طبيب في حلب: أعيش وحولي الموت في كل الجهات

طبيب في حلب: أعيش وحولي الموت في كل الجهات

عمر يوسف سليمانعمر يوسف سليمان

شاعر وصحفي سوري يقيم في باريس، آخر أعماله، “الموت لا يُغوي السُّكارى”، شعر باريس 2014، “انسَ دمشق”، سرد، بيروت 2015، و”الطفلُ المنسي”، شعر، باريس، 2016.

بقلم .

“أنا سالم الإنسان، الموجود في الأحياء الشرقية من حلب، أخبركم نحن عم نتعرض للقصف ليل نهار، وبكل أنواع الأسلحة، نحن بحاجة لكلّ شيء، وأوّل ما نحتاج إليه أن نكون آمنين في بيوتنا ومحلاتنا و شوارعنا، نناشدكم جميعاً العمل الفوري على وقف القصف وإيقاف الحرب والقتل وفك الحصار الظالم المفروض علينا من السماء و الأرض، ربما تكون هذه رسالتنا الأخيرة، أطالب و أناشد كل من عنده القدرة و الإرادة العمل و بسرعة على وقف الحرب و الحفاظ على ما تبقى من أرواح بريئة”.

هذا ما كتبه الطبيب سالم أبو النصر، على صفحته الشخصية، بعد حديثنا إليه بيوم واحد، ليصبح الكلام معه متعذراً، بسبب معارك الكرّ والفرّ بين النظام والمعارضة في حلب الشرقية، حيث يعيش الطبيب، الذي تحوّلت صفحته الشخصية على الفيسبوك إلى مؤشر لأحوال المدينة وأخبارها، فيما أصبحت حكايته الشخصية حكاية ثورة لا يزال أفرادها يقبضون على الجمر وسط خذلان الجميع، ففيما يمّم قسم من النشطاء وجههم نحو المنافي، هربا من الموت أو الاعتقال، لا يزال أبو النصر في حلب، صامداً في وجه كلّ أنواع الطغيان وصعوبات الحياة.

لم تكن المشاركة في الثورة السورية حدثاً طارئاً على الطبيب الذي كان من المؤيدين لربيع دمشق عام 2005، من خلال نقاشاته في مدينته طرطوس وعلاقاته مع السياسيين المعارضين بالداخل، ففي ربيع 2011 انخرط سالم أبو النصر في الحراك السلمي السوري، عبر تأييده الكامل له، وبالعلن، معتبراً أنّه “أشرف من كلّ الثورات والحركات الاجتماعية التي قام بها السوريون في كل تاريخهم”، كما يصرح لـ “حكاية ما انحكت”، ما أدَّى إلى اعتقاله بعد شهر من انطلاق الثورة، ليعود إلى طرطوس، ثم يُعتقل مرة ثانية في آب من نفس العام، إلى أن أفرِجَ عنه في الشهر الأول من عام 2012، عندها غادر سوريا إلى مصر، فلبنان، فتركيا، ثم عاد فدخل سوريا في آذار 2013، حيث كانت مناطق عدة قد خرجت عن سيطرة النظام في الشمال السوري، وهناك تابع طريقه في النضال.

الطبيب سالم أبو النصر مع إحدى مريضاته في حلب الشرقية. المصدر: الصفحة الرسمية للطبيب على الفيسبوك بتاريخ 15 فبراير 2015. تستخدم الصورة ضمن سياسة الاستخدام العادل.

“حكاية ما انحكت”، حاول مراراً التواصل مع طبيب الأسنان الذي رفض الخروج من الأحياء المحاصرة، عبر موقع فيسبوك، ثم الواتس أب، حيث أتى صوت سالم متفائلاً على الرغم من كلّ ما يحدث، وبدأ بسرد كيفية دخوله المدينة وما يعانيه شخصياً فيها، “عام 2013، بدأت العمل في مشفى عمر بن عبد العزيز، (وهو مشفى ميداني يقع في حي المعادي بحلب الشرقية)، ثم بدأت التنقل بينه وبين ريف حلب الشمالي، وأرياف إدلب وحماه، وحين حوصرت الأحياء الشرقية بشكل كامل في الشهر الخامس من عام 2016، كنت في حي بستان القصر، حيث بدأت العمل لدى مركز طبي تابع لهيئة أطباء حلب الأحرار، (هيئة طبية غير ربحية، تسعى إلى تقديم كافة الخدمات الطبية والصحية في كافة مناطق سوريا المحررة)”.

ينقطع الخط بيننا وبين الطبيب، فنعاود الاتصال مراراً، وما إن ننجح حتى نطرح سؤالاً مباشراً مستفيدين من كلّ دقيقة ما نزال نسمع صوته خلالها، يقول سالم أبو النصر لـ “حكاية ما انحكت”، “بقيت في حلب لأنّ الناس يحتاجون إلَي، إذ لا يوجد هنا طبيب أسنان سواي، جميع زملائي خارج هذه المناطق المحاصرة، ونحن نعمل بشكل تطوعي”.

لافتة يرفعها الطبيب سالم خلال المشاركة في مظاهرة في حلب الشرقية. المصدر: الصفحة الرسمية للطبيب على الفيسبوك في مارس 2016. تستخدم الصورة ضمن سياسة الاستخدام العادل.

سالم أبو النصر، وحيد لوالديه، وغير متزوج، وجوده في حلب لا يقتصر على معالجة الناس، فهو منخرط في النقاشات الثورية مع النشطاء السلميين والمسلحين، وكثيراً ما يختلف معهم في الرأي، “أنا أتبنى الخطاب العلماني الديمقراطي المدني التعددي”، يقول لـ “حكاية ما انحكت”، ويضيف “لم أسمع هذا الخطاب من نشطاء حلب بوضوح، وقد سبق وأن وقعت في مشكلات نتيجة تصريحي بأفكاري، فتمّ اعتقالي من قبل “شبكة المعلومات”، وهي شبكة مخابراتية تابعة لإحدى الفصائل، (رفض التصريح عنها)، في كانون الثاني عام 2015، وتعرّضت خلالها لسوء المعاملة، ثم أخليَ سبيلي”. وبالإضافة إلى ذلك، عانى الطبيب من عدم وجود مجتمع منفتح كذلك الذي نشأ فيه بطرطوس، “هنا تسود العقلية الذكورية، ولا حضور للمرأة أبداً، إضافة إلى ذلك، الأعراف والتقاليد تختلف عن تلك التي نشأت فيها بطرطوس، فتقبّل الآخر المختلف يكاد يكون معدوماً هنا”.

أما عن أنه قد جاء من مدينة طرطوس التي يُعد أكثر أبنائها مؤيدين للنظام، وكيف تقبل ثوار وأهالي حلب هذا الأمر، فيقول سالم لـ “حكاية ما انحكت”، “أنا أنحدر من عائلة سنية، لكنّني لا أؤمن باعتقادها، أنا علماني، أرفض التكفير والإلغاء والخطاب الديني أيّاً كان، ولم يضايقني أحد في حلب بسبب هذا الأمر”.

حول الطبيب الذي يسرد لنا آراءه عن الثورة السورية اليوم، نسمع صوت شخص يدخل المركز الطبي، نسمع صوته يسلم عليهم، “أهلاً دكتور”، ثم يعود إلينا بالحديث، “أنا آسف المركز متوقف عن العمل منذ يوم السبت الماضي (27 نوفمبر 2016)، بسبب القصف الكثيف بكل أنواع الأسلحة، وانعدام المواد الطبية، لذلك فإنّني مع باقي الأطباء نجلس بلا عمل، متهيئين لدخول القبو في أيّة لحظة نسمع في صوت الحوَّامات”، نغتنم الفرصة لنسأل الطبيب عن وضع حلب، فيقول لـ “حكاية ما انحكت”، “ما يحدث في حلب حرب متعدّدة الأذرع، هي شأنها شأن ما يجري في باقي مناطق سوريا، حرب بين السوريين من جهة، وبين الدول الداعمة لهم من جهة ثانية، حلب، ومنذ ثلاث سنوات تتعرض لحملة براميل تهدف إلى محوها”.

وعن رأيه في مستقبل حلب يقول، “لا أعرف إن كان النظام سيجتاح حلب أم لا، فأنا أعيش وحولي الموت في كل الجهات، لذلك لا أستطيع التفكير أكثر من ساعتين من المستقبل، أسعى بكلّ قواي للحفاظ على سلامتي الشخصية وسلامة من حولي”، أما معاناة الناس اليومية فيقول “أكثر ما يذبحني في هذا الحصار الأطفال، فالأطفال والنساء أكثر الفئات اضطهاداً في الشرق الأوسط، لذلك أتعاطف معهم كثيراً، يوجد شح كبير في المواد الغذائية، فقد وصلنا إلى مرحلة طحن البقول مع القمح للحصول على الخبز، الخضار والفاكهة غير متوفرة، ونعتمد في غذائنا على الحشائش، أما حليب الأاطفال فإنه يتناقص تدريجياً”.

صرخة “أبو النصر” الأخيرة من حلب، صرخة وجع بقدر ما هي صرخة تحدّي، وحكايته شخصية بقدر ما هي عامة، تعكس مآل أحلام شعب تطلّع نحو الحرية، فإذا به يقبض على الجمر.

(الصورة الرئيسية: صورة نشرها الطبيب سالم على صفحته على الفيسبوك بتاريخ 28نوفمبر 2016، وكتب بجانبها: منشان تضل ريان عم تضحك، منشان أقدر خفف ألم، منشان تضل الأطفال عم تلعب، لازم نضل ع أكبر قدر من التوازن، منشان الناس تعيش، لازم توقف الحرب/ بستان القصر ، حلب، تشرين الثاني 2016 )

شارك المقالة: