حاجز القطيفة، كابوس السوريين

حاجز القطيفة، كابوس السوريين

عمر يوسف سليمانعمر يوسف سليمان

شاعر وصحفي سوري يقيم في باريس، آخر أعماله، “الموت لا يُغوي السُّكارى”، شعر باريس 2014، “انسَ دمشق”، سرد، بيروت 2015، و”الطفلُ المنسي”، شعر، باريس، 2016.

بقلم .

يُعرف هذا الحاجز بعدّة أسماء، منها: حاجز الرعب، حاجز الموت، حاجز الخوف… فهو يختلف عن بقية حواجز سوريا بأنّ القائمين عليه لا يمكن رشوتهم، ويقومون بالتفييش الدقيق على أسماء المطلوبين، علماً أنّ المطلوب على هذا الحاجز قد لا يكون مطلوباً على حواجز أخرى، فأسماء المطلوبين لمختلف الأسباب (المعارضة، الإرهاب، حمل السلاح، التخلّف عن الخدمة الإلزامية، وهن نفسية الأمة، التخابر مع جهات خارجية) وغيرها، كلها حاضرة في القوائم الموجودة على هذا الحاجز، الأمر الذي يجعل خوف السوريين من هذا الحاجز وحكاياتهم معه مرآة عاكسة لحياة السوريين في الظل العالي للخوف.

لماذا حاجز القطيفة؟

يقع هذا الحاجز على الطريق الدولي الواصل بين دمشق وباقي محافظات الشمال السوري، عند مدخل مدينة القطيفة (أربعين كيلومتراً شمال دمشق)، وقريباً منه، جنوب المدينة، يتواجد الفوج 14، التابع لـ “الفرقة الثالثة”، التي تُعدّ من أقوى فرق جيش النظام، وإذا ابتعدنا عن هذا الحاجز مسافة ثلاثمائة متراً فقط داخل القطيفة سنرى المساكن العسكرية التي يقيم فيها عناصر وضباط النظام.

لمعرفة أسباب الخوف التي تنتاب السوريين عند مرورهم على حاجز القطيفة، تواصل “حكاية ما انحكت” مع أحد الجنود المنشقين عن الفوج 14 منذ الشهر السادس 2012، محمد حميدان، وقد كان برتبة صف ضابط حين انشق، لكنه لم ينضم إلى الجيش الحر، بل عمل مراسلاً لقناة أورينت، وما يزال، إذ قال: “قد يكون هناك تقرير أمني قديم بحق أحد السوريين الذين تمّ إلقاء القبض عليهم ثم أخلي سبيلهم، لكن التقرير يبقى لدى عناصر هذا الحاجز، فإذا مرّ المعنيُّ يُعاد إلقاء القبض عليه، إضافة إلى الاعتقال لمجرّد تشابه الأسماء، ثم يتمّ تحويل المطلوب إلى مقرّ الفرقة الثالثة، حيث يُجبر على الاعتراف بأشياء ربما لا يكون اقترفها حقيقة، لكنه يعترف بها لكي يتخلّص من التعذيب”.

و عن خاصية هذا الحاجز، قال محمد: “في حاجز القطيفة، هناك عناصر من مختلف الأفرع الأمنية في سوريا، ولكل فرع قوائم من المطلوبين”، بما يعني أن أي مطلوب للأفرع الأمنية لا يمكن أن يمر عبر هذا الحاجز. وعن الملاك العددي لهذا الحاجز، يقول محمد: “نستطيع القول إنّ هذا الحاجز قد تحوّل إلى قطعة عسكرية مستقلّة، فهناك قائد الحاجز التابع للفرقة الثالثة، بالإضافة إلى عدد من الضباط وصف العناصر، ويقارب العدد الإجمالي حوالي ثلاثمائية عنصر”، وفق قول محمد.

إشاعة الرعب

بسبب وقوع هذا الحاجز بين العاصمة وباقي محافظات الشمال السوري، فإنّ عدداً من النشطاء المقيمين في دمشق ألغى فكرة السفر خوفاً من اعتقاله، ومنهم الناشط اليساري المعارض المقيم في حي جرمانا بدمشق، أحمد أيوب (50 عاما، اسم مستعار)، والذي قال لـ “حكاية ما انحكت” “لمْ أسافر إلى بيت أهلي في قرية المشرفة (شمال غربي حمص) منذ عام 2012  بسبب حاجز القطيفة، ففي دمشق أمرّ على الحواجز دون مساءلة، لكن هذا الحاجز لا أمان له”.

أما أهالي مدينة القطيفة، والذين يعملون أو يدرسون في العاصمة، فإنّهم مجبورون يومياً على المرور عبر هذا الحاجز، ومع أنّ وجوههم أصبحت مألوفة للعناصر، إلا أنّ التفتيش بقي كما هو، حيث يأخذون هويات جميع الركاب، وعلى السائق أن ينتظر ربع ساعة على الأقل ريثما يكمل الجنود عملية التدقيق، ويفعلون الأمر نفسه في طريق العودة، استناداً لمعلومات تمّ الحصول عليها من أشخاص من القطيفة تواصلتْ معهم “حكاية ما انحكت”.

حكايا الموت والاعتقال

كثيرة هي حوادث الاعتقال التي وقعت على هذا الحاجز، وقد تواصلنا مع بعض الذين كانوا شهوداً عليها، لكنهم رفضوا الحديث عنها، إما بسبب الخوف، أو لأنّهم لا يريدون أن يتذكروها، ومنهم الناشطة المقيمة في دمشق، سهام الجندلي (25 عام، اسم مستعار)، والتي تعمل في المجال الإغاثي للنازحين، وقد شاركت في مظاهرات منذ بداية الثورة، والتي قالت لـ “حكاية ما انحكت”: “أستطيع التعليق على أيّ موضوع يخص الثورة السورية باستثناء حاجز القطيفة، فهو يذكرني بكثير من المآسي، أشدّها قهراً أنّ حبيبي الذي ودّعته في دمشق تمّ اعتقاله على هذا الحاجز لأسباب لا نعرفها، كان ذلك عام 2014، ثم تمّ تحويله إلى فرع فلسطين، وبعد أشهر اتصل عناصر الفرع بأهله ليأتوا ويستلموا جثته من مشفى المجتهد بدمشق، كان قد قُتل تحت التعذيب”.

عمليات الاعتقال العشوائي أفضت إلى احتقان كبير بين أهالي ريف دمشق ضد هذا الحاجز، وكانت إحدى ردود الفعل ضدّه عندما قام العناصر بإيقاف سيارة شاحنة في حزيران 2016، وإنزال السائق منها لاشتباههم به، وعندما دخل إلى غرفة التحقيق قام بتفجير قنبلة يدوية كان يحملها، ما أدى إلى قتله مع اثنين من العناصر، بالإضافة إلى العقيد عبد الله علي، وهو من مرتبات الفوج 14، علما أن التفاصيل حول الحادثة لا تزال متضاربة.

تقول الناشطة في مجال المرأة والمخرجة السينمائية المتواجدة في ريف دمشق، راما حسن (35عام/ اسم مستعار)  لـ “حكاية ما انحكت” أنّ “حاجز القطيفة يشبه المصفاة، إذ يُعتقل فيه كل مشبوه ولو دون تهمة مباشرة، حتى أنّ بعض المؤيدين للنظام يخافون منه، إما بسبب تشابه الأسماء، أو لأنّهم مطلوبون للخدمة الإلزامية، أنا شخصياً، عندما أريد السفر، أتواصل مع ناشطين يعملون في أجهزة النظام، لكنهم مع الثورة، لأسألهم عن وضعي الأمني قبل المرور على هذا الحاجز”، وتضيف عن ما يواجهها من صعوبات عند المرور على الحاجز بقولها “عندما أسافر مع رفيقي الذي يستعير سيارة أمنية من عنصر أمن متعاطف مع الثورة، سائقها يخدم الثورة سراً، نستطيع المرور بسلام على كل حواجز سوريا باستثناء حاجز القطيفة، فهو يفتّشنا ويفتّش السيارة أيضاً”.

التخلّف عن الخدمة الإلزامية أكثر الأسباب التي يخاف منها السوريون عند المرور على هذا الحاجز، حتى ولو لم يكن لهم أيّ نشاط سياسي، كما حدث مع طالب الطب في جامعة دمشق، وهو من مدينة طرطوس، مواليد 1988، عمَّار الأحمد، (اسم مستعار)، فقد كان مسافراً من دمشق إلى طرطوس عام 2015، وبعد أن تمّ جمع هويات المسافرين على حاجز القطيفة، اتجه أحد العناصر نحو الحافلة وقرأ اسمه بصوت عالٍ، فأجابه بأنه صاحب الاسم، أشار عليه العنصر بالنزول من السيارة، يقول عمار لـ “حكاية ما انحكت”: “نزلتُ وسألتُهُ إن كان ثمة مشكلة، لكنه لم يردَّ، وأمرني بالوقوف دون أيّة حركة ريثما تأتي سيارة تابعة للأمن لتأخذني، عندها خطر في بالي موضوع الخدمة العسكرية، فسألته إن كان يريد دفتر الجيش الذي عليه إشارة التأجيل، نظر إلَي وقد انفرجت عيناه من الدهشة وقال: أنت معك تأجيل؟، لماذا لم تُخبرني بذلك من البداية؟، كنت سأرسلك إلى إحدى القطع العسكرية لتخدم العلَم؟”.

المصدر: الموقع الرسمي لاتحاد تنسيقات الثورة السورية.

المصدر: الموقع الرسمي لاتحاد تنسيقات الثورة السورية.

ليس عمَّار الشخص الوحيد من طرطوس الذي اشتُبه به على حاجز القطيفة، علماً أنّ أغلب سكان طرطوس مؤيدون للنظام، وعندما يقرأ الجنود القائمون على الحواجز الأخرى مكان ولادتهم في بطاقاتهم الشخصية يسمحون لهم بالمرور، لكن هذا لا ينطبق على حاجز القطيفة، وهو ما أكدّه ابن طرطوس، وطالب الطب/سنة رابعة، سليم العلي (24عاما/اسم مستعار) لـ “حكاية ما انحكت”: “في الشهر الرابع من 2015 كنت عائداً من طرطوس إلى دمشق، سألني العسكري عن هويتي، أعطيته الهوية المدنية، لأنّني لست عسكرياً، فظنّ أنّني عسكري زوَّر هوية مدنية، وعندها طلب مني التوّجه نحو غرفة الاحتجاز، رجوته مؤكداً أنّني طالب جامعي، ومدني، لكنه لم يرد، مرّت أربعون دقيقة من الخوف، إلى أن قال له أحدهم إنّني مدني، والهوية ليست مزوَّرة”.

هذي بعض حكايا السوريين مع حاجز الرعب، هذا الحاجز الذي بات يهجس به السوريون على اختلاف انتماءاتهم السياسية، فإن كانوا معارضين يخشون أن يعتقلوا بعد انكشاف أمر نشاطهم الثوري، أو حتى إن كانوا لا يؤيدون أحد أطراف الصراع في سوريا، فهم يخشون الخدمة الإلزامية وأن يتم أخذهم إلى ساحات القتال التي باتوا يتهرّبون منها، لأنّها تعني لهم معايشة الموت، هكذا بات الحاجز يوّحد السوريين ضده في مفارقة سوريالية، وهو أمر نادر الحدوث وسط الاستقطاب السوري العميق.

(الصورة الرئيسية: لوحة للفنان عمران فاعور. المصدر: الصفحة الرسمية للفنان على الفيسبوك)

شارك المقالة: