المجتمع المدني في إدلب… فاعليته ونواقصه

المجتمع المدني في إدلب… فاعليته ونواقصه

هدى يحيىهدى يحيى

إعلامية وناشطة من ريف إدلب، حائزة على إجازة في التاريخ

 

بقلم .

(ريف إدلب) مع اقتراب دخول الثورة السورية عامها السادس ومع استمرار القمع والقصف من قبل نظام الأسد وحلفائه وما رافقه من تفاقم للوضع الإنساني في الداخل بكل ما تعنيه الكلمة من معنى فقد كان لمنظمات المجتمع المدني دور هام في تأمين جانب من متطلبات الشعب السوري، لا سيما في المناطق المحاصرة والمناطق المحرّرة، حيث القصف المتواصل ونقص الموارد الضرورية والغلاء الفاحش، فكانت منظمات المجتمع المدني فاعلة في مختلف المجالات الإغاثية والتنموية والطبية والزراعية والغذائية وتمكين المرأة وكانت حاضرة وبقوة حيث تكون الحاجة والمعاناة، وإن كان لهذه المنظمات سلبيات وعيوب وأخطاء إلا أنّها تبقى أقل بكثير من إيجابياتها في مختلف الميادين.

وفي لمحة عن عمل هذه المنظمات وأمام زيادة حالات البتر والإعاقات كان لؤي السلوم (24عاما) أحد المستفيدين من منظمة سيما الطبية بحصوله على طرف صناعي مجاني من إحدى مراكزها في منطقة حزانو بريف إدلب، إذ يقول “استطعت المشي مرّة أخرى بعد تعرّضي لبتر في ساقي بفعل قصف طائرات النظام لمدينتي كفرنبل”، ويضيف بأنّ تركيب مثل هذا الطرف لو كان سيشتريه يكلفه 1200 دولار أمريكي بينما لا يملك ثلث المبلغ، ولذلك فهو يشعر بالامتنان لمثل هذه المنظمات كونها تهتم لحال السوريين في وقت اجتمعت فيه الدول العظمى و”اتفقت على إبادتهم” على حدّ وصفه.

منظمة سيما، هي إحدى منظمات المجتمع المدني الغير ربحية، تأسست على يد مجموعة من الأطباء السوريين في عام 2011، وواكبت العمل الطبي منذ بداية المظاهرات السلمية حيث عملت على إسعاف الجرحى وعلاج المرضى، وفي لمحة بسيطة عن عمل هذه المنظمة ودورها في مساعدة المجتمع المحلي يتحدث الدكتور ممتاز حيزة (50 عاما) رئيس مجلس إدارتها، فيقول لحكاية ما انحكت “هدف سيما الارتقاء بالجانب الطبي إلى أعلى المستويات وتغطية كافة المناطق السورية لإنقاذ حياة الجرحى من الموت أو على الأقل منع تطوّر الإصابات إلى إعاقات دائمة أو مزمنة حيال الوضع الطبي المأساوي في البلاد إثر الاستهداف الممنهج للمشافي والمراكز الطبية من قبل النظام وحلفائه”، ويوضح بأنّ سيما أنشأت العديد من المشاريع التخصّصية في جميع المجالات ومنها مراكز الرعاية الأولية، مشافي ميدانية وجراحية، مراكز لبنك الدم وأخرى للأطراف الصناعية بالإضافة لمراكز تدريب الأطباء والعاملين في المجال الطبي.

(بروشور منظمة سيما. المصدر: الصفحة الرسمية للمنظمة على الفيسبوك)

منظمة سيما، كونها متخصّصة في المجال الطبي تختلف عن منظمة سوريا للإغاثة والتنمية التي تهتم إلى جانب المجال الطبي بالمجال الإغاثي والخدمي ومن مشاريعها الشلتر كما تسميه، أي إعادة ترميم المنازل المهدّمة وتقديم مواد تدفئة للمتضرّرين في الحرب، إضافة لمشاريع أخرى يتحدث عن إحداها مدير منظمة سوريا للإغاثة والتنمية في الداخل الدكتور عقبة الدغيم (30 عاما) قائلاً: “أطلقنا العديد من المشاريع، ومنها على سبيل المثال لا الحصر توزيع قسائم شيكات للمتضرّرين مباشرة، وهذا المشروع يعتبر الأول في المنطقة ولاقى استحساناً من الأهالي، وشمل كلّ من كفرنبل وضواحيها ومعرّة النعمان وريفها، إضافة لبلدة جرجناز وما حولها، والقيمة الإجمالية لهذا المشروع كان 300 ألف دولار أمريكي”، ويؤكد الدغيم أنّ المستفيدين من هذا المشروع كانت أسر الشهداء والأرامل والمعتقلين، حيث نالت كلّ أسرة بحسب عدد أفرادها ما بين 40 و120 دولار أمريكي، وبذلك يستطيع المستفيد شراء ما يحتاجه من ألبسة ومنظفات ومواد غذائية من المحلات الخاصة المتعاقدة مع المنظمة.

سلام البيوش (27 عاما) لم تكن لتخفي فرحتها بحصولها على قسيمة شراء من منظمة سوريا للإغاثة والتنمية فهي أرملة وأم لطفلين “عادة أحصل على سلّة غذائية من المجلس المحلي وأقيّد بما في داخلها من مواد في حين أكون بحاجة لمواد أخرى لا أستطيع شرائها” أما بموجب هذه القسيمة فإنّ البيوش استطاعت شراء معطف شتوي لها وأحذية جديدة لطفليها بالإضافة لبعض الأدوات المطبخية التي كانت تنقصها.

هنالك أيضا، منظمة شهيد إدلب التي تعمل على تأمين كفالات للأيتام الذين ازداد عددهم بشكل كبير بسبب الحرب الجائرة، فكانت هذه المنظمة رائدة في هذا المجال كما يصفها أحد أفراد المجلس المحلّي في معرّة النعمان أحمد تناري، حيث يقول “تعمل منظمة شهيد إدلب كصلة وصل بين الكفيل والطفل اليتيم، وقد استطاعت حتى الآن تأمين العديد من الكفالات من أصحاب الخير والأيادي البيضاء الذين تكفّلوا بعدد كبير من الأيتام من حيث المأوى والمأكل والملبس والتعليم”، ويلفت منوها “كم بتنا بحاجة لمثل هذه المنظمات في وقتنا الراهن، فالوضع الإنساني مأساوي وفاق حدّ التصورات”.

مديرة مؤسسة “مزايا” لتمكين وتدريب وتأهيل المرأة، والحائزة على جائزة المرأة الثقة من وكالة رويترز، غالية الرحال (43عاما)، تقول لحكاية ما انحكت مبينة دور منظمات المجتمع المدني في دعم ثقة الأفراد بأنفسهم وبمن حولهم  “لقد ساهمت هذه المنظمات إلى حد ما بتثقيف أفراد المجتمع وتعليمهم كيف يمكن التأقلم والتعامل مع وضع الحرب القائمة من خلال تنظيم وعقد مؤتمرات وورش العمل والندوات التي تناولت مختلف المواضيع الاجتماعية والثقافية والمدنية” وتشير لأهمية هذه المنظمات بتدعيم الخدمات الصحية من خلال البرامج الصحية الخيرية، وخاصة في المناطق الريفية والعمل في مشاريع الرعاية الصحية الأولية مما كان له الأثر الواضح في التخفيف من أوجاع السوريين وآلامهم.

العلاقة مع المجتمع الأهلي

هذه المنظمات العاملة في الداخل، إضافة لمنظمات مجتمع مدني أخرى حقوقية وإغاثية، تعليمية، تنموية، تأهيلية، تدريبية ومنظمات أخرى، كلّها نشأت لتقديم المساعدات الإنسانية مع تصاعد أعمال العنف والقتل في البلاد مرافقاً لتدهور الأوضاع المعيشية وتفاقم المعاناة، فقد قدّرت المفوضية الأممية للاجئين أنّ 7,6 مليون سوري نزحوا داخلياً و12,2 مليون بحاجة إلى مساعدات إنسانية كما أنّ ثمة 393700 شخص يعيشون في مناطق محاصرة، وذلك في آخر إحصائية لها عام 2015، هذا إضافة للقتل اليومي والإعتقالات التعسفية والإعدامات والتعذيب واستعمال الأسلحة المحرّمة دولياً، كلّ ذلك دفع بعدد من النشطاء السوريين لإنشاء هذه المنظمات التي وقع الرهان عليها في دعم المجتمع المحلي لتحل محل مؤسسات الدولة وتقوم بمهامها، لاسيما وأنّ تجارب المجتمع المدني عبر العالم قد بيّنت قدرته على الحركة والمرونة والفعالية في التعامل مع التحديات التي فرضتها البيئات غير المستقرة، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل استطاع المجتمع المدني السوري التغلب على هذه التحديات وكسب ثقة المجتمع الأهلي؟

يجيب عن هذا السؤال العديد من المواطنين ممن كانت لهم آراء مختلفة حول عمل هذه المنظمات، فالحاجة أم أحمد الخمسينية نازحة من حلب الشرقية مع عائلتها بعد الهجمة الأخيرة على حلب من قبل الميلشيات الشيعية المساعدة لنظام الأسد، إذ تقول: “لقد قدمت لنا هذه المنظمات المأوى والتدفئة مما أنقذنا من الهلاك في هذا البرد القارس، لا أدري ما كان سيحل بنا وبغيرنا من النازحين المهجرين لولا وجودها ووقوفها بجانبنا”.

من جهته، يشيد أحد المعتقلين السياسيين السابقين، سعد الخطيب (46عاما) بعمل منظمات المجتمع المدني في مجال حقوق الإنسان والدفاع عن الحريات وتوثيق انتهاكات النظام ضد المعتقلين والسجناء السياسيين، موردا كمثال، منظمة أنصار المظلومين (هي جمعية إنسانية حقوقية تهتم بشؤون المظلومين في العالم عامة وسوريا خاصة وتعنى بحقوق الإنسان وتقديم الخدمات للمظلومين والمنكوبين)، ورابطة أحرار تدمر(هي رابطة حقوقية للتدمريين، خدمية إغاثية للشعب السوري في الداخل المحرر) وغيرها ممن كنّ عونا له ولأمثاله من خلال تقديم الدعم المادي والمعنوي لهؤلاء المعتقلين بعد مضي سنوات من الظلم والقهر في سجون النظام الأسدي.

وما لا يمكن تجاهله عن عمل المنظمات تلك التي تسارع لتلبية الاحتياجات السريعة والطارئة كمنظمة هيئة ساعد الخيرية (وهي منظمة إنسانية غير ربحية ومستقلة تهدف الى مساعدة الشعب السوري وتخفيف معاناته وتعمل ضمن كفالة اليتيم وتأمين المواد الإغاثية للمناطق المنكوبة) التي قامت مؤخراً بمساعدة أهالي حلب الوافدين إلى إدلب وريفها بتقديم أكثر من خمسة آلاف سلّة غذائية وحوالي خمسة آلاف سلّة شتوية أخرى تحتوي على مفروشات وبطانيات وعوازل من المطر بحسب أحد النازحين ويدعى أبو جمال.

كما ولا يخفى على أحد  ما لهذه المنظمات من أهمية في مجال العمل الإغاثي وتوزيع الاحتياجات اللازمة للاجئين في دول الجوار وللنازحين في الداخل السوري ومكافحة ظاهرة الفقر الذي استفحل مؤخراً من خلال إطلاقها لمشاريع تنموية متنوعة ومنها قروض صغيرة كالقرض الذي حصل عليه علي الحميد من منظمة بنفسج (وهي منظمة تعمل في إدلب وريفها على مساعدة المحتاجين والنازحين ): “كنت في حالة يرثى لها من الفقر بعد تعرّضي للإعاقة، ولكنني افتتحت محلاً تجارياً صغيراً بهذا القرض فأغناني مع عائلتي الحاجة والسؤال”.

ولكن من جهة أخرى، فإنّ لهذه المنظمات عيوب وأخطاء يجملها المحامي والرئيس السابق للمجلس المحلي في كفرنبل، محمد العامر (45 عاما\ اسم مستعار)، إذ يقول: “هناك عدم وضوح في آلية عمل هذه المنظمات وتداخل في الاختصاصات حيث نجد منظمات تعمل في المجال الإغاثي والصحي والاقتصادي والتنموي بآن واحد، كما أن هنالك غياب للتنسيق والتعاون بين هذه المنظمات فنرى بعض المناطق تحظى بالدعم من عدّة منظمات في حين نجد مناطق أخرى لا تحصل على أي شيء” تماما هذا ما تؤكده رضية (30عاما) وهي معيلة لأولادها الثلاثة بعد اختفاء زوجها منذ أكثر من ثلاثة أعوام فتقول “لقد حصلت إحدى قريباتي في مدينة كفرنبل على عدّة سلات غذائية من عدة منظمات الشهر الفائت رغم أنّ لديها طفلة وحيدة بينما لم أحصل أنا في منطقتي معرة حرمة على سلة واحدة” وتردف ممتعضة “ليس هناك توزيع عادل للمساعدات على الفقراء”.

في حين يتابع العامر بأن هناك قلّة وعي وخبرة سياسية وتنظيمية لدى بعض القائمين على عمل هذه المنظمات، كما أنّ معظمها مرتبط من حيث الدعم بالخارج وهذا ما يؤثر على حرية عملها.

المهندس عمر الشاهين (28عاما ) فصل من وظيفته عند النظام لامتناعه عن الدوام خوفاً من الاعتقال على الحواجز، وليجد عملاً بديلاً تقدّم بطلب توظيف لمختلف المنظمات في الداخل السوري ولكنه لم يحظى بوظيفة حتى الآن، وهو يعبّر عن غضبه لهذا الأمر “معظم العاملين في هذه المنظمات لايحملون شهادات ثانوية بينما انا لا أجد من يقدر خبرتي وشهادتي”، لافتاً لوجود محسوبيات بعمل بعضها، سواء في توزيع المهام والوظائف وإما في توزيع الإغاثات والمعونات.

وفي بادرة من منظمات المجتمع المدني لتخطّي بعض من أخطائها وعوائقها فقد قامت بتشكيل هيئات جديدة، ومنها اتحاد منظمات المجتمع المدني (هو منظمة جامعة لكل منظمات المجتمع المدني السوري الغير حكومية والغير سياسية، تعنى بشؤون الوطن والمواطن السوري في الداخل السوري وفي دول اللجوء وهي اتحاد مستقل ولايفرق بين أعضائه على أي أساس ديني أو طائفي أو قومي أو عرقي)  يضم أكثر من ثمانين منظمة متخصّصة في عدد من المجالات، والهدف من ذلك هو زيادة مستوى التنسيق والتنظيم والتعاون بين هذه المنظمات بغية رفع كفاءتها وبناء استراتيجية إغاثية فعالة عن طريق معرفة الأماكن المنكوبة وتوفير بيانات دقيقة عن طبيعة احتياجاتها.

العلاقة مع السلطات

وعن علاقة المجتمع المدني مع الفصائل العسكرية المقاتلة والسلطات القائمة فعليا على الأرض، يقول المسؤول الأمني في منظمة سوريا للاغاثة والتنمية عبيدة دندوش (35عاما)، بأنّها علاقة عدم تدخل، فكل منهما بحاجة لعمل الآخر، أما في حال عاد النظام مستقبلا فهو يتوّقع بأنه سيلغي عمل هذه المنظمات ماعدا الهلال الأحمر السوري، ولكن إن  كانت المعارضة هي المسيطرة فإنها  ستسمح ببقاء عمل المنظمات لأنها بتصور الدندوش لن تكون قادرة على تغطية كافة الإحتياجات، وفيما يخص المجالس المحلية “تربطنا معها علاقة تعاون وتنسيق لكونها على معرفة بعدد المحتاجين والمتضررين في المناطق التابعة لها، ولذلك نحن نستعين بها للوصول لذوي الاحتياج”.

وفي سياق متصل يؤكد رئيس فصيل فرسان الحق فارس البيوش (47عاما) في كفرنبل عدم تدخل الفصائل بعمل المنظمات، كون عمل الفصائل هو الحرب والجبهات بينما عمل المنظمات هو المساعدة في الشؤون المدنية والأغاثية والخدمية ولذلك ليس ثمة أي علاقة مواجهة بين الطرفين وإنما هي علاقة احتواء وتفاهم.

ولكن منظمة اتحاد المكاتب الثورية في كفرنبل، تعرّضت لمداهمات عديدة من قبل تنظيم جبهة النصرة وجند الأقصى سابقا كونها تعمل في مجال الإعلام والحراك الثوري والمدني كتنظيم المظاهرات والتعبير عن الأوضاع الراهنة وما يجري دوليا ومحليا من خلال إذاعة فرش التابعة لها، وتعرض رئيسها رائد الفارس وعدداً من إعلامييها للاعتقالات التعسفية من قبل هذه التنظيمات بحسب أحد العاملين فيها.

(الدورة الثالثة لدورة ” إعداد التقارير الإذاعية” في مكتب التدريب التابع لمنظمة اتحاد المكاتب الثورية. المصدر: الصفحة الرسمية للمنظمة على الفيسبوك بتاريخ 5 يناير 2017. تستخدم الصورة ضمن سياسة الاستخدام العادل والحقوق محفوظة للمصور)

المجتمع المدني بطبيعته هو مصطلح جديد على المجتمع الأهلي السوري، والإدلبي منه، ورغم ذلك لاقى ترحيباً واسعاً من قبل هذا المجتمع لأنّه ساهم في صموده، وناضل من أجل البقاء في ظلّ ظروف الصراع القائم، فكان قادراً على استيعاب الاحتياجات والمقتضيات رغم كلّ العوائق والتحديات.

(الصورة الرئيسية: برشور دعائي لمؤسسة اليوم التالي ضمن حملة التعريف بالمجتمع المدني. المصدر مؤسسة اليوم التالي بالتعاون مع حكاية ما انحكت)

شارك المقالة: