التغريبة السورية القسرية

التغريبة السورية القسرية

بقلم .

 

لم يكن كافياً، على ما يبدو، ما تعرّض له السوريون من قتل وتنكيل واضطهاد وتعذيب وغيرها من صنوف الانتهاكات؛ ليأتي التهجير والإخلاء القسريان كي يكملا سيرورة هذه المعاناة المستمرة إلى مدى غير منظور.

يهجر السوريون بيوتهم وأرضهم وحياتهم وذكرياتهم مرغمين كي يبقوا أحياء، وأيّ حياة تبقى لهم متجرعين في كلّ يوم منها آلام الانكسار واليأس، مع مستقبل مجهول ينوس بين استقرار مؤقت ونزاع متصل، استقرار مفروض بطرق ووسائل، وفي أماكن لم يتح لهم أن يختاروا أيّاً منها بملء إرادتهم.

 ويعدّ التهجير القسري للسكان بهدف إخراجهم من مناطقهم، جريمة من جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وذلك فق القانون الدولي الإنساني.

التهجير أو الإخلاء القسري في القانون الدولي

وهو بحسب لجنة القانون الدولي في الأمم المتحدة، في سياق تعريفها للجرائم ضد الإنسانية في مسودة الجرائم المخلّة بسلم البشرية وأمنها لعام 1954: “إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان أو الأشخاص المعنيين قسراً من المنطقة التي يوجدون فيها بصفة مشروعة، بالطرد أو بأيّ فعل قسري آخر دون مبررات قانونية يسمح بها القانون الدولي”.

أمّا المادة السابعة الفقرة 2/ د من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية فقد ما نصت على ما يلي:

  • أن يُرحّـل مرتكب الجريمة، أو أن ينقل قسراً شخصاً أو أكثر إلى دولة أخرى، أو مكان آخر بالطرد، أو بأيّ فعل قسري آخر لأسباب لا يقرّها القانون الدولي.
  • – أن يكون الشخص أو الأشخاص المعنيون موجودين بصفة مشروعة في المنطقة التي أبعدوا منها على هذا النحو.
  • -أن يكون مرتكب الجريمة ملمّاً بالظروف الواقعية التي تقرّرت على أساسها مشروعية هذا الوجود.
  • -أن يرتكب هذا السلوك كجزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي موّجه ضد مجموعة من السكان المدنيين، وأن يكون الجاني ينوي هذا السلوك، وهذا الهجوم الواسع النطاق.

كما نصّت المادة 8 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، على أنّ هذه الجريمة تعدّ جريمة حرب عندما ترتكب في حال النزاع المسلح. ولكن، وفي نفس الوقت، أقرّ نظام المحكمة بأنّ هذه الجريمة تنطوي على تداخل بين جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. أي أنّه من الممكن ارتكابها كجريمة ضد الإنسانية في زمني السلم والنزاع المسلح.

التهجير أو الإخلاء القسري في سورية

في سورية، يتم الإبعاد القسري بالقوة المادية المباشرة أحياناً، وبالإكراه المعنوي أحياناً أخرى، وهذا ما رأيناه قد حدث، ولا يزال، حين يستخدم النظام وحلفاؤه القوة المفرطة والوحشية، والتهديد باستخدامها؛ ممثلة بالأسلحة التقليدية واللوجستية والكيماوية والبراميل المتفجرة، علاوة على الأسلحة المحرّمة دولياً كالنابالم والقنابل والصواريخ العنقودية.

كذلك لجأ النظام السوري إلى استخدام الاعتقال والحصار، في سعيه لإرغام المدنيين والمقاتلين على حدّ سواء، على ترك منازلهم وبيوتهم إلى مكان آخر خارج سوريا أو حتى داخلها. وهذا ما أدى إلى لجوء كثيرين إلى دول الجوار والعالم بأسره، والنزوح في داخل سوريا، لما يعادل نصف الشعب السوري.

ويلجأ السوريون إلى دول أخرى معرّضين حياتهم لخطر الموت هرباً من موت يحيط بهم في منازلهم، وذلك على أمل تحصيل حياة جديدة بعيدة عن نباح القصف وغبار الموت. فها هم السوريون اليوم ينتشرون في كل دول أوربا، بعد أن ركبوا قوارب الموت التي انتهوا في الكثير منهم جثثاً، كان قاع البحر مرقدها الأخير. لا سعياً وراء أرض الاحلام، بل مجرد مطاردة لأمان وإن مؤقت.

أهالي مدن داريا وحمص والمعضمية وغيرها من المناطق التي هُجّر أهلها بشكل مباشر أو غير مباشر؛ أرغموا في النهاية على الانتقال إلى أماكن أخرى بعد أن شهدوا أصناف الموت أو هدّدوا بها. حيث تفرق شمل العائلات بين داخل وخارج، بين المناطق والمحافظات والدول والقارات.

وفوق كل هذا وذاك، لازال اللاجئون والنازحون يسمعون أنباءً عن سرقة منازلهم وأملاكهم، فيما بات يُعرف بـ”التعفيش”. حيث تقوم عناصر من جيش النظام والميليشيات التابعة له، بتفريغ هذه المنازل من كل موجوداتها، لدرجة أنه يتم سحب أسلاك التمديدات الكهربائية من جدران تلك المنازل، وتفكيك ملحقات الصرف الصحي المنزلي. وكثيراً ما يتم تسليم هذه المناطق، بعد إفراغها من سكانها، إلى ورش عمل أصبحت مختصة بهذا النوع من السرقة، التعفيش. ولعلّ أحياء حمص القديمة ودمشق أكبر شاهد على هذا.

فبعد الاتفاق بين النظام، عبر مكتب التنسيق الإيراني في حمص، والمقاتلين المحاصرين في أحياء حمص القديمة على إخلائها وخروج أولئك المقاتلين منها مع أهاليها من المدنيين، سُمح في اليوم التالي لأصحاب المنازل والمحال التجارية المتواجدة داخل هذه الأحياء بدخولها شريطة ألّا يصطحبوا معهم أي شيء من موجوداتها حال خروجهم منها. وذلك تطبيقاً لمخطط أقل ما يمكن أن يوصف به أنه شيطاني، كونه يتيح للنظام وميليشياته أن يستخدموا حياة المدنيين في مواجهة ألغام قد تكون لا تزال مزروعة في هذه الأحياء، ولدى دخول الأهالي إلى بيوتهم ومحالهم التجارية وجدوها كما تركوها تماماً قبل مغادرتهم، إلا تلك التي دمرت نتيجة القصف الوحشي من قبل النظام وحلفاءه.

بيد أنه، وفي اليوم الثاني مباشرة، تمّ منع الأهالي من الدخول مرة ثانية ولمدة أسبوع كامل، بدأت خلاله ورشات السرقة و”التعفيش” عملها في إفراغ تلك المنازل والمحال من موجوداتها. وجميعنا سمع عن تلك الأسواق المخصّصة لبيع هذه المسروقات، مثل سوق “السُنّة” في حمص، وآخرها، وليس الأخير، سوق بيع مسروقات مدينة داريا في جرمانا. وبذلك أصبح في سورية أسواق عديدة للمسروقات، بعد أن كان أشهرها على الإطلاق قبل الثورة السورية، هو سوق “الحرامية” وسط العاصمة دمشق، والملاصق لإحدى مديريات وزارة الداخلية، وهي مديرية الأحوال المدنية!

وتكتمل عملية الإخلاء القسري، الساعية إلى إحداث تغيير ديموغرافي، بقيام النظام بإحلال عائلات أخرى، غالباً ما تكون عائلات غير سورية، في هذه المناطق التي تم إبعاد وتهجير أهلها منها. حيث يتم الحديث عن استقدام عائلات من جنوب العراق كما ذكرت بعض وسائل الإعلام، وأخرى من لبنان لأسر المقاتلين غير السوريين الذين يحاربون إلى جانب النظام. وذلك بغرض توطينهم بديلاً عن السكان الأصليين، سعياً لمحو ماضي وتاريخ وذكريات هذه المناطق وأهلها، إذ يقوم النظام بمسح  أطلال هذه البقع الجغرافية، واختراع واقع جديد يناسبه ويناسب تموضع حلفائه.

وتأتي هذه الممارسات لتزوّر الثقافات المتوارثة في هذه المناطق منذ أجيال، ولتتحايل على الوجود الشرعي لأهل هذه المناطق، خالقة وجوداً آخر لا شرعية له لمجموعة من الغرباء الذين ساهموا في سفك دماء وطمس تاريخ وواقع سكان هذه المناطق.

ويمكننا استشعار خطر أكبر في مثل هذه الارتكابات عندما نعلم أنّ السجلات العقارية وسجلات الأحوال المدنية لا تزال في قبضة النظام، وبالتالي فهو يمتلك القدرة على التلاعب بها وبمعلوماتها وفق أهوائه ومصالحه. وأوضح مثال على ذلك قيام النظام السوري بمنح الجنسية السورية لما يقارب مئتي مقاتل فلسطيني سوري، حصراً من الذين يقاتلون إلى جانبه (استنادا لمصادر تأكد منها كاتب المقال)، وهو  النظام ذاته الذي تمنّع عن ذلك، ولعقود طويلة، بحجة عدم طمس الهوية الفلسطينية، وتضييع حقوق اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في سوريا، ما يثبت انتهازيته الفاقعة، واستغلاله الممنهج للقضية الفلسطينية لتثبيت أركان حكمه الفاسد.

وبالعودة إلى أسباب استقدام هؤلاء المرتزقة من كل حدب وصوب، وعدا عن حجة وجود مقامات مقدسة في منطقتي السيدة زينب وداريا؛ من الممكن القول إنه توجد  قناعة تامة لدى النظام وأعوانه بعدم شرعية ما يقومون به، وبعدم وجود ما يُسمّى بالحقوق التاريخية، خاصة بوجود سوابق تاريخية مثبتة لحالات إبعاد قسري أخرى كما في فلسطين المحتلة وكوسوفو وغيرها من المناطق.

إذ يقوم النظام هذه المرة باختلاق أعذار وهمية، غير مبنية على التاريخ، كحجة تطهير المناطق من الإرهابيين والبيئة الحاضنة لهم، ليواصل ترحيل المدنيين مع المقاتلين من مناطقهم. وذلك في المناطق التي تفتقر فيها حجته التاريخية والطائفية المزعومة إلى أيّ أساس يمَكنّه من بناء فرضية الحقوق عليها، كما هو الحال في منطقتي القلمون والزبداني.

وكل ما سبق ذكره، يزيد من سعير نار النزاع المسلح، ويزيد من مساحة الظلم والعوز إلى العدالة داخل قلوب المهجرين والمُبعدين عن حياتهم الأصلية، على أمل العودة يوماً ما إلى أحضان هذه الحياة.

(الصورة الرئيسية: أهالي مدينة داريا يستعدون لمغادرتها بعد أن تم توقيع اتفاق بين المعارضة المحلية في المدينة والنظام يقضي بمغادرة الاهالي إلى حيث يريدون والمقاتلين إلى مدينة إدلب. المصدر: الصفحة الرسمية للمجلس المحلي لمدينة داريا على الفيسبوك/ 27 /8 /2016)

شارك المقالة: