آثار إدلب بين نهب وتخريب… ومساع لحمايتها

آثار إدلب بين نهب وتخريب… ومساع لحمايتها

سونيا العليسونيا العلي

إعلامية وناشطة من ريف إدلب تحمل إجازة جامعية في اللغة العربية.

بقلم .

(ريف إدلب) تضم محافظة إدلب جزءاً كبيراً من آثار سوريا، وتعتبر من أكثر المناطق الحافلة بالأحداث التاريخية الممتدة على مسيرة الحضارات المتعاقبة منذ الميلاد وحتى العصور الإسلامية، ويظهر ذلك جلياً في أوابدها التاريخية الهامة المنتشرة في المحافظة، البالغ عددها 760 موقعاً أثرياً وفق معلومات صادرة عن مركز آثار إدلب. إلا أنّ هذه الأوابد تتعرّض لمخاطر وأضرار كبيرة، بسبب القصف العنيف والمتواصل من قبل الطيران الحربي التابع للنظام السوري وحلفائه، عدا عن الحركة المتزايدة من عمليات التنقيب، نظراً لغياب الجهة الرقابية والقوانين الرادعة التي تجرّم المنقبين وتكبح أعمالهم.

وتتعرّض الآثار أيضاً لتخريب من قبل السكان المحليين في بعض المناطق عن طريق تكسير الحجارة الأثرية واستخدامها في أعمال البناء، ناهيك عن تحوّل المناطق الأثرية إلى ساحات للمعارك والاشتباكات اليومية.

بيئة مناسبة للتهريب

أبو علي (اسم مستعار) من قرية تلمنس في ريف إدلب يعمل مع ولده البالغ من العمر (١٧ عاماً) في التنقيب والبحث عن الآثار منذ بداية عام ٢٠١٣، مستخدماً بذلك جهازاً خاصاً للبحث عن العملات والتماثيل الموجودة حتى عمق ١٠٠سم في باطن الأرض، إذ يقول: “الجهاز المستخدم يصدر صوتاً معيناً للدلالة على وجود الآثار المعدنية والعملات، وأنا أبيع ما أجده من الآثار واللقى لتجار الآثار من سكان القرية نفسها “، في حين تحدث جابر (اسم مستعار) الذي كان يعمل في البناء قبل الحرب، وبعدها أصبح أحد مهرّبي الآثار: “أعمل وسيطاً بين تجار الآثار في سوريا وتركيا حيث أتعامل مع بعض المهربين على الحدود السورية التركية، والذين يساعدونني بإدخال ما لدي من الآثار مقابل مبالغ مالية”.

المناطق التي تراجع عنها النظام أصبحت بيئة مناسبة لتهريب الآثار، إذ يقول أسامة الأحمد (45 عاماً) من سكان مدينة إدلب، وأحد المختصين بعلم الآثار وأحد موظفي المتحف سابقاً “تحولت المناطق المحرّرة إلى سوق سوداء لتجارة الآثار التي غدت تجارة نشطة في هذه الأوضاع، حتى باتت نفائس التحف السورية عرضة للبيع علانية على مواقع التواصل الاجتماعي”، ناهيك عن التزوير وتحوّل أماكن الآثار إلى ساحات للتدريب، إذ يتابع الأحمد قائلا أنّ “التماثيل ولوحات الفسيفساء زوّرت، إضافة إلى تحويل مواقع أثرية فريدة إلى أماكن للتدريب على الأسلحة من قبل بعض الفصائل المسلحة، كتنظيم جبهة النصرة الذي جعل من بعض القرى المنسية في ريف إدلب مقرات ومعسكرات تابعة له”، مضافاً لما سبق الأخطار الناجمة عن الغارات الجوية للنظام السوري التي أصابت موقع البارة (من أغنى المواقع في القرى الأثرية الواقعة شمال سورية) وشنشراح (يقع إلى الغرب من معرة النعمان على بعد 15 كم، وهو أحد المواقع التي تعود إلى العصر الروماني والبيزنطي) ومتحف معرة النعمان، ما أدى إلى تخريب بعض لوحاته وتدمير جزء منه منتصف عام 2015.

جانب من موقع سرجيلا الذي يقع في جبل الزاوية، وتشتهر سرجيلا بمعاصرها ومدافنها التي تعود إلى القرنين الرابع وحتى السادس الميلادي، وفيها الكثير من الأبنية السكنية والكنائس والحمامات والقصور وقد تعرضت سرجيلا لعدد من الانتهاكات منها استخدام الأبنية الأثرية القديمة كمساكن وتخريب ملامحها الأثرية، إضافة إلى عمليات تنقيب غير مشروع، كما تعرضت للقصف الجوي في تشرين الأول 2015 ، مما ألحق ضرراً كبيرا ًفي الموقع. تصوير: سونيا العلي/ خاص حكاية ما انحكت

إضافة إلى التجريف وتكسير الحجارة وزحف العمران والتنقيب الذي يتم بوسائل بدائية أو بمعدات متطورة حتى، ما يدل على استعانة اللصوص بخبراء أحياناً، إذ يقومون بالحفر بأسلوب منظّم وأماكن محدّدة داخل الكنائس والمناطق التي تتموّضع حولها بحثاً عن الدفائن والكنوز وفق ما يقول الأحمد، في حين أنّ أعمال التنقيب الخاطئ أدّت إلى تضرّر عدد من المواقع كمملكة إيبلا الأثرية (تقع في قرية تل مرديخ شرق مدينة ادلب تبعد عنها 22 كم، وهي من أهم ممالك الشرق القديم العائدة إلى فترة الألف الثالث قبل الميلاد) التي اكتشف فيها العلماء في الستينيات 16000 رقيماً مسمارياً كشفت عن ألغاز الشرق الأوسط القديم، إذ يقول الأحمد أن التنقيب أدى إلى “حفر عشوائية في ساحات القصر الملكي وتخريب بعض الجدران التي كانت تحظى بترميم سنوي، كما كثرت فيها عمليات التنقيب، من بينها قيام مجموعة من لصوص الآثار بالتنقيب غير المشروع في الموقع نهاية عام 2015 مستخدمين آليات ثقيلة لجرف التربة في أحد الكهوف ما أدى إلى انهيار الكهف بشكل كامل ومقتل شخصين منهم .”

مواقع أثرية تحولت إلى مأوى للاجئين

في سياق حديثنا مع الأحمد عن التخريب والأضرار التي تعرّضت لها الآثار في إدلب، أشار إلى أنّ بعض المواقع مثل سرجيلا، شنشراح، بابسقا (تقع على مسافة 5 كم من باب الهوى الحدودي مع تركيا، بدأت الحياة فيها في العهد الروماني إلى القرن الثاني الميلادي)، ربيعة (تعد من المدن المنسية الميتة وهي من المواقع الأثرية التي بقيت على حالها منذ أن هجرها أهلها في القرن الثامن الميلادي) وغيرها، “باتت مأوى لعشرات الأسر النازحة هرباً من نيران المعارك المشتعلة”، ففي موقع شنشراح قامت بعض الأسر بتقطيع القصور إلى أكثر من غرفة وبناء جدران إسمنتية، بما يتناسب مع عدد أفراد كلّ أسرة، وفتح أبواب ونوافذ بها، ما أدى إلى تغيير شبه كامل في ملامح هذه الأوابد وطمس معالمها الأثرية، بعد أن صمدت في وجه الحروب والزلازل منذ القرن الثاني للميلاد.

أما موقع البارة الذي يحوي المدافن الهرمية المتميزة بجمالية وزخرفة فريدة، وهو من أهم المدافن الملكية في العالم فقد تعرّض بعضها لعمليات التكسير بهدف بيع قطعها الأثرية أو استخدامها في الأبنية.

أبو وليد (اسم مستعار) أحد النازحين من ريف حماة، قصد موقع سرجيلا الأثري، وقام بتأهيل ما يمكن للسكن يقول: “اخترت أحد المعابد الذي لا يزال محافظاً على شكله الخارجي وقمت بتقطيعه إلى غرفتين ومنافع وطليت جدرانه بالطين ليقينا من برد الشتاء، وسقفته بالشوادر والنايلون، كما حفرنا في الأرض حتى وصلنا إلى المياه الجوفية في الآبار الرومانية للحصول على حاجتنا من الماء، فنحن لا نستطيع العودة إلى منازلنا ولا قدرة لنا على الدفع”.

كتائب معارضة متهمة بسرقة الآثار

يتميز متحف إدلب بمعروضاته النفيسة، لما يحتويه من لوحات مسمارية تعود إلى ٢٥٠٠ قبل الميلاد، لكنّ النظام قام خلال سيطرته على المدينة بسرقة بعض القطع من تماثيل حجرية ومعروضات ذهبية،  كما يؤكد النابو والأحمد لحكاية ما انحكت وهما من موظفي المتحف سابقاً، وبعد انسحاب النظام لم يخلو الأمر من اعتداءات الجهات المسلحة المعارضة، إذ يقول الأحمد: “بعد تحرير مدينة إدلب على أيدي قوات جيش الفتح لم يسمحوا لأيّ كان بدخول المتحف حتى موظفيه، ولكن بعد وقوع خلاف بين الفصائل المسلحة، عثر عناصر من أحرار الشام على قطع أثرية في أحد مقرات جند الأقصى، وهي ذاتها كانت قد فقدت من متحف إدلب”، وفق ما أكده لحكاية ما انحكت أحد عناصر حركة أحرار الشام ويدعى أبو نعيم فـ “عند اقتحام مقرات جند الأقصى وجدنا داخله صناديق بلاستيكية تحوي تحفاً أثرية وقطعاً فخارية مغلفة وملفوفة بأكياس كنّا قد فقدناها من متحف إدلب في فترات سابقة”.

مبادرات متعدّدة لحماية تراث إدلب

نتيجة لهذه الفوضى العارمة والانتهاكات بحق الآثار، ظهر في إدلب نشطاء ومتطوعون أخذوا على عاتقهم حماية الآثار والحفاظ عليها، وقاموا بتأسيس مركز آثار إدلب.

مؤسس المركز ومديره المختص بعلم الآثار، أيمن  النابو ( 36عاماً)، تحدّث لـ”حكاية ما انحكت”، قائلا: “المركز مؤسّسة علمية تتبع للثورة، تأسّست بدعم من قبل مجموعة من المغتربين السوريين، وتضمّ أكاديميين ومختصين في علم الآثار للحفاظ على الإرث الثقافي الموجود في إدلب، وتأتي أهمية المركز من كونه مؤسسة حلّت مكان دائرة آثار النظام للقيام بأعمال الحماية والترميم والتوثيق”.

قصر ملكي في إيبلا. المصدر: ويكيبيديا

وتختلف أساليب حماية الآثار بحسب النابو وفق نوع الأثر، سواء أكان ثابتاً أو منقولاً، وحسب التسهيلات التي تقدّم لنا لحماية كلّ موقع، ويؤكد بأنّ “أكثر من 1700 قطعة أثرية تقع تحت حماية المركز، حيث قام موظفي المركز بتغليفها ونقلها إلى أماكن آمنة، وقد تمّ توثيق 3400 قطعة أثرية تمّ التأكد من تهريبها خارج سوريا، ولكلّ قطعة رقم وبطاقة تعريفية لدينا، كما يتعاون المركز مع جهات عدّة ضمن المحافظة مثل المجالس المحلية والشرطة الحرّة ومجلس المحافظة والمحاكم الشرعية”.

وقام المركز أيضاً بالعناية بلوحات الفسيفساء في متحف معرة النعمان الذي يضم 1600 متراً مربعاً من الموزاييك، إذ “عمدنا إلى تغطيتها ووضع ساتر حماية أمام كلّ لوحة بطريقة علمية مدروسة، إضافة إلى الأعمال الإسعافية لترميم بعض المواقع، والعمل على نشر التوعية بين شرائح المجتمع لإبراز أهمية الآثار” كما يقول النابو لـ “حكاية ما انحكت”.

أيضاً، أقدم المهندس محمد العمر (40 عاماً) من قرية فركيا الواقعة في جبل الزاوية من ريف إدلب، والمتميّزة بغناها بالمواقع الأثرية، بتشكيل لجنة تعمل بشكل طوعي تضم بعض مثقفي القرية من مهندسين ومدرسين وطلاب جامعات وحراس بهدف حماية آثارها من التخريب والنهب بعد حصول عدّة محاولات لسرقتها، إذ يقول لـ “حكاية ما انحكت”: “تحتوي قرية فركيا على المئات من المواقع الأثرية من قصور ومدافن ومقابر ولوحات وتماثيل منحوتة على الجدران مع الأسماء، وكلّها يعود تاريخها إلى عام 510 للميلاد، وأهمها قصر هرقل ملك الروم الذي يتربع على مساحة 1000 متر مربع وقصر الحمراء وقصر البنات وغيرها، لذلك كان لزاماً علينا حمايتها”.

وعن تجاوب الأهالي مع الفكرة، يقول العمر: “وجدنا في البداية بعض الصعوبات من عدم تقبل الفكرة من قبل أشخاص مستفيدين من حالة الفوضى لتحقيق مكاسب مادية، ولكن بعد شرح الأهداف وجدنا ترحيباً من الأهالي، وهدفنا من خلال هذه اللجنة أن تكون نموذجاً يحتذى في باقي المناطق حرصاً على سلامة كنوزنا التي لعبت دوراً هاماً في رسم الخارطة التراثية لسوريا القديمة.”

 تحديات وعوائق

في الحديث عن الصعوبات والعوائق التي يواجهها عمل مركز آثار إدلب يقول النابو: “نعاني من ضعف الإمكانيات المادية، مما يمنعنا من توسيع كادر المركز بتوظيف المزيد من المراقبين والفنيين، إضافة إلى عدم اعتراف المنظمات العالمية بنا، حيث تم الاتصال مع منظمة اليونسكو التي رفضت التعامل مع أي جهة تابعة للمعارضة ولكنهم لازالوا يسعون لنيل اعتراف رسمي من قبلها بمركز آثار إدلب حيث ترفض العديد من المؤسسات الدولية التعاون إلا عن طريق مؤسسات النظام، أمّا الحكومة المؤقتة فقد قدمت لنا الدعم المادي لمدة سبعة أشهر، وكان التنسيق معهم جيداً، ولكنه سرعان ما تبدّد دون اهتمام واضح وملموس من قبلها”.

إضافة إلى ما سبق، يعاني الفريق العامل في إدلب وريفها (وفق قول النابو) من “القصف المتواصل الذي يعيق عملنا، كما نعاني من عدم وجود قوانين واضحة في المحاكم الشرعية المنتشرة في المناطق المحرّرة تجرّم الانتهاكات بحق الآثار، حيث تمّ عقد عدة اجتماعات مع المحاكم الشرعية من أجل تعديل قانون الآثار الذي كان معمولا به سابقاً (قبل الثورة) بهدف وضع قواعد قانونية يمكن الارتكاز عليها  تتناسب مع الحالة التي تعيشها المناطق المحررة، ولم تتم المصادقة على ذلك من قبل المحاكم الشرعية، لأنّ لديها وجهات نظر مختلفة لذلك لم نتوصل (والقول للنابو) لاعتماد قانون توافقي، ما دفعنا ذلك للتواصل مع منظمة “محامون من أجل العدالة” (منظمة مجتمع مدني تعنى بالجانب الحقوقي، وتعمل على نشر الوعي الحقوقي والقانوني بين أفراد المجتمع والهيئات والمؤسسات،وتوثيق الانتهاكات) لتعمل على نص قوانين رادعة” على أن يتم تطبيقها في المستقبل، دون وجود ضمانات بأن تطبّق أيضاً.

مذكرة تفاهم بين مركز أثار إدلب ومحامون من أجل العدالة. خاص حكاية ما انحكت

 التراث السوري هو تراث عالمي في نهاية المطاف، الأمر الذي يدفع النابو للدعوة إلى “تضافر العمل لصون الآثار ونقلها بأمانة إلى أجيال المستقبل، ويكون ذلك من خلال تبليغ الجهات الدولية المختصة عما فقد، وتزويدها بصور اللقى الأثرية السورية التي انتشرت على شبكة الأنترنت، الغير مسجلة، التي وصل إليها لصوص الآثار من خلال التنقيب الغير مشروع، إضافة إلى نشر الوعي بأهمية التراث الثقافي، وخاصة للفئات الاجتماعية النازحة المتضرّرة من الحرب التي استخدمت المواقع الأثرية كملاذات مؤقتة، إضافة إلى الدعوة إلى إعلان تعهد وفقاً للمواثيق الدولية من قبل المتاحف الدولية بالعمل على إعادة أية آثار سورية تصلها بمجرد عودة الاستقرار إلى سوريا”.

(الصورة الرئيسية: جانب من موقع سرجيلا الذي يقع في جبل الزاوية، وتشتهر سرجيلا بمعاصرها ومدافنها التي تعود إلى القرنين الرابع وحتى السادس الميلادي، وفيها الكثير من الأبنية السكنية والكنائس والحمامات والقصور وقد تعرضت سرجيلا لعدد من الانتهاكات منها استخدام الأبنية الأثرية القديمة كمساكن وتخريب ملامحها الأثرية، إضافة إلى عمليات تنقيب غير مشروع، كما تعرضت للقصف الجوي في تشرين الأول 2015 ، مما ألحق ضرراً كبيرا ًفي الموقع. تصوير: سونيا العلي/ خاص حكاية ما انحكت)

شارك المقالة: