنع الأمير التونسي أبو عبد الرحمن، الذي يوصف بالغلو والتطرف من قبل عناصر النصرة نفسها، والذي فرض مجموعة من الفرمانات القهرية ضد دروز إدلب، وأخضعهم للمراقبة الشديدة، وتدخل في صغائرهم وكبائرهم”.

بعد ارتكاب المجزرة، أصدرت الجبهة بياناً قالت فيه إن عدة عناصر من مقاتليها شاركوا في المجزرة “دون الرجوع إلى أمرائهم، وبمخالفة واضحة لتوجيهات قيادة جبهة النصرة”.

تطمينات فرع تنظيم “القاعدة” في سورية للشعب السوري ولأهالي “قلب لوزة” ليست بحاجة إلى هذا البيان على أي حال، ذلك أنّ الخوف الذي يعتري معارضين من وجود التنظيم قبل الموالين للنظام، أبلغُ دليل على المستقبل الذي ينتظر سورية بوجود هذا التنظيم وتنظيمات “أقل قاعدية” منه تسمى في يوميات بعض الإعلام السوري المعارض والعربي بــ”المعارضة المعتدلة”. وخارج موضوع التراتبية في التطرف والعلاقة مع الإسلام الحربي، يجدر الوقوف لدى “الخطأ الفردي” بحسب بيان “النصرة”، والذي أودى بــ 24 شخصاً على أساس هويتهم الطائفية، وخصوصاً أن البيان آنف الذكر قد اختُتم بالقول إنّ “مثل هذه الأخطاء واردة الحدوث لدى الجميع لكنها دائماً ما تُوأد في مهدها بفضل الله طالما أن رقابنا جميعاً خاضعة لشرع الله عز وجل”.

عموماً، لا يبدو أنّ تغيير اسم الجبهة وفك ارتباطها بــ “القاعدة” كفيل بــ “وأد الأخطاء في مهدها”. جلّ تنظيمات الإسلام الحربي المقاتلة في سورية اليوم هي مما يترتب على تجاوزها “الأخطاء الفردية” تغييرٌ في بنيتها، وتحولها إلى تنظيمات على النقيض من الحالية، أسوةً بالأسدية التي كانت ستفقد كل شيء لو أن “عصاها السحرية في الإصلاح” فعلت فعلها، على الأقل في الخلاص من ارتباط سورية الاسمي بالعائلة الحاكمة وانهيار النظام بقرارٍ مستحيل منه.

ما كان شبحاً في البداية ومخاوفاً، بات اليوم واقعاً في سورية، وبات الغول الجهادي منتظماً في تشكيلات عسكرية مقاتلة، وإمارات وأمراء حرب. ما كان “طارئاً” على مسار الثورة في البداية ابتلع الثورة وتحوّل إلى شريان ونسغ لحياة الإعلام السوري الأسدي والإعلام العربي والغربي الذي لا يرى في سورية إلا الجهاديين والتكفيريين منذ عام 2011، أي حين لم يكن ثمة “جهاديون” سوى النظام. ويمكن للمرء أن يقدّر ارتداد ما حدث في قلب لوزة في شمال سورية، على الجماعة الأهلية المدروسة في جنوبها، ونعني دروز الجبل.

ويختم الباحثان بالقول أنه “لا يزال هناك الكثير ليقال حول الدروز، لا سيما في ما يخصّ الهواجس التي تعصف في أذهان وأفئدة أبناء جبل العرب والدروز عامة، وبعضها هواجس تتشابك مع ما هو سوري عام، كتلك التي تتعلّق بمصير بلادهم، وعلى أيّ حال ستكون!! ومنها ما هو خاص بهم ويتعلق بهم كـ “دروز”، لا سيما وأنّ إسلاميي داعش والنصرة يتمركزون في محيط الجبل، ويعلم أهل الجبل جيداً ماذا يعني أن ينجح هؤلاء في احتلال جبلهم؛ بينما يرزح هذا الأخير تحت سلطة نظام ليس له من اسمه أي نصيب، وكذلك ميليشياته التي أمعنت في إرهاب الناس وإشاعة الفوضى، وقد تكون هي وراء بعض عمليات الخطف التي انتشرت بطريقة أصبحت تثير الرعب في الجبل. لقد شارك بعض أبناء الجبل منذ البداية في الثورة، وانشق منهم ضباط وجنود حارب بعضهم ضد النظام، واعتقل العديد من الشابات والشبان، ولا يزال العديد منهم يسير على الخط ذاته الذي بدأت به الثورة”.

(الصورة الرئيسية: المحاربون الدروز يتحضرون للذهاب مع سلطان باشا الأطرش للمشاركة في الثورة السورية الكبرى 1925/ المصدر: ويكيبيديا)

شارك المقالة: