حزب الله بين سورية ولبنان (4)

حزب الله بين سورية ولبنان (4)

راتب شعبوراتب شعبو

راتب شعبو: طبيب وكاتب سورى من مواليد 1963. قضى من عمره 16 عامًا متّصلة (1983 – 1999) فى السجون السوريّة، كان آخرها سجنُ تدمر العسكري. صدر له كتاب دنيا الدين الإسلامى الأوّلَ، وله مساهمات فى الترجمة عن الإنكليزيّة.

بقلم .

يجمع سوريا ولبنان ما يجعلهما أكثر من بلدين متجاورين، أكان ذلك في الجغرافيا أو التداخل البشري أو التاريخ المشترك. ومع كلّ ما يجمع البلدين، فإنّ الاختلاف بين البلدين في صيغة الحكم، التي استقرت بعد الاستقلال، ظلّ كبيراً. فائض الدولة في سورية، يقابله نقص الدولة في لبنان. كما يختلف المزاج السياسي العام بين الشعبين، ففي مقابل اليقين القومي العروبي الذي تميّز به الشعب السوري، ظلّت فكرة العروبة في لبنان قلقة. وقد يكون هذا الاختلاف في المزاج العام أحد مفاتيح تفسير الاختلاف في نمط الحكم بين البلدين، فالفكر القومي يستدعي تشديد مركزية الدولة، فيما يقود تنافر المزاج الشعبي إلى تشتيت مركزية الدولة وتوازعها بين الجماعات المتجانسة، التجانس الذي قام في لبنان على أساس الانتماء الطائفي بالدرجة الأولى.

هذا الواقع اللامركزي جعل لبنان ملاذاً للكثير من السياسيين والمثقفين السوريين الذين راحت تلفظهم سوريا في مسار تحوّلها الديكتاتوري العسكري بعد الاستقلال. وأمكن للبنان “الضعيف” أن يستمر بفضل الحماية الغربية من جهة، والتوازن الإقليمي الذي شغلت إسرائيل موقعاً أساسياً فيه منذ تأسيسها، من جهة أخرى. بالنتيجة ظلّ هذا البلد المفارق في شكل الحكم وفي الحريات العامة والفردية التي توّفرت فيه، بعيداً عن أن يكون لقمة سهلة لسورية، وبعيداً في الوقت نفسه عن أن يكون ضحية قوة محلية تكبر وتهيمن وتفرض إيديولوجيتها فيه وتدخله بالتالي في نادي الاستبداد العربي. وهذا ما جعل منه ملاذاً للمنشقين العرب.

وكان من نافذة حماية “الصيغة اللبنانية” أن دخلت القوات السورية إلى لبنان في 1976، دون اعتراض غربي أو إقليمي “إسرائيلي”. وإذا كان يمكن مناقشة دور التدخل السوري حينها في قطع الطريق على تدخل إسرائيلي محتمل يضع حدّاً “لمغامرة” القوى الوطنية اللبنانية بالاستيلاء على الحكم في لبنان، بالتحالف مع منظمة التحرير الفلسطينية، فإنّ ما لا يقبل النقاش أنّ الدور السوري انتهى إلى شكل من الانتداب، نهب لبنان وأهان شعبه، وساهم في خلق كمون لبناني شعبي ضد “سوريا” كمعطى واحد لا تمييز فيه بين نظام وشعب. مشاعر الغبن التي عاشها اللبنانيون دفعت إلى قتل الكثير من العمال السوريين الأبرياء، بقصاص أعمى، عقب خروج القوات السورية من لبنان في نيسان 2005. ويدفع ثمنه اليوم اللاجئون السوريون في لبنان، على شكل ممارسات سلبية ذات طابع انتقامي.

على أرضية التدخل السوري 1976، ثم الغزو الإسرائيلي 1982 وخروج منظمة التحرير من بيروت، حدث التحوّل الأهم في لبنان، وهو تلاشي المقاومة الوطنية في لبنان لصالح بروز المقاومة الإسلامية “حزب الله“. الأمر الذي قاد إلى تصدّع الصيغة اللبنانية (التوازن خارج الدولة)، ببروز حزب (حزب الله) ذي بنية طائفية ومسلح إلى مستوى يجعله أقوى من بقية القوى، وأقوى من الدولة نفسها. وفوق ذلك فإنّ هذا الحزب ينضوي في محور قوى يتجاوز لبنان، تنبع سياسته من مصلحة إقليمية أعلى من المصلحة اللبنانية.

ما كان ممكناً لهذا الاختراق أن يتم لولا تولي الحزب قضية وطنية جامعة وبالغة الحساسية وهي مقاومة إسرائيل التي تحتل جنوب لبنان، ولولا أداؤه المثير للإعجاب وتفانيه في خدمة هذه القضية، الأمر الذي جعله خارج شروط اتفاق الطائف 1989، الذي قضى بحلّ الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع أسلحتها.

اختلفت العلاقة الخارجية لحزب الله عن العلاقات الخارجية لبقية قوى “الصيغة اللبنانية”، أولاً في أنّها حازت على قبول واسع، أو حتى على تقدير واسع، بفضل وظيفتها الأبرز التي تمثلت في مقاومة إسرائيل. وثانياً في أنّها خلقت قوة عسكرية مؤثرة، لا شيء يمنعها، كما رأينا في أكثر من مرّة، من أن تستخدم خارج الفعل المقاوم. فبعد أن أنجزت المقاومة نصرها في تحرير الجنوب اللبناني في أيار 2000، برزت وظيفة جديدة لها هي “حماية المقاومة”. وإذا كان حزب الله قد ابتعد عن معادلة “الحكم مقابل التحرير”، أي أنّه لم يتجه للاستيلاء على الحكم في لبنان كما كان الحال مع حركات التحرر الوطني، فإنّ الحزب استعاض عن ذلك بحكم لبنان من خارج الدولة، وبتلبية مصالح المحور الذي ينتمي إليه، من خلال الوظيفة المبتكرة (حماية المقاومة) والتي تضخمت حتى طغت على وظيفة المقاومة نفسها.

كان من البديهي أنّ حزب الله اللبناني لن يقف متفرجاً على أزمة الحكم التي واجهها النظام السوري إثر اندلاع الثورة السورية في 2011. على أنّ الإسراع في اتهام الحزب من الأيام الأولى بالتدخل المباشر لصالح النظام، كان يندرج في باب القصور السياسي، أو حتى الرعونة، من جانب من توّلوا الكلام باسم الثورة. الغطاء الإيديولجي “للمقاومة” واسع ومطاط وقادر على تغطية طيف كامل من الممارسات السياسية. يكفي أن تستولي على الموقع المقاوم مرّة (وقد استولى حزب الله من قبل على هذا الموقع بجدارة)، حتى تتمكن من استخدام حيازتك هذه كسلاح فعال يحرق جميع من تطردهم من هذا الموقع، بما يشبه رمي الحرم الكنسي. على هذا، بدت الثورة السورية للحزب، منذ البداية وقبل أن يسيطر عليها الجهاديون، مؤامرة تهدف إلى ضرب “محور المقاومة”، أو طابوراً خامساً لإسرائيل ..الخ. وأصبح دعم النظام السوري، باعتباره حليفاً لحزب الله، هو فعل مقاومة، من باب “حماية المقاومة”.

في الواقع لم يكن أمام حزب الله أن يفعل غير ذلك، وكلّ الرسائل المفتوحة وغير المفتوحة التي وجهت إلى قيادة الحزب لثنيه عن دعم النظام السوري، كانت حراثة في البحر. السبب في ذلك أنّ حزب الله لم يكن كياناً مقاوماً مستقلاً، يجد نفسه حليفاً طبيعياً للتطلعات التحررية لشعوب المنطقة. بل كان كياناً قتالياً يستمد قوته من صلته بنظامين متمرسين في خنق التطلعات التحررية للشعوب. ولذلك كان هذا الحزب بارعاً في المقاومة ومحط إعجاب الجميع، بمن فيهم أعداؤه، بنفس براعته في الدفاع عن النظام الأسدي في تنكليه الفظيع بالشعب السوري.

إنّه ببساطة حزب تتوجه قيادته بالولاء والطاعة، وليس بأي نوع من الفكر النقدي التحرّري. وقد كان النشاط المقاوم للحزب يغطي على هذه الحقيقة، أما بعد التحرير في 2000، ومع تحوّل الحزب من حركة مقاومة إلى حالة قريبة من “نظام حكم”، فإنّ هذه الحقيقة برزت أكثر فأكثر.

هل كان يمكن نشوء حركة مقاومة فعالة ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، دون صلة مع النظام السوري شبيهة بالصلة التي أقامها حزب الله به؟ الجواب الراجح هو النفي. هل تفرض الشروط الموضوعية للبنان بعد 1982، أن تكون حركة المقاومة فيه واقعة تحت رحمة النظام السوري، بما يجعلها مرهونة لسياسته الخارجية؟ الجواب الراجح هو الإيجاب. هل يمكن أن نفترض قيام حركة مقاومة لبنانية، تبني علاقة مصلحة مع النظام السوري بغرض تحرير جنوب لبنان، ثم تفك ارتباطها مع هذا النظام في لحظة اصطدامه مع الشعب السوري؟ يحتاج الأمر إلى قدر كبير من المهارة والجرأة أو حتى المغامرة السياسية، للانفكاك عن نظام يشكل النافذة العسكرية الوحيدة. لم يكن الحال كذلك مثلاً بالنسبة لحركة حماس التي كان يكفيها أن تنقل مكاتبها إلى بلد آخر. هل يعني هذا أنّ موقع المقاومة اللبنانية محكوم بأن يكون على الضد من طموح السوريين بالتحرّر من السيطرة الأسدية؟

الحق أنّ المحصول الذي جناه النظام السوري من سياسته في دعم حزب الله بجسارة ضد إسرائيل، كان محصولاً وافراً. فهو حافظ بذلك على حضور فاعل على جبهة التسوية مع إسرائيل فارضاً عليها “وحدة المسارين”، وحافظ أيضاً على حضور فاعل في الساحة السياسية اللبنانية ولاسيما بعد خروجه العسكري في نيسان 2005. كما سجل لنفسه موقفاً مقاوماً يغطي به على سياسة البطش الداخلية، ويكسب مناصرين في الخارج، من يساريين وإسلاميين على السواء. كلّ ذلك مقابل قدر من المغامرة بتحمّل رد فعل إسرائيلي، كان معروفاً أنّه لن يكون جذرياً، على خلفية حرص النظام على مراعاة التوازن القائم، والأهم على خلفية ما تدركه إسرائيل وأميركا من أولولية الحكم لدى النظام الأسدي على كلّ شيء آخر بما في ذلك الحقوق الوطنية.

من الموقع اللبناني، فإنّ اختراق “محور المقاومة” للصيغة اللبنانية، جعل الوضع السياسي في لبنان مرهوناً بهذا المحور الذي يستطيع، حين يشاء، تعطيل الحياة الساسية اللبنانية إلى ما لا نهاية، دستورياً أو عسكرياً إذا اقتضى الحال.

من موقع حزب الله، فقد كان النظام السوري حليفاً لا غنى عنه، في السعي لتحرير الجنوب. ومن المفهوم أن يجد الحزب نفسه معنياً برد الدين قبل سنوات من اندلاع الثورة في سورية. من مظاهرة 8 آذار 2005، إلى تقديم بندقية المقاومة لرستم غزالة. وعليه لم يكن دخوله الصراع العسكري إلى جانب النظام سوى امتداد طبيعي لما سبق. ولكن الحقيقة أنّ الأمر يتجاوز كونه رداً لدين، فالحزب يدرك، بعد أن تحوّل إلى “نظام حكم”، أن استمراره مرهون باستمرار النظام السوري، وأنّه تحول إلى قوة محافظة في وجه أمل السوريين بقدر من التحرر الداخلي.

(الصورة الرئيسية: لافتة رفعت في حي ركن الدين في دمشق بتاريخ 28 نيسان 2013، في مظاهرة للشباب السوري االثائر. المصدر: الصفحة الرسمية للشباب الثائر على الفيسبوك)

شارك المقالة: