الفن السوري: روايات عن الأمل واليأس والثبات

الفن السوري: روايات عن الأمل واليأس والثبات

نتالي روزا بوخيرنتالي روزا بوخير

صحافية شغوفة بالفن السابع وركوب الدراجات الهوائية، ولديها اهتمام كبير في الثقافة ووسائل النقل فضلاً عن الموضوعات الإجتماعية والبيئية. أصولها المختلطة الفرنسية والألمانية قد يُفسر إنجذابها إلى الدول المقسومة والمجتمعات المتنّوعة. أقامت سابقاً في مدينة كيب تاون في جنوب أفريقيا لمدة ١٥ عاماً قبل إنتقالها إلى بيروت في أوائل العام ٢٠١٢.

بقلم .

بيروت، لبنان

بعد مرور حوالي ست سنوات منذ وصولهم إلى بيروت، تمكّن العديد من الفنانين السوريين، وبالأخص التشكيليون منهم، من إيجاد فسحة لهم في الوسط الفني اللبناني، علماً أنّهم لطالما كانوا جزءاً من معالم الساحة الفنية هنا. فمع تصاعد الصراع في سوريا، بدأت المعارض الفنية بإغلاق أبوابها في دمشق فانتقلوا إلى العاصمة اللبنانية التي وفرّت مجالاً أوسع لحرّية التعبير مع جمهور أكثر تقبّلاً، وفرصاً لجني بعض المال من خلال الأعمال الفنية المعروضة.

وعلى الرغم من علم الفنانين السوريين بالمعالم الفنية في بيروت، إلا أنّ معظمهم واجه صعوبات جمّة، منها التحيّز العنصري بسبب العلاقات اللبنانية – السورية المتوترة، بالإضافة إلى صغر سوق القطع الفنية ووجود منافسة حادة فيه. غير أنّ  حقيقة تواجدهم في لبنان أعطى الساحة الفنية المحلية نفساً جديداً، مظهراً بذلك وجهات نظر أكثر عمقاً ودقّة.

سرعان ما حدّد الفنانون السوريون أيّة أماكن ومطاعم ومقاهي وحانات تدعم الثورة السورية، وبالتالي تؤمن مجالاً للتعاون في الوسط الفني. كما قامت بعض السفارات والمؤسسات الأجنبية بتقديم الموارد المالية بعد قيام الربيع العربي، موفرةً بذلك الفرص لإظهار أعمال الفنانين السوريين في لبنان. غير أنّ كبر ومنافسة الساحة الفنية اللبنانية، وكونها تؤمّن صلات للوسط الفني العالمي أجبر الفنانون السوريون على تعلّم الجانب التجاري للمهنة للتعامل مع السوق ولتسويق أنفسهم كفنانين.

وبحلول عام ٢٠١٦، نجح العديد منهم، إما بتكريس أنفسهم على الساحة اللبنانية أو تمكّنوا من السفر الى تركيا وأوروبا، بينما صارع آخرون من أجل البقاء. بالنسبة للبعض كان الصراع القائم في سوريا والصعوبات الحياتية في بيروت أكثر مما يتحمّلون، كما يظهر انتحار الفنان الناشئ حسن رابح الذي كان فرداً من فرقة سيما الراقصة.

تأثير الثورة السورية

كان للعنف والحرب القائمة في سوريا دوراً في طمس ذكريات نشأة الثورة هناك، الأمر الذي أطلق العنان لطاقة خلّاقة استثنائية أظهرت نفسها من خلال الكم الهائل للفن السوري الموجود على وسائل الإعلام الإجتماعي والمنصّات الإلكترونية ، فرأى العالم وجهاً جديداً لسوريا: وجهٌ شابٌّ وخلّاقٌ وبليغٌ ومتحديٌ وشجاعٌ ومتعطّشٌ للتغيير.

يقول الصحفي إيلي عبدو في تقييمه للوضع عام ٢٠١٤ أنّ “أحد آثار الثورة كان تحرير مجال الفنون في سوريا من الركود الذي كان أحد المنتجات ثقافتها المستأنسة… ففرضت سلطة جديدة نفسها على المشهد، أي على الشارع”، ويواصل عبدو قوله أنّ إحدى أكبر مزايا الثورة السورية هي أنّها “أمّنت فرصة للجميع للمشاركة في خلق  اللحظة الثورية، سواء عبر الغناء أو الموسيقى أو ترديد الشعارات أو قراءة الشعر.”

غير أنّه لم يتجرّأ إلا القليل من الفنانين السوريين للتعليق على الوضع السياسي القمعي قبل العام ٢٠١١. كان الفنان الجريء يوسف عبدلكي، المعروف برسوماته الداكنة والعاطفية المرسومة بالفحم، قد أمضى عامين في السجن خلال حكم حافظ الأسد ومجدّداً في عام ٢٠١٣ عندما تمّ احتجازه لمدة خمسة أسابيع. غير أنّه لا يزال مقيماً في دمشق حيث رسم صوراً مروّعة لأمهات مفجوعات بعد “استشهاد” أطفالهن ولمواضيع تأثّر على المُشاهد بجمالياتها القاتمة وبصدقها.

 سياق فنّي حيّ ولكن قمعي بإمتياز

“تعرّفت على عمر أميرلاي عندما توّفي!”.

قال فنان الرسوم المتحركة وائل طوبجي عن أحد أبرع مخرجي الأفلام الوثائقية في سوريا، فـ “أمثاله لم يتلقوا أي دعم أو تغطية في وسائل الإعلام الوطنية لذا اضطروا للعمل في الخارج… لم نتمكّن من رؤيته أو السماع عنه.”

يتذّكر المهندس الشاب غياث الجباوي الذي انتقل إلى بيروت قبل إعادة توطينه في إيطاليا في عام ٢٠١٢ كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق: “لم تقم أيّاًّ من الأقسام الخمسة للكلية بفتح نقاش عن أو مع الفن المعاصر. لم يكن لديهم أدنى فكرة عن ذلك، ولم يكن هناك أيّ مجال للاختبار. كانت الهيكلية المركزية الصارمة تعكس طبيعة النظام السياسي. اكتشاف مكان مثل أشكال ألوان، عندما أتيت إلى بيروت كان بمثابة صدمة! فأنا قرأت واكتشفت وتعلّمت الكثير هناك.”

 وتضيف ليلى (رفضت ذكر اسمها الثاني) طالبة الإتصالات البصرية في كلية الفنون الجميلة أنّه بعد اعتقال الأكاديمي ياسر العبّار في داريا في عام ٢٠١٣، حدّق أحد أساتذتها بها، وصرخ قائلاً: “هذا هو ما ستحصلين عليه عندما تريدين الحرية”.

قبل عام ٢٠٠٤، كان الفن السوري غير معروف عالمياً وغير مرتبط بالساحة الفنية الغربية، لذا كان جامعي التحف الفنية هم من العرب فقط. غير أنّ الساحة الفنية السورية اكتسبت زخماً في عام ٢٠٠٤ مع افتتاح دار الأسد للثقافة والفنون ودار الأوبرا الجديد في دمشق، وفتح أول فرع لغاليري أيام في دمشق في عام ٢٠٠٦، مما ساهم في تعزيز مكان الفنانين السوريين عالمياً حتى تمكّن المشهد الفني الصاعد من لفت انتباه وسائل الإعلام الدولية.

غســـيل ســوري - لوحة - تمام عزام

لوحة غســـيل ســوري للفنان تمام عزام. المصدر: الصفحة الرسمية للفنان على الفيسبوك.

ويشرح وسام قدورالمقيم حالياً في بيروت عن طفرة المقاهي في دمشق في ذلك الوقت: “كنت مسؤولاً عن مقهى بايجز الواقع في منطقة الشعلان، والذي أصبح نقطة إلتقاء شعبية. كان مكاناً يجمع كلّ أنواع الناس، بما في ذلك الفنانين من جميع الأعمار. وكان كلّ يوم ثلاثاء مخصّصاً للأمسيات الموسيقية حيث يشارك من يرغب من الجمهور بذلك.”

عندها بدأ الفنانون السوريون وصالات العرض السورية بكسب اهتمام المعارض الدولية وجامعي التحف الفنية وبيوت المزادات، ممّا كان أيضاً نتيجة اختيار دمشق عاصمة الثقافة العربية لعام ٢٠٠٨. في تلك السنة، تمكّن  فنان الرسوم المتحركة طوبجي وصديقه سام حداد من الحصول على فرصة نادرة لتأمين التمويل من دمشق عاصمة الثقافة العربية لفيلمهم القصير بعنوان “الظلال”، والذي تمّ عرضه في المهرجانات المختلفة.

ساهم المركز الثقافي الفرنسي، ومعهد غوته الألماني، والمجلس الثقافي البريطاني بالإضافة إلى المؤسسات الأجنبية الأخرى بتطويرالحياة الثقافية بالعاصمة السورية إلى حدٍّ كبيرٍ. “كان المكان الأكثر شعبية هو المركز الثقافي الفرنسي،” يقول طوبجي. “لقد كان يشتهر بالذوق الرفيع، ودائماً كانت هناك معارض جيّدة. قبل انتشارالإنترنت، كان عالم الفن والثقافة يوفّر منّفذاً لعوالم أخرى”. ويضيف طوبجي: “كانت دمشق تنبض بالحياة حقاً وكانت مصدراً للإلهام. كان هناك العديد من المعارض والمسرحيات ولم تكن مكلّفة على الإطلاق. أنا حضرت معظمها مجاناً. أما تسعيرة تذكرة الأوبرا فكانت حوالي دولارين.”

 يذكر المصوّر جون وريفورد الذي أقام في دمشق لمدة عشر سنوات قبل مغادرته العاصمة السورية في عام ٢٠١٣ تمضيته ليالي الاثنين من عام ٢٠٠٨ في مقهى بيت القصيد في فندق برج الفردوس. كانت هذه الأمسيات الشعرية مبادرة من الشاعر والكاتب لقمان ديركي غير أنّها لم تكن تتمحوّر حول الشعر فقط وإنما حول فكرة الحرية الشعرية أيضاً، وإن بوجود رجال الشرطة السرّية كما هو المعتاد في كل المناسبات العامة.

وأكّد طوبجي أنّه “بحلول العام ٢٠١١، كان فن الرسم السوري متقدّماً، غير أنّ الفنانين الذين أعرفهم لم يتمكّنوا من كسب العيش منه” وبقدر ما كان يحاول نظام الأسد بإظهار الوجه الليبرالي عبر فتح فنادق ذات مستوى عالمي والتملّق للغرب لتوفير مظاهرالانفتاح، كان النظام في نفس الوقت يقوم بإلقاء القبض على الأصوات المعارضة بإجراءات موّجزة.

لذا ليس غريباً أنّه كان يتوّجب على الفنانين الحصول على تراخيص خاصة لكي يتمكنوا من عرض أعمالهم في الأماكن العامة للتفاعل مع جمهور أوسع. يذكر المصوّر وريفود: “عرضت بعضاً من أعمالي مع المصوّر عيسى توما في حلب عام ٢٠٠٣ في محطة القطار وكان بإمكان الركاب القادمين والمغادرين رؤية أعمالنا. كان حدثاً، كبيراً. أذكر إهتمام مزارعين قادمين من دير الزور بصوري من القاهرة”.

الكارثة والمنفى

“كانت أوّل أيام الثورة أجملها” قال المثقّف قدور، ليتابع “كنّا نتحدث عن الحرية وعن ما كان علينا فعله، وما نحتاجه، ولكن عندما بدأ أصدقاؤنا بالذهاب إلى السجن واحداً تلو الآخر، تشاركنا خوفنا… وضعنا شمعة في مقهى بايجز، ثم ألغينا الأمسيات الموسيقية. لا يمكنك الإحتفال فيما الناس تموت.”

عندها قامت طالبة الاتصالات البصرية ليلى بتصميم الملصقات واللافتات للمظاهرات، إذ “كان علينا العمل بسرعة، خمس دقائق أكثر قد تعني أنّ الشرطة أو قوات الأمن يمكنها أن تقتحم المكان. هذا كل ما كان بإمكاني عمله. تمنّيت لو أستطيع أن أفعل أكثر ولكن كنّا نقطن في منطقة تحت سيطرة النظام وكنا نخشى التفكير بما يمكنه أن يحدث لوالدينا” كما تقول ليلى لحكاية ما انحكت.

غادرت ليلى سوريا في عام ٢٠١٢ لتسكن في تركيا حيث قامت بتصميم ملصقات لمركز المجتمع المدني والديمقراطية في سوريا . وتقول أنّ أحد ملصقاتها ضد تسليح الأطفال تمّ نسخه ونشره على نطاق واسع، حتى من قِبل النظام ولكن دون استخدام شعار المركز.

بروشور ضمن حملة لمركز المجتمع المدني والديمقراطية في سوريا ضد تسليح الأطفال، وهو من تصميم الفنانة السورية ليلى (رفضت ذكر اسمها الثاني). تمّ النشر بموافقة المركز والمصمّمة

ولكن مع استمرار الثورة، شعر فنان الرسوم المتحركة طوبجي “إنّي عديم الفائدة وإنّي بلا حول ولا قوة حتى أدركت أنّه بإمكاني فعل شيء من خلال فنّي. كنت أحاول الإستمرار في إسطنبول وبيروت والقيام بشيء مفيد لن أندم عليه لاحقاً.”

خلال إقامته في بيروت عام ٢٠١٢، أصدر طوبجي فيلم رسوم متحرّكة قصيرعن الثورة السورية بعنوان “يد واحدة“،  ولكن “كفنان، كنت مرتبكاً بردّ فعل الجمهور. شعر الحاضرون بالأسف لأني سوري، الأمر الذي دفعني للقيام بفيلم آخر بعنوان “إستعارة“.  الفيلم الذي أنجز عام ٢٠١٤ مؤلم وجميل في آنٍ واحد ويكشف عن الصعوبات التي تواجه الفرد للبقاء متعلّقاً بالأمل ومتحدّياً الوقائع المرّة.

منذ العام ٢٠١١، استضاف عدداً كبيراً من المراكز الفنّية والمعارض في بيروت أعمال فردية وجماعية لفنانين سوريين بينما قدمت شركات إنتاج الأفلام الدعم لصنّاع السينما السورية مع دعم ما بعد الإنتاج، بالإضافة إلى ما قد يلزمهم من معدّات. فتمّ دمج الفنانين السوريين في الساحة الفنّية اللبنانية عبر الفرق الموسيقية والمسارح  ومجموعات الرقص ومجموعات الدمى كما أنشأت المؤسسات الإقليمية والدولية صناديق خاصة لدعم الفن السوري.

كما عملت المهندسة اللبنانية رغد مارديني، والتي يُطلق عليها المثقّف قدور لقب “العرّابة”، على إطلاق دارالاقامة الفنية في عاليه، والتي تبعد ١٥ كم عن العاصمة بيروت، ممثلة واحة فريدة من نوعها حيث يُمكن للفنانين السوريين البقاء لمدة شهر، والحصول على المساعدة للتواصل مع صالات العرض في لبنان ومع جامعي التحف الفنية المحليين.

 وقد ساهم الفنانون السوريون بخلق وجهات نظر بديلة وغنيّة ودقيقة، وبالتالي تمّ نشر الوعي حول ما يحصل في سوريا، فمثلاً حقّق تمام عزام الإشادة الدولية من خلال عمله المسمّى الحرية من خلال الرسم على الجدار،  والتي كانت عبارة عن صورة “القُبلة” للرسام الشهير غوستاف كليمت موضوعة على مبنىً كان قد تعرّض للقصف في حمص.

ما نحتاجه الآن هو إيجاد مناهج مستدامة على المدى الطويل بدل التخصيص الآني، وذلك من أجل دعم العملية الفنّية ولتنمية الفنانين بدلاً من الدفع للإنتاج الفنّي” قال قدور، ضارباً المثل بألمانيا التي وفّرت بيئة تمكينية ومثالاً إيجابياً لمحاكاته.

 دعم تنمية الفنانين السوريين في أوروبا يعني أنّه يجب التوقّف عن الشعور بالأسف عليهم لمجرد أنهم لاجئون، فـ “أنا مصنّف كلاجئ لذا كلّ ما أقوم به يُنظر إليه من خلال هذه التسمية” يعترض طوبجي المقيم حالياً في الدنمارك “أنا لا أريد أن أكون فناناً لاجئاً، كان لي عملي قبل الثورة، وإنما الثورة أضافته علي”.

(الصورة الرئيسية: “أم الشهيد” للفنان يوسف عبدلكي، ٢٠١٢، الفحم على الورق، شنت على الخشب ١٠٠ × ١٠١سم /تم النشر بموافقة من الفنان وغاليري تانيت – بيروت) 

شارك المقالة: