يوسف البستاني: الثورة تعيش أصعب أوقاتها

يوسف البستاني: الثورة تعيش أصعب أوقاتها

خلال عمله الدؤوب والمثابر، استطاع يوسف البستاني عبر سنوات قليلة أن يتحوّل إلى وجه بارز من وجوه الفاعلين الاجتماعيين والثوريين والإعلاميين، إذ تراه على شاشات الإعلام لتراه بعد ساعة وسط مظاهرة موجهة ضد النظام وداعميه أو تضامنية مع مدن تتعرض للقصف، لتراه بعد أيام في مظاهرة أخرى ترفع شعارات موجهة للفصائل العسكرية في الغوطة الشرقية، مطالبة إياها بالتوّحد وإعادة “الحقوق”.

حكاية ما انحكت، تذهب في هذا الحوار مع البستاني، نحو هموم الغوطة الشرقية وأوضاعها، ووضع الفصائل العسكرية والعلاقة بين المجتمعين المدني والمحلي، لنتعرف على كل ذلك من خلال البستاني الذي عايش أحداث الغوطة حدثاً حدثاً، ولا يزال.

أجرى الحوار: محمد ديبو

(1) :عزيزي يوسف، بداية هل لك أن تقدّم نفسك للقراء، من هو يوسف البستاني وماذا يعمل وفي أي مجال ينشط؟

يوسف البستاني هو شاب بسيط يطمح في أن يعيش ببلد قوي متماسك على جميع الصعد، اجتماعياً وسياسياً وعسكرياً واقتصادياً، بلد يوجد فيه عدل وأمان وتطوّر .

بالتأكيد هذا حلم أي شخص سوري عاقل يتمنى الخير لبلده وأهله، كنت أدرس الهندسة المعمارية، ولكني لم أستطيع أن أكمل دراستي وأتخرج بسبب اعتقالات الأسد الجنونية في الجامعات لكلّ أبناء المناطق الثائرة، فأغلب من يدخل كلية الهندسة يكون عنده كمية من الأفكار والطموحات بوضع بصمة معمارية وإنشاء حلول معمارية حديثة.

اليوم للأسف نحن أمام محرقة وإبادة للإنسانية في سوريا، لذلك أجد صعوبة كبيرة في التأقلم مع هذا الواقع المرير الذي لا يعبّر سوى عن الخراب والقتل .

لا يهمني ماذا أعمل بالثورة بقدر ما يهمني أن أكون فاعلاً فيها وأحاول أن أخدمها بكل ما أملك من وقت وخبرة.

عملت في البدايات مصوّراً فوتوغرافياً لعدّة وكالات وصفحات ثورية وتنسيقيات وعملت أيضاً كمراسل حربي، وبعدها عملت لسنتين كناطق باسم اتحاد تنسيقيات الثورة ومدير مكتبه الإعلامي في سوريا، وحاليا أنا مراسل لوكالة الأناضول التركية وناطق باسم المكتب الإعلامي لقوى الثورة في دمشق وريفها .

(2): أنت ناشط معروف في الغوطة الشرقية، حدثنا الآن عن أوضاع الغوطة على الصعيد الإنساني أولا، ثم العسكري ثانيا، ثم العلاقة بين المجتمعين المدني والأهلي من جهة والكتائب العسكرية من جهة أخرى؟

الوضع الإنساني في الغوطة سيء بشكل كبير، وخصوصاً مع الهجمات الأخيرة التي شنّها طيران الأسد والطيران الروسي، والتي استهدفت أغلب مناطق الغوطة وقراها وبلداتها مما اضطر كثير من البلدات أن تنزح بشكل داخلي، وهذا يزيد من المعاناة، وأيضا قطاع التعليم شبه متوقف بسبب استهداف الطيران الحربي للمدارس بشكل مستمر والعمل على تدميرها.

 أيضا الوضع الطبي سيء، إذ أصبحت النقطة الطبية خطيرة جدا لمحاولة نظام الأسد وروسيا استهدافها بشكل دائم بأكثر الأسلحة تدميراً، ما سبّب دماراً شبه كامل للمنطقة المحيطة بأي نقطة طبية أو مشفى، حتى مقابر الشهداء لها نصيب من القصف، قصف هستيري وجنوني، ليلي ونهاري، يستخدم فيه مختلف أنواع الأسلحة ومنها المحرّمة دولياً .

يوسف البستاني خلال مظاهرة في الغوطة الشرقية بتاريخ 18يوليو 2016. المصدر: الصفحة الرسمية للبستاني على الفيسبوك. الصورة بأذن خاص منه، وتستخدم ضمن سياسة الاستخدام العادل.

الوضع العسكري في الغوطة ليس أفضل حالاً، فالمعارك لم تتوقف منذ 7 أشهر، سيطر خلالها النظام على أجزاء واسعة من المناطق الزراعية رغم بسالة ثوار الغوطة بالدفاع والتصدي، مقدمين عشرات الشهداء في سبيل صدّ هؤلاء المرتزقة والمحتلين عن الغوطة .

علاقة المجتمع المدني مع الأهالي جيدة، ولكن بشكل نسبي ومتفاوت وحتى علاقة الكتائب العسكرية مع الأهالي جيدة بشكل نسبي، لولا حالة الفرقة والفصائلية بينها، والتي كان لها التأثير الأكبر على مجريات الغوطة وخط الثورة بشكل عام.

 نعلم أنّ حالة الفصائلية كانت البلاء الأول على الثورة، إذ ندفع ثمناً كبيراً بسببها وبسبب من يتمسّك بها .

 (3): مؤخرا قمت أنت ومجموعة من النشطاء بعدد من المظاهرات التي أرسلت رسائل للكتائب العسكرية في الغوطة، حدثنا عن هذه المظاهرات وأسبابها ومطالبها بتفصيل.

بدأت المظاهرات بعد ضغوطات كبيرة قام بها نظام الأسد على جبهات معينة دون أخرى، وحالة من تقسيم مناطق النفوذ في الغوطة مما جعلنا نستشعر بالخطر المحدق والحقيقي، والذي من الممكن بسببه أن تسقط الغوطة كاملاً لا سمح الله .

كان شعارنا “أنقذو الغوطة”، وتلك دعوة رفعناها للفصائل العسكرية بشكل خاص ولكل أهالي الغوطة بشكل عام، رفعنا أربعة مطالب وتوّجهنا بها لكل الفصائل في الغوطة وهي :

– إزالة الحواجز بين المدن والبلدات.

-إشعال الجبهات النائمة وإمداد الجبهات المشتعلة بالسلاح النوعي.

-إعادة الحقوق لمن كانت، ومهما كانت.

– إنشاء غرفة عمليات عسكرية مشتركة.

الآن استطعنا الانتقال لتطبيق هذه الخطوات بشكل عملي، ورفعنا مطالب جديدة أهمها مطالبة الفصائل الثورية بالتوّحد ضمن جسم عسكري واحد، والمطالبة أيضاً بتوّحد المؤسسات المدنية وإنشاء جسم مدني يمثل الغوطة الشرقية بكافة مؤسساتها ومدنها وبلداتها، وذلك بسبب خطورة المرحلة التي تمرّ بها الثورة السورية بشكل عام والغوطة الشرقية بكل خاص .

(4): حدثنا عن تجاوب المجتمع المحلي مع دعوتكم للتظاهر؟ هل تجاوبوا؟ رفضوا الأمر في البداية ثم قبلوا؟ وكيف تجد طاقة الناس اليوم والمجتمع المحلي تجاه دعوات التظاهر؟ أي هل تعبت الناس أم لا زال لديها طاقة لتشكيل حاضنة شعبية تجاه النشطاء  والنشاط المدني، خاصة أنّ هذا النشاط اليوم موّجه ضد الفصائل وليس النظام؟

التجاوب في المجتمع المحلي والشعبي كان جيداً جداً، وخصوصا أنّ هناك حالة من التعب أصابت المدنيين بعد حالة الخذلان التي شعروا بها، والتي تمارس عليهم من قبل أغلب الدول المحيطة، ولكن هذا لم يمنع أن يستشعروا الخطر المحدق بالغوطة وحساسية هذه المرحلة التي يحاول فيها النظام العالمي إعادة الشرعية لعصابة الأسد وبعض المليشيات الطائفية .

الجميل بهذه المظاهرات أنّ المدنيين كسروا أيّ حاجز للخوف، ما جعلهم يخرجوا لكي يصحّحوا مسار الثورة ومسار الفصائل التي أصبح بعضها عبئاً على الثورة وحاضنتها .

(5): تتكرّر بين مطالبكم عبارة “إعادة الحقوق” هل لك أن توضح بشكل أكثر تفصيلي، ما هي هذه الحقوق التي تطالبون بعودتها؟ ولمن موّجه هذا الكلام بالتحديد؟

عندما حاولنا الضغط على الفصائل لأجل إنشاء غرفة عمليات عسكرية مشتركة بالحد الأدنى وإنهاء حالة الانقسام الحاصلة في الغوطة اصطدمنا بكثير من الأمور كان أهمها، وجود حقوق لدى الفصائل محتجزة فيما بينها، كان لا بد من إعادة الحقوق وخصوصا العسكرية منها، والتي من الواجب تواجدها على جبهات القتال المشتعلة، وذلك لأجل الانتقال للخطوات العملية في طريق التنسيق العسكري فيما بين الفصائل الثورية.

يوسف البستاني خلال إحدى المظاهرات في الغوطة الشرقية 11 يونيو 2016. المصدر: الصفحة الرسمية للبستاني على الفيسبوك بعد إذن خاص منه. وتستخدم ضمن سياسة الاستخدام العادل.

(6): كيف تعاملت الكتائب العسكرية مع هذه المظاهرات، وأين وصل حراككم اليوم؟

لم توجد حكمة كافية عند بعض الفصائل العسكرية للتعامل بشكل صحيح مع هذه المظاهرات، وهذا شكل صدمة لنا، خاصة أنّ المظاهرات هي المحاولة الوحيدة التي من الممكن أن نصحح بها بوصلة الثورة في الغوطة، ولكن مع صبر الحراك الشعبي ومظاهراته شبه اليومية، استطاع خلق هالة من الضغط المدني على كل من يعطّل أو يحاول أن يعطّل أيّ حل ينقذ الغوطة وأهلها .حاليا نطالب بتوحيد الصف العسكري والصف المدني لمواجهة المرحلة القادمة.

(7): حدثنا عن نشاطك الإعلامي وعن صعوبات النشاط في منطقة واقعة بين نيران نظام الأسد وهيمنة الفصائل على الأرض؟

أعتبر نفسي مقصّراً جداً بأداء واجبي الثوري والإعلامي في الغوطة، وخصوصاً أنّ هذه المنطقة محاصرة منذ 4 سنوات وأكثر، وتعاني على كل الأصعدة وتقصف بشكل هستيري وشبه يومي، وخصوصاً أنّ المجرم بشار يحاول تدميرها بشكل منهجي ومدروس وأنا مقصّر بنقل الواقع المأساوي، أما بخصوص الفصائل فهي متجاوبة بأغلب الأوقات ومساعدة لي بشكل كبير .

أنا أعتبر الفصائل الثورية هي جزء لا ينفك عن الثورة، أنا أعتز بها وبمقاتليها الأبطال الذين يعتبرون مشاعل نور على درب الحرية والكرامة .

(8): الواقع العسكري في الغوطة إلى أين يتجه برأيك؟ سواء توحدت الفصائل أم لا؟

الواقع العسكري على مستوى فصائل الثورة يتجه بشكل صحيح وإيجابي، وخصوصاً أنّ هذه الفصائل علمت قيمة وحدتها، وهي الآن تعمل وتخطط حسب استطاعتها وما تملك من مقومات.

 أما الواقع العسكري في الغوطة فهو خطير صراحة، والواضح أنّ تحالف الاحتلال الروسي والإيراني في سوريا ورعايته لعصابة الأسد قرار مصيري بالنسبة لهم إذ يقدمون للأسد الدعم لأقصى حد، ولكن تستطيع الغوطة بقوتها وقوة موقعها أن تقوم بخطوات قوية جداً على مستوى الثورة .

(9): كلنا يعرف الوضع الإنساني السيء في الغوطة، ولكن البعض يتحدث عن أن الأمر ليس عائد للنظام فقط، بل إنّ بعض الحواجز التي تقيمها بعض الكتائب تحوّلت إلى عبء على الناس وللترزّق على حسابهم أحيانا؟ ما صحة هذا الكلام من عدمه؟ وهل للتجار دور هنا؟ ومن هؤلاء التجار؟ وهل هناك علاقة بينهم وبين الكتائب؟

حالة الانقسام الحاصلة في الغوطة على المستوى العسكري والمؤسساتي، وخصوصاً المؤسسة القضائية الموّحدة سمحت للفساد بالوجود والاحتكار بالانتشار، وطبعا بعض المجموعات العسكرية في الفصائل فاسدة تحاول استغلال أي وضع، ولكن غياب المحاسبة لهذه المجموعات هو ما جعل الفساد ينتشر ويظهر ويصبح حديث للعامة.

(10): كلمة أخيرة تود قولها:

اليوم الثورة تعيش في أصعب أوقاتها، إذ تكالب عليها المشرق والمغرب، ولكن همّة ثوارنا وأبطالنا كبيرة جدا، لذا سننتصر في النهاية لأنها نرفع قضية حق، قضية قدمت الدماء والأموال والشهداء، وكل ما تملك في سبيل هذه القضية وبلوغ النصر فيها .

(الصورة الرئيسية: يوسف البستاني. المصدر: الصفحة الشخصية للبستاني على الفيسبوك بإذن خاص منه، وتستخدم ضمن سياسة الاستخدام العادل)

شارك المقالة: