النازحون في دمشق… عوامل التوزع

النازحون في دمشق… عوامل التوزع

يتفاوت عدد النازحين وتوّزعهم في دمشق من وقت لآخر، فكثير منهم يغادر العاصمة بحثاً عن أماكن أقلّ غلاء، أو يغادر سورية، لكن هناك خطوط عامة تدلنا على أماكن توزّع النازحين وأسباب اختيارهم لها، تبدأ من الحالة المادية التي يختار النازحون منطقتهم بناءً عليها، ولا تنتهي عند الأماكن التي يتوقعون أن يحصلوا على الأمان فيها، مروراً بمناطق تشابه أنماط الحياة في البيئات التي غادروها، مع اضطرار آخرين إلى السكن في مناطق غير مرحبة بهم.

المال سيّد التوّزع

مع اشتداد المعارك في سائر المناطق السورية، انتشرت خلال عامَي 2013، 2014 ظاهرة “إقامة” الناس في الحدائق الدمشقية العامة، لا سيما حديقة حي المرجة، وحديقة الحلبوني، إضافة إلى بعض الطرقات، هذه الظاهرة بدأت بالاختفاء عام 2015، واختفت بشكل شبه نهائي في 2016، باستثناء مَن كان معتاداً أصلاً على الحياة في الحدائق العامة قبل الحرب، أما سبب تلاشي هذه الظاهرة، فيعود إلى “العمل الخيري في العاصمة، إذ على الرغم من الانقسام السياسي، إلّا أّن ثمة تجار أنشأوا جمعيات إنسانية لمساعدة النازحين، خصوصاً في ما يتعلق بالأيتام، والطبابة، والألبسة والطعام والتعليم” كما يقول التاجر الدمشقي، محمد الحاج أحمد (اسم مستعار) لحكاية ما انحكت.

لوحة للفنانة فاديا عفاش ....المصدر: الصفحة الرسمية للفنانة على الفيسبوك

لوحة بعنوان نزوح للفنانة فادية عفاش. المصدر: الصفحة الرسمية للفنانة على الفيسبوك

وأما توّزع السكان في العاصمة، فيعود إلى أمرين، الأمان والوضع المادي الذي يتحكم أكثر من الأول في اختيار النازحين للمكان، إذ يقول الناشط عهد الدمشقي (اسم مستعار) من دمشق لحكاية ما انحكت “تتركز أغلب العائلات النازحة في المناطق العشوائية على أطراف دمشق، كنهر عيشة ودف الشوك وجرمانا واللوان والمزة القديمة وغيرها، وهم الغالبية العظمى، أما من يملكون المال فإنهم يعيشون في أحياء وسط دمشق، كالميدان والبرامكة وكفر سوسة والمزة”.

 أم رامي (اسم مستعار)، سيّدة أربعينية نزحت من محافظة إدلب أواخر عام 2013 مع أطفالها الثلاثة، سكنت بادئ الأمر في بيت أقاربها في حي جرمانا الذي يشهد تنوّعاً من مختلف الطوائف والمحافظات، لكن ضيق البيت لم يسمح لها بالبقاء، وبعد كثير من البحث، وجدت بيتاً في حي الميدان بسعر رمزي، وهو بيت عربي كبير، يستطيع مؤجره أن يحصل على مئة ألف ليرة شهرياً، لكنه طلب منها 15 ألف ليرة فقط، لأنها نازحة.

توزّع طائفي ومناطقي

لم يكن رخص البيت السبب الوحيد الذي دفع أم رامي للاستئجار في حي الميدان، بل ثمّة سبب آخر، وهو أنّ جميع سكانه من السنة، فهي “كانت بالأساس تبحث عن بيت في هذا الحي” كما قالت لنا، بسبب تعوّدها على الحياة في بيئة محافِظة في إدلب.

خريطة لأبرز شوارع وأحياء دمشق. المصدر: ويكيبيديا

خريطة لأبرز شوارع وأحياء دمشق. المصدر: ويكيبيديا

أما أم محمد (اسم مستعار)، وهي سيدة بالخمسينات من العمر، جاءت من مدينة الأتارب في إدلب أيضاً، واختارت الإقامة بحي قدسيا بسبب تنوّع سكانه، فهو يحوي عشرات العائلات الفلسطينية القادمة من مخيم اليرموك، وأخرى نازحة من مختلف المحافظات، فالنازح إليه يشعر بالأمان أكثر من غيره، لأنّ نسبة حدوث اضطرابات فيه أقلّ منها في الأحياء التي لا تشهد تنوّعاً، على الرغم من أنّ حي قدسيا تعرّض لحصار وقصف من قبل قوات النظام أواخر عام 2013، إلا أنّه عاد إلى الهدوء مع هجرة كثير من سكانه الأصليين، كذلك الأمر بالنسبة إلى حي مزة أوتوستراد الواقع جنوب شرق دمشق، فقد استطاع أن يجلب عدداً كبيراً من النازحين بسبب تنوعه السكاني.

في حي مزة 86، والذي يتصف بأنه حيّ مؤيد، لا يُرحب بالنازحين، وذلك بسبب تعصّب أبناء الحي طائفياً، وتخوّفهم من أيّ شخص غريب.

لوحة للفنان عبد الناصر الناجي ....المصدر: الصفحة الفنية للفنان عبد الناصر الناجي على لفيسبوك

لوحة بعنوان لاجئ للفنان عبد الناصر ناجي

مع ذلك، أجبِر بعض سكان الغوطة على النزوح إلى حي مزة 86، عام 2015، كما يؤكد الناشط المقيم في دمشق أبو وائل الشامي (اسم مستعار) لـحكاية ما انحكت، إذ يقول: “وذلك بسبب هدوئه مقارنة بالأحياء الأخرى، إضافة إلى رخص أسعار الآجارات فيه، هؤلاء النازحون لا يتعرّضون لمضايقات من السكان، إلا أنّه ليس لديهم صداقات في الحي، أما الحواجز المنتشرة حوله، فإنهم يتعرّضون عند مرورهم بها إلى تفتيش دقيق وشتائم من قبل العناصر”.

عند مروره بسيارته جوار حي “عش الورور”، الذي يخلو من أي نازح، يتجنّب النازح الحمصي، والذي يعمل سائقاً لسيارة أجرة، ماهر الجندلي (اسم مستعار)، والذي نزح قبل عامين من حمص، الالتفات إلى هذا الحي، فهو كما يقول “مليء بالشبيحة، أخاف أن يوقف أحدهم السيارة ويطلب هويتي، لأنّهم إذا علموا أنّني من حمص ستحدث مشكلة”.

 ماهر يسكن منذ عام 2014 في حي برزة، والذي شهد نزوحاً كبيراً في الأعوام السابقة، خصوصاً من منطقة الغوطة، لقربه منها، وهي نقطة مناطقية تتحكم بتوّزع النازحين، حيث يفضّل الكثيرون أن ينتقلوا إلى الحي الأقرب منهم، إذ يقول الناشط المقيم في دمشق عهد الدمشقي، أنّ “معظم أهالي المخيم والعسالي والحجر الأسود والتضامن يتركزون في دف الشوك والقاعة وحي الزهور والزاهرة الجديدة، أما أبناء المعضمية وداريَّا فيقيمون غرب دمشق، مثل المزة القديمة وبساتين كفرسوسة واللوان”.

إجراءات أمنية

تحدث جولات أمنية لمعرفة من يقطن في البيوت المؤجرة، ويطالب العناصر بعقد البيت ومبلغ الآجار ومعلومات تفصيلية عن المستأجر مع بطاقة هويته، مما يُجبر بعض أصحاب البيوت على كتابة عقد حتى ولو كان وهمياً، أي لا يتطابق سعر الآجار المكتوب فيه مع السعر الحقيقي، كي لا يُحسبوا من قبل النظام بأنّهم متعاطفون مع النازحين القادمين من مناطق منتفضة.

خريطة توضح أحياء مدينة دمشق. المصدر: ويكيبيديا

خريطة توضح التقسيمات الإدارية لمدينة دمشق. المصدر: ويكيبيديا

“الموافقة الأمنية إجبارية على أيّ مستأجر في دمشق، بغض النظر عن المكان الذي جاء منه، مع العلم أنّ الموافقة لا تتم بالنسبة لبعض طالبي الآجارات”، كما تؤكد الإعلامية المقيمة في دمشق روز الدالاتي (اسم مستعار)، متابعة القول “خصوصاً إذا كانوا ينحدرون من عائلة فيها أحد مطلوب، في حين تُشدّد الإجراءات الأمنية على النازحين القادمين من داريا ودوما”.

لكل نازح إلى دمشق حكايته وظروفه المختلفة حسب المنطقة التي جاء منها أو التي نزح إليها، ومع أنّ النازحين إلى دمشق يعيشون هدوءاً نسبياً بعيداً عن مناطق الاشتباكات، إلا أنّ ظروفهم المعيشية تبقى قاسية في الغالب، إضافة إلى شعورهم الدائم بعدم الاستقرار والخوف الأمني.

(الصورة الرئيسية: حي الصالحية في دمشق. مصدر الصورة: صفحة عدسة شاب دمشقي على الفيسبوك، التُقطت الصورة بتاريخ 15/10/2016)

شارك المقالة: