هكذا حطّمت حاجِزَ الخوفِ دُفعةً واحِدةً، وإلى الأبَد

هكذا حطّمت حاجِزَ الخوفِ دُفعةً واحِدةً، وإلى الأبَد

مازن أكثم سليمانمازن أكثم سليمان

شاعر وكاتب سوري، يعيش في دمشق، من أعماله الشعرية “قبل غزالة النوم”.

بقلم .

حياة القبور

حينما أفكِّر بعدَ مرور ست سنوات على انبثاق الثورة السورية بحياتي التي عشتُها قبلَها لا أرى شيئاً ينجو مهما كانَ جَميلاً من فكرة الجحيم..!!

كانت انطلاقةُ الرّبيع العربيّ، وجوهرَته الكُبرى: (الثّورة السّوريّة)، بمَنزلة استعادة الروح الإنسانية الحيّة والكرامة المَهدورة والرُّؤية الخلّاقة للذّات والوجود بالنّسبة لشخصٍ مثلي عاشَ عقودَ ظلامٍ مُريعةً، وسلامَ قبورٍ مُضْنٍ، وانسدادَ آفاقٍ خانِقٍ، واستعصاءَ تاريخٍ مريرٍ.

حينَما أتأمَّلُ مليّاً الأنَ في مَشروعاتي الثقافيّة القديمة شِعراً وتنظيراً ونقداً وفكراً، أحسُّ أنَّها كانت شبهَ مُعلَّقةٍ في الفراغ، أو شبهَ مُتدلِّيةٍ من حَبْلِ مِشنقةِ الزّمن، مُفتقِدةً السَّنَدَ الوقائعيَّ الفاعِلَ، ومُشبعةً بشُعور العَجز والخُذلان بغضّ النَّظَر عن ما تنطوي عليه من إرادة تغيير ورغبة تجديد وحُضور حيّ في الوجود.

أتذكَّرُ دائماً كيفَ كانَ يُحاصِرُني الإحساس بهُوَّة (اللّاجدوى) في عمَلي الثَّقافيّ بوجهٍ خاصّ، وفي مَناحي حياتي كافّةً بوجهٍ عام، ولا سيما حينَ ترتسِمُ أمامي تلكَ البُؤرة الدّاكِنة لمَواتِ الفضاء العربيّ السياسيّ، واصطدام اشتغالي الدَّؤوب باستمرار بسُؤال: ما الفائِدة؟

التحَقْتُ بقسم اللُّغة العربيّة في جامعة (تشرين) في اللّاذقيّة عام (1995)، وبدبلوم الدِّراسات العُليا في جامعة (دمشق) عام (2001)، وعُيِّنْتُ مُعيداً في جامعة (البعث) في حمص عام (2003)، حيثُ حصلْتُ على درجة الماجستير منها عام (2009).

تدرَّجْتُ في جميع المَراحِل الجامعيّة، وعايَشْتُ حَجْمَ التَّهافُتِ الأكاديميّ في أقسام اللُّغة العربيّة، وكُلِّيّات الآداب، حتّى أنَّني أطلَقْتُ على جامعاتِنا عبارة: (الأكادَمَوِيّات السّوريّة). وقد عمِلْتُ دائماً على الاحتفاظِ بمَسافةِ أمانٍ عن السُّلطة أصونُ عبرها حُرِّيَّتي وخُصوصيّتي واستقلاليّتي، وحاوَلْتُ ما استطعْتُ )في الوقتِ نفسه( أنْ يكونَ عمَلي الإداريّ والتَّدريسيّ في الجامِعة حيويّاً وخلّاقاً وساعِياً إلى الالتفاف قدر المُستطاع على البيروقراطيّة المَنهجيّة المُتكلِّسة، وعلى تغوُّل السُّلطة على الجامِعة، فأخَذَتِ الجامعةُ من حياتي ما أخذَتْ من عُمْرٍ وأعصابٍ وجُهودٍ ومَعارِكَ ومُعاناةٍ وإحباطات.

كنتُ من جيلٍ تفاعَلَ مع (ربيع دمشق: 2000/2001) بكُلِّ كيانِهِ وجوارحِهِ، وكان والدي (المُحامي أكثم سليمان) ممَّن وقَّعوا على بَيان المُحامين الشَّهير (المَعروف ببَيان السَّبعين)، ثُمَّ على بَيان الألف، وظلَّ طوالَ حِراك ربيع دمشق يمدُّني بالبَيانات والمَقالات والملفّات والأخبار والتَّسجيلات الصَّوتيّة للنَّدوات والمُحاضَرات التي كانَ يُقيمُها ناشطو الرّبيع في مُنتدياتهِم، وهوَ الأمرُ الذي أطلَقَ شرارةً من الأحلام الكُبرى لديَّ ولدى النُّخبة السّوريّة بتحقيق التَّحوُّل السِّلميّ الدّيمقراطيّ المَأمول، لكنَّ هذا الحُلم الجَميل والقصير لم يلبَث أنْ وأدَتْهُ السُّلطةُ عندما حطَّمَتْ ذلكَ الربيع بيدٍ من حديد.

ما قبلَ الثّورة السّوريّة بالنِّسبة لي هوَ عالَمُ الفَراغ وسَديمُ الضَّياع وحياةُ القُبور وسَلامُ المَوتى وفُقدانُ أيِّ أمَلٍ بالمَعنى الواسِع للكلمة.

ولادةُ الأوكسجين/موتُ الأبَد

كانَ يوم اعتصام (الحريقة) في دمشق (17 شباط 2011) يوماً أكَّدَ )والرّبيع العربيّ كان يتمدَّدُ في حينِها( أنَّ شيئاً ما سيصِلُ إلينا بأسرَعَ ممّا نتوقَّعُ، وأنَّ احتقاناً عظيماً في طريقِهِ إلى الانفجار، وكانت مُظاهَرةُ (الجامع الأموي/سوق الحميديّة) في (15 آذار 2011) أوَّل جُرعة أوكسجين مَجيدة تمدُّني بالقطَرات الأُولى من ندى التَّحليق الحُرّ، بينما كانَ الاعتصامُ أمامَ مَبنى وزارة الدّاخليّة في اليوم التالي (16 آذار 2011) دليلاً على أنَّ المُواجَهة قادِمة لا مَحالة، وأنَّها ستكونُ عنيفةً إلى حدٍّ بعيد، لتأتي (جُمعة الكرامة) في (18 آذار 2011) وتُعلِنَ أنَّ قطارَ الثّورة السّوريّة قد انطلَقَ أخيراً، وأنَّ أسئلتي ومَشاريعي (الميتة سريريّاً) ستستمدُّ لأوَّلِ مرَّةٍ ترياقَ الحيويّةِ والأصالةِ مُباشَرةً من الشّعب والأرض والوطن، وستنبسِطُ شرعيتُها الوجوديّة في قلبِ مَجرىً جديدٍ للتّاريخ قد بدَأَ للتَّوِّ يشقُّ طريقَهُ بقوّة، وأنَّ (الكلمةَ/المَوقِفَ) سيكونُ لها دورُها العميقُ بعدَ عُقودٍ طويلةٍ من كمِّ الأفواهِ وتحطيمِ الأرواحِ وتمزيقِ الذّواتِ. ولطالَما ردَّدْتُ منذُ تلكَ الأيّام الأُولى للثّورة، وحتّى الآن قولَ الشّاعر الانكليزيّ (وردزورث) وهوَ يَحتفي بالثّورة الفرنسيّة: “إنَّها سعادةٌ لا تُوصَفُ أنْ يعيشَ المرءُ ليرى ذلكَ الفجرَ، وإنَّ النَّعيمَ، كُلّ النَّعيم، أنْ يكونَ شابّاً”.

بانوراما العام

وهكذا، اشتعَلَتِ الثّورة، وأشعَلَتني معها، وفجَّرَتْ فيَّ مَكنوناتي دُفعةً واحِدةً بطريقةٍ لم أكُنْ أتخيَّلُها من قبل، وبدأَتْ تنبسِطُ تجارِبُ النّاس المُتنوِّعة على الأرض، وتنضُجُ لديَّ الرُّؤى الشِّعريّة والنّظَريّة في الوقتِ نفسه، ثُمَّ جاءَتِ (العَسكرةُ)، وبدَأَ الالتفافُ غير المَسبوق حولَ الثّورة يتشتَّتُ في ظلّ الخلاف بخُصوص حَمْل السِّلاح، ومن وجهة نظَري كرَّرْتُ مِراراً أنَّهُ لا يوجَدُ إنسانٌ عاقلٌ في العالَم يُفضِّلُ حَمْلَ السِّلاحِ والقتل والدَّمار، لكنَّ رغباتِنا الذّاتيّة شيء، والمُعطيات المَوضوعيّة الوقائعيّة في الوجود شيء آخَر، ففائِضُ العُنفِ الذي مُورِسَ ضدَّ الثّائرين طوالَ أشهُرٍ (يوميّاً بحدود 100 شهيد وسطيّاً)، والمُمارَسات المُرعِبة ضدَّ حواضِنِ الثّورة، فضلاً عن التَّدخُّلاتِ الإقليميّة والدّوليّة غير البريئة، كانَ لابُدَّ لها جميعُها أنْ تقودَ إلى العَسكرة، لكنَّ المحوريّ في رُؤيتي للمَسألة يكمنُ في فَهْمِ الثّورة بوصفِها حركيّة تحوُّل تاريخيّة كُبرى لا تُقاسُ بالأشهُرِ ولا بالسَّنواتِ، ولا يُمكِنُ الحُكْمُ عليها فقط عبرَ مُستواها الآنيّ أو المَرحليّ؛ إنَّما عبرَ نظرة شُموليّة كُلِّيّة مُتراكِبة، فالعَسكرةُ ليسَتْ في اعتقادي نهاية المَطافِ في ثورةٍ بهذهِ الجذريّة المَحلِّيّة، وبذلكَ العُمْق الكونيّ، وفي هذا المِضمار لا يُمكِنُ تفسيرُ ظاهِرةٍ مثل (داعش) بعيداً عن تفسير جُمْلة من السِّياقات السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة السّوريّة والعربيّة والعالميّة، هذا إذا نحَّيْنا جانِباً (ومن حيثُ المبدأ) نظَريّةَ المُؤامَرةِ في خَلْقِها وتمويلِها وتحويلِها إلى (شمّاعةٍ) لوأدِ الانبثاقِ الثّوريّ وتعطيلِ قطافِهِ ليسَ في سورية والعراق وحدهما، بل في كاملِ العالَم العربيّ.

مرَّتِ الأيامُ سريعةً وعصيبةً، وبدَأَتْ سُبُل الحياةِ تضيقُ تدريجيّاً في الدّاخِل السّوريّ: حصارٌ اقتصاديٌّ ومَعيشيٌّ مُريعٌ على المُواطِنِ.. نقصٌ في الأدويةِ ورَفْعٌ مُتكرِّرٌ لأسعارِها.. أزماتُ كهرباءٍ ومازوتٍ وغازٍ وخبزٍ وماءٍ.. قذائِفُ يوميّة على منطقتنا (مثلاً) بصورةٍ لا تُوصَف.. سيّاراتٌ مُفخَّخةٌ أيضاً في منطقتِنا بشكلٍ دوريٍّ مُرعِب.. مَعارِكُ مُشتعِلة في مُحيطنا في ثلاث جبهات.. قصصٌ ومآسٍ كثيرةٌ وكثيرةٌ جدّاً.. فأنا شخصيّاً نجوْتُ من الموتِ المُحقَّقِ، أو على الأقلّ من الإصاباتِ المُباشَرة ثلاث مرّات إحداها كانت بسُقوطِ قذيفةٍ على الكُرسيّ الذي أجلسُ عليهِ في شُرفة منزلنا، ولسببٍ قدَريٍّ غامِضٍ كنتُ مَشغولاً في داخِل الغُرفة بالفيس بوك!! وازدادَ الأمرُ سوءاً بعدَ انتشارِ الحَواجِزِ، وخنْقِ الشّوارعِ المُختنِقَةِ مُروريّاً أصلاً، ثُمَّ بعدَ تشكيلِ ميليشياتٍ مُتعدِّدةٍ تحتَ مُسمّياتٍ كثيرةٍ، ومنها (الدِّفاع الوطنيّ)، وتسلُّطِها على النّاس، وعمَل أعضائِها الفاسِد لحسابِهِم الشَّخصيّ في مُعظَمِ الأحيان في ضوءِ تراخي سيطرةِ السُّلطة عليهِم مع مرور الوقت.

وعلى هذا النَّحو، توازى ازديادُ عُنفِ الصِّراع وتشابُكِهِ وتعقُّدِهِ داخليّاً وإقليميّاً ودوليّاً، مع ازديادِ الحِصار على المُواطِن السّوريّ الذي كانَ يُصارِعُ للصُّمود في الدّاخِل، أو لأقل بصياغةٍ أدَقّ: للبَقاءِ على قيْدِ الحياة بمَعنى الكلِمة.. هذا المُواطِنُ الذي ما زالَتْ تُرعِبُهُ حتّى هذهِ اللّحظة أيَّةُ طَرْقةٍ على بابِ مَنزلِهِ، ذلكَ أنَّ أوَّل ما يقولُهُ في قلبِهِ عندَ سَماعِها: ها قد جاؤوا لاعتقالي!! هذا المُواطِنُ الذي اكتشَفَ مع تقدُّمِ التّجارِبِ القاسيةِ وآلامِ التَّخلّي العالَميّ عنهُ أنَّ السّوريِّين لم يثوروا على نظامٍ مُستبدٍّ فحسب؛ إنَّما ثاروا على النِّظام العالميّ برُمَّتِهِ، وهوَ ما زادَ من حَجْمِ التَّحدّي لدى من تبقّى من الحالمينَ بالحُرِّيّةِ والتَّعدُّديّةِ والدّيمقراطيّةِ ممَّن ظلّوا قابضينَ على الجَمْر بإرادةٍ فولاذيّة، وعارفينَ الاتّجاهَ الصَّحيحَ للبوصِلَةِ في ظلِّ اختلاطِ الأوراق.

بانوراما الخاصّ

في الأيّام الأُولى للثّورة أرسَلْتُ طلَبَ صداقةٍ على موقع الفيس بوك إلى الشّاعر والمُناضِل والمُعتقَل السّابِق المُقيم في أوربا (فرج بيرقدار)، فردَّ عليَّ برسالةٍ لا تخلو من تأنيبِ المُحِبّ: (هل تُريدُ أنْ تُعتقَلَ؟).

فهِمْتُ يومَها ما في قلب (فرج) الطَّيِّب تماماً، لكنَّ شيئاً جديداً غير مَسبوقٍ كانَ قد حطَّ فجأةً في أرواحِنا وعُقولِنا وبدَّلنا على حينِ غرّةٍ: في تلكَ الأيّام، ومن دونِ أنْ أعرفَ لماذا وكيفَ وجَدْتُ نفسي مُنعتِقاً ومُحطِّماً بلا وجَلٍ حاجِزَ الخوفِ دُفعةً واحِدةً وإلى الأبَد!!

كانَ السّوريّونَ فيما مضَى يخشونَ حتّى أنْ يتلفَّظوا بكلمةٍ صغيرةٍ غير مَحسوبةٍ، وإذا أفلَتَتْ من أحدِهِم تلكَ الكلمةُ في مكانٍ عام أو حتّى في جلسةٍ خاصّة أمضَى أيّاماً وهوَ يتخيَّلُ دوريّةَ الأمن التي ستأتي لاعتقالِهِ.

وهكذا، انفتَحَ فضاءٌ مُغايِرٌ على دربِ حُرِّيّة الرّأي والفعل والمُبادَرة، وتبخَّرَتِ الكثيرُ من الهَواجِسِ القديمة، كأنَّ ساحِراً ما قد تسلَّلَ إلى أعماقِنا وأيقَظَ كينونتَنا الأصيلة كما لم يحدُث من قبل.

كانَ للفيس بوك بوجهٍ خاصّ موقعاً محوريّاً في الأشهُر الأُولى من الثّورة، حيثُ طُرِحَتْ كُلُّ المَوضوعات والآراء والتَّحدّيات علَناً من قِبَلِ نسبةٍ لا بأسَ بها من الذينَ استطاعوا منذُ اللّحظات المُبكِّرة أنْ يُحطِّموا قُيودَ صَمتِهِم المَديد، وأخذّتْ تنتشِرُ فيديوهات المُظاهَرات والاعتصامات انتشاراً كرنفاليّاً عارِماً، وظلَّ الفيس بوك فترةً غير قليلة يعكسُ الحِراكَ على الأرض بقوّة، وأحياناً كانَ هوَ نفسه مُنطلَقاً لذلكَ الحِراك.

كانت كُلّ لحظة في تلكَ الأيّام الاستثنائيّة تُعادِلُ سنواتٍ طويلةٍ من الإحساسِ بالمَجدِ والحُرِّيّةِ وانعتاقِ الذّاتِ إلى أقصى الحُدود.

لا أنسى ما حييت إحدى سهراتي في (نادي الصَّحفيِّين) في دمشق في الأسابيع الأُولى من الثّورة، وكيفَ التقيْتُ بعددٍ كبيرٍ من الأصدقاء، أذكُرُ منهُم على سبيل المثال لا الحصر :علي جازو وجولان حاجي ومأمون الشّرع وعسّاف العسّاف وسَحبان سوّاح ومديحة مِرهش، وكانت الابتساماتُ العريضةُ ترتسِمُ على وجوهِ الجميع مُفعمَةً بروحِ الفرَح والأمَل، في حين أنَّ المُخبرينَ من حولِنا كانوا ما يزالونَ (كعهدِهِم القديم) يُحصونَ حركاتِ شفاهِنا المُتسارِعة، ويُحاوِلونَ قياسَ طاقةِ بريقِ عُيونِنا السّاطِع، ولا يَعُونَ ما حدَثَ ويحدُث.

من جهةٍ أُولى، كانت شاشاتُ الفضائيّات تبثُّ التَّظاهُرات على الهواء مُباشَرةً، وتقسمُ الشّاشةَ أحياناً إلى ستّ أو ثمانية أقسام، ناقِلةً المُظاهَرات والاعتصامات من المدن العربيّة الثّائِرة بوجهٍ عام، ومن مدن وأرياف سوريّة بوجهٍ خاصّ، ومن جهةٍ ثانية كُنّا نتراقَصُ نشوةً وسعادةً وإحساساً بقُربِ الخلاص، ولا أنسى تلكَ الأمسية التي التقيْتُ فيها مع صديقي الشّاعر والكاتب (محمّد ديبو) في نادي الصَّحفيِّين، وكان لتوِّهِ قد خرَجَ من المُعتقَل، حيثُ عانَقنا بعضنا بحميميّة الحُلمِ الرَّشيق الأصيل المُتعالي على أيَّةِ مُعاناةٍ مهما كانَ حجمُها.

في هذا المُناخ المُتأجِّجِ جَمالاً وبهاءً وحيويّة، تشظَّتْ كتاباتي واتَّسَعَتْ (كمّاً ونوعاً) اتّساعاً غير مَسبوقٍ، وانفجَرَ قلمي لأخُطَّ عبرَ سنوات الثّورة الأربع الأُولى ما يُعادِل أضعافاً مُضاعَفة من كُلِّ ما كتبتُهُ في حياتي السّابِقة، وأدّى انشغالي بالحدَثِ الثوريّ إلى إهمال العمَل على رسالة الدُّكتوراه خلال عامَيْ (2011 _ 2012)، والتي كنتُ قد سجَّلتُها منذُ عام (2010)، فمضَتِ الأيّامُ وأنا أُراوِغُ (آسِفاً) مُشرفي تحتَ سطوة إغواء الحُضور الطّاغي للثّورة وعُنفِ جاذبيَّتِها الأخّاذة، إلى أنِ اقتنَعْتُ في نهاياتِ عام (2012) بضرورة استكمال مَشروعي الأكاديميّ القديم، والذي بدأْتُ فيه منذُ التحاقي بالجامعة عام (1995)، ولا سيما بعدَ عسكرةِ الثورة، واضطراري إلى البقاء الدّائِم في المَنزل، حيثُ وجَدْتُ نفسي وَجهاً إلى وجهٍ مع كتُبي ومَسؤولياتي المُرجأة، وأحسَسْتُ أنَّ نجاحي في هذا الحقل المَعرفيّ هوَ جزءٌ أيضاً من التَّحدِّي العام والكِفاح والصُّمود داخِلَ البلد، وهكذا انكبَبْتُ على العمَل البَحثيّ على إيقاعٍ غزيرٍ من صوتِ القذائفِ وقصفِ المدفعيّةِ وراجماتِ الصَّواريخِ وسبطاناتِ الدّبّاباتِ وغاراتِ الطّائِرات المروحيّةِ والحربيّةِ، وهوَ الأمرُ الذي عشناهُ في منطقتِنا لأكثَرَ من ثلاث سنوات ونصف، ولا سيما في ظلِّ اشتعالِ أكثَر من جبهةٍ من حولِنا، وكانَتْ أقرَبُها إلى مَنزلنا تلكَ التي لا تبعُد أكثَرَ من (1 إلى 2 كم)؛ أي جبهة (جرمانا/المليحة).

وهكذا، ناقَشْتُ بَحْثَ الدُّكتوراه في (15 يناير/كانون الثاني 2015)، ونلْتُ درجةَ الامتياز، ثُمَّ نفَّذْتُ قراري الذي كنتُ قد اتَّخذْتُهُ من قبل بتركِ الجامعة نهائيّاً بعدَ أكثَر من عشرينَ عاماً أمضيتُها في ردهاتِها؛ حيثُ لم ألتحِقْ بها لا إداريّاً ولا تدريسيّاً، والسَّبُبُ أنَّني لم أكُنْ أُريدُ أنْ يُفرَضَ عليَّ ما لا أجِدُ نفسي في سِياقِهِ الفِكريّ أو السِّياسيّ، وبهذا القرار بدَأَتْ مُعاناتي القاسية ببقائي مُحاصَراً بلا مَصدرِ رزقٍ، ولكنْ أيضاً، وكما يُقالُ: (رُبَّ ضارَّةٍ نافِعة)، تلمَّسْتُ طريقي في إيجادِ (مُعادَلةٍ كتابيّةٍ دقيقةٍ) وضَعَتْني عبرَ النَّشر على الخُطوات الأُولى لإطلاقِ مَشاريعي المُختلِفة أدبيّاً وفكريّاً، وقدَّمَتْ لي (أي هذهِ المُعادَلةُ) بعضَ العوائِد الماليّة المَحدودة في ظُروفٍ صعبةٍ كانَتْ تفرضُ أحياناً عدَمَ وصولِ جُزْءٍ غير قليلٍ من مُستحقّاتي المادِّيّة بسببِ الظُّروف الخاصّة والعامّة، هذا إذا تذكَّرْنا أيضاً مُعاناة الكُتَّاب في العالَم العربيّ مع المَنابِر المُختلِفة بطبيعة الحال وفي الأحوال العادية.

رحيقُ الأُفُق

عُرِضَت عليَّ من عددٍ من الأصدقاء والصَّديقات فكرةُ السَّفَر ومُغادَرة البلَد، وكانَ دافعُهُم هوَ الخوفُ عليَّ وعلى مَصيريَ الشَّخصيّ، لكنْ لعِنادٍ ما (ويَباسَة رأسٍ كما يُقالُ في العامِّيّة) رفَضْتُ الخُروجَ رفضاً مُطلَقاً، وتمسَّكْتُ بالبَقاءِ بوصفِهِ تحدِّياً وجوديّاً حاسِماً في عُرْفي: صحيحٌ أنَّني لا ألومُ أحداً غادَرَ الوطن، ولا أُحاكِمُ أو أُزايِدُ على من سافَرَ، فلكُلِّ إنسانٍ خَياراتُهُ وظُروفُهُ وسِياقُهُ الخاصّ (وكانَ كُلُّ صديقٍ أو صديقةٍ يرحَلُ مُسافِراً يخطفُ معهُ جزءاً من روحي وقلبي وعقلي) لكنَّني كنتُ من جهتي دائِماً ضدَّ الخَيار الفرديّ على الأقلّ فيما يخصُّني أنا ذاتيّاً، وكنتُ أقولُ دائِماً في نفسي: ما دمْتُ أجلسُ في غُرفتي أقرَأُ وأكتُبُ فلا أُريدُ من العالَم شيئاً أكثَر من هذهِ النِّعمة الوافِرة.

هل سأندَمُ؟ لا أعتقِدُ ذلكَ!

فحتّى الآن لم أُمارِس هذا الشُّعور، ولا أدَّعي (بطولةً ما)، فظفرُ أيِّ طفلٍ جريحٍ أو شهيدٍ يُساوي كُلّ ما فعَلْتُهُ أو ما سأفعَلُهُ، ولا يُمكنُني أنْ أُقلِّلَ أصلاً من عُمْق مُعاناة النّاس وآلامهِم، فلربّما مِنَ الجميل أنْ نقرَأ كتاباً عن الثّورات، لكنَّهُ أمرٌ في غايةِ القسوة أنْ نعيشَها وأنْ نحترِقَ في أتونِ نارِها عن قُرْبٍ، ومهما كانَتِ مَسألةُ البَقاءِ في الدّاخِلِ تنطوي (جدَلاً) على روحٍ طوباويّةٍ أو صوفيّةٍ كما يتَّهمُني بعضُ الأصدقاء من بابِ المَحبّة، أعي أنَّ هذا البَقاء في شكلِهِ ومَضمونِهِ هوَ مُغامَرةٌ ومُقامَرةٌ غير واضِحةِ النَّتائِج، لكنَّني في جميعِ الأحوالِ ما زلْتُ ألمَحُ ذلكَ الضَّوءَ الخلّاقَ الآسِرَ في أقاصي الأُفُقِ كأنَّهُ رحيقُ الأحلامِ الذي يُثبِّتُ قلبي وعقلي، ويُبقيني صامِداً على هذهِ الدَّرب المُوجِعة حتّى إشعارٍ آخَر، وليسَ المكانُ هُنا مُناسِباً للرَّدِّ على الأحبّة كي أُوّضِحَ نظَريَّتي في قضيّة الثّورات وفلسفتِها (وقد تحدَّثْتُ عن ذلكَ في غير مقالة).

ثمَّة قصصٌ وتفاصيلُ كثيرةٌ وكثيرةٌ سأحكيها ذاتَ يوم كما أتمنّى، وحَسْبيَ الآنَ أنْ أقولَ إنَّ ضَميري مُرتاحٌ إلى أقصى الحُدود، ورُوحي وثّابةٌ كأنَّني ما زلتُ في الأيّام الأُولى من الثّورة، وأختَتِمُ الآنَ بما أجَبْتُ بهِ على استطلاعٍ أجراهُ الصَّديق الشّاعر (عبد الكريم بدرخان) مع مجموعة من الشُّعراء السّوريِّين في أواخِر عام (2012)، ونُشِرَ في موقع (الأورينت نت) بتاريخ (19 _1 _ 2013)، وكانَ محورُهُ التَّساؤل عن سبب وقوفِنا في صفِّ الثّورة، حيثُ قلتُ:

“أوَّلاً: أنا أؤمِنُ بمَقولةِ المُثقَّف العُضويّ، الذي لا تتناقَضُ أفكارُهُ النَّظَريّة والنَّقديّة مع أفعالِهِ، ويُدافِعُ عن أفكارِهِ مهما كانَ الثَّمَن.

ثانياً: كيفَ لمُثقَّفٍ أو شاعرٍ حقيقيّ أنْ لا يحملَ همّاً إنسانيّاً عامّاً، فما بالُكَ إذا تعلَّقَ الأمرُ بقضيّة شعبِهِ المُحقّة، والتي هيَ قضيَّتُهُ في البداية والنِّهاية.

ثالثاً: الثّورةُ حدَثٌ انبثَقَ من قلبِ الشّارع المَقهور والمَظلوم، ولهُ أسبابُهُ المَوضوعيّة الصّادِقة، وهوَ جزءٌ من حركةِ تاريخٍ كانَتْ مُستغلِقةً في ظلِّ انسدادِ الحياة السِّياسيّة، وانفتَحَتْ أخيراً. وعلى الشّاعر أنْ ينغمِسَ في حراكٍ تحرُّريٍّ، لطالَما نظَّرَ لهُ وكتَبَ عنهُ، حالِماً بهِ من قبل.

رابعاً: مَنْ يتأخَّرُ عن هذا المَوقف، سواء أكانَ شاعراً أم مُثقَّفاً، يُطيحُ بكُلِّ الأُسُس الأخلاقيّة التي ينبغي أنْ يُمثِّلَها، وأنْ يُدافِعَ عنها. ويُوقِعُ نفسَهُ أمامَ علاماتِ استفهامٍ كُبرى تُسيءُ لهُ إنسانيّاً وإبداعيّاً، ومن ذلكَ اتِّهامُهُ بالسُّقوط في المَصالِح الشَّخصيّة أو التَّعصُّب البَغيض أو مَحدوديّة الرُّؤية”.

(الصورة الرئيسية: لوحة للفنان منير الشعراني. المصدر: الصفحة الرسمية للفنان على الفيسبوك. الصورة تستخدم بموجب الاستخدام العادل، والحقوق محفوظة للفنان)

 

شارك المقالة: