“سورية بدها حرية” (7)

“سورية بدها حرية” (7)

هوشنك أوسيهوشنك أوسي

كاتب كردي سوري، ينشر في عدد من الصحف، منها صحيفة الحياة.

بقلم .

إحدى أبرز الأغاني والأهازيج التي أفرزتها الثورة السوريّة، حين كانت في الطور السلمي، هي أغنيّة “سورية بدها حريّة”. وإن لم تخنّي الذاكرة، فهذه الأغنية، هي للفنان الشهيد إبراهيم قاشوش. مناسبة هذا الاستذكار، الحديث عن سورية المستقبل، وما يتطلّبه ذلك من شكل نظام الحكم والدستور وآليات إدارة الدولة وهويّتها بوصفها مؤسسة جامعة لكل مكوّنات الشعب السوري، وتصون وتدافع عن حقوق وهويّات هذه المكوّنات دستوريّاً. فالحريّة التي حُرِمَ منها السوريون في حقبة نظام حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي كان من أحد أبرز أهدافه “الحريّة”، ينبغي أن يكون أحد أبسط تجليّاتها في أوساط النخب السياسيّة والثقافيّة المعارضة لنظام الأسد – البعث، هو وضع كل شيء يمت بنظام حكم البعث، ضمن دائرة النقاش والنقد، وصولاً لإيجاد البديل الذي يكفل إعادة الدولة للمجتمع، وإعادة تأهيل الأخير بما ينسجم وحقائق موزاييكه وتنويعاته القوميّة والدينيّة والإثنيّة. بمعنى، أن يتم مناقشة كل شيء، وأي شيء، بمنتهى الحريّة والتعقّل والهدوء، في الإعلام، وضمن ورش عمل وملتقيات ومؤتمرات…الخ، بعيداً من التشنّج والعصبيات والموروث الاستبدادي القومي أو الديني أو الطائفي، وخارج نطاق المواقف المسبقة، وردود الأفعال والمكايدات والمكاسرات والمزايدات. عدا ذلك، أيّة محاولة تنصّل أو التفاف على الخوض في مصير ومستقبل البلد، وشكل نظام الحكم، وهويّة الدولة، وضرورة تحييدها عن الخنادق والبيئات أو الانحيازات أو الامتيازات القوميّة والدينيّة والطائفيّة، سيؤدي إلى مفاقمة الاستبداد، ولن يغدو الأمر أكثر من استبدال نظام استبدادي بنظام آخر، يرث طبائعه وتركته، ولكن تحت مسمّى آخر. وعليه، حجّة ضرورة إسقاط نظام الأسد أولاً، وتأجيل كل القضايا المتعلّقة بمستقبل الدولة ونظام الحكم، هذه الحجّة ركيكة ومردودة، لسبب بسيط أنه في زمن التحوّلات الاجتماعيّة – السياسيّة، والمراحل الانتقاليّة في حياة الشعوب، ومراحل التحرر من الاحتلال الخارجي أو الداخلي، كل ذلك يملي ويفرض ضرورة الخوض في نقاشات عميقة وجذرية وجديّة تصبّ في خانة البحث عن مستقبل الدولة والدستور الذي يضمن بأن تكون سورية لكل السوريين، على اختلاف انتماءاتهم القوميّة والدينيّة أو الطائفيّة، ولا يكون هنالك أيّ امتياز لمكوّن على آخر، بحكم الأغلبيّة العدديّة والديموغرافيّة. وهكذا شكل من النقاش المفتوح والمنفتح، هو شكل من أشكال الثورة الذهنيّة بالتزامن مع الثورة على نظام الأسد. وعليه، لا يمكن الحديث عن الثورة السوريّة على نظام الأسد – البعث، مع وجود محاولات إعادة تدوير أو إنتاج هذا النظام، وفق سياقات وأطر أخرى، تختلف في التسمية، وتتطابق في الجوهر مع النظام السابق.

مما لا شكّ فيه أن السوريين كانوا محرومين في تقرير مصيرهم في حقبة الاحتلال العثماني، ثم الفرنسي وصولاً للاحتلال الداخلي الأسدي – البعثي. وكل النقاشات الدائرة حاليّاً، تصبّ في إطار ما تم ذكره آنفاً، يمكن اعتباره من أعراض مرحلة التحرر الوطني والسياسي والاجتماعي، أو مرحلة الاستقلال الثاني، بعد 1946، إن جاز التعبير. هكذا شكل من الحوار المفتوح، بعيداً من التابوهات، المفضي إلى صيغ ديمقراطيّة تشاركيّة، يعزز التفاهم الوطني، بحيث يكون الجميع شركاء أصلاء في صوغ وإنتاج مستقبل الوطن ونظام الحكم فيه. ويمكن ترتيب أولويات النقاش حول مستقبل سورية، على النحو التالي:

1 – اسم وهويّة الدولة.

 2 – علم ودستور الدولة.

 3 – شكل نظام الحكم في الدولة.

سورية لا عربية

أعتقد أنه من أبزر ما أورثه نظام البعث لمعارضته هو التشدد القومي في نسب هويّة الدولة السوريّة إلى العرب والعروبة. ذلك أن الأمر لم يكن هكذا، قبل انقلاب البعث على الدولة والمجتمع في 8/3/1963، وكان اسمها الجمهوريّة السوريّة. ومن السخافة بمكان أن يعتبر البعض مناقشة ذلك، إهانة للعرب السوريين. ذلك أن العرب كانوا يحكمون سورية قبل وصول البعث للحكم، ولم يحيلوا هويّة الدولة إلى هويّة المكوّن العربي، حتى ولو كان هذا المكوّن هو أغلبيّة الشعب السوري. زد على ذلك، أبسط قواعد العمل الديمقراطي في نظم الحكم والإدارة الدولتيّة، تلزم بتحييد الدولة عن الانحيازات القوميّة، اعتماداً على الأكثريّات أو الأغلبيات القوميّة في أية دولة. وإلاّ لكان الفلامان، أصرّوا على اعتبار بلجيكا: “المملكة الفلامانيّة البلجيكيّة” لأن الفلاندرز هم الأغلبيّة العدديّة القوميّة في هذا البلد. ولأصرّ الألمان السويسريين على اعتبار اسم جمهوريّتهم “الجمهوريّة الألمانيّة السويسريّة” لأن المكوّن الألماني هو الأغلبيّة العدديّة في سويسرا!.

أبعد من هذا وذاك، إذا تمّ الإصرار على عروبة الدولة السوريّة، على اعتبار أن العرب هم الأكثريّة العدديّة، سيفتح ذلك مجالاً لاعتبار الإسلام المصدر الرئيس للتشريع، لأن المسلمين هم الأغلبيّة الدينيّة في سورية. وفي هذا الإطار، سيتم اعتبار مذهب أهل السنّة الجماعة، هو الأساس، لأن السنّة هم الأغلبيّة ضمن المسلمين السوريين… وهكذا دواليك، بحيث يشتد الخناق على الدولة والمجتمع والدستور، عبر حلقات الضغط القومي، الديني، المذهي!. والحال هذه، أيّ نظام ديمقراطي، علماني، تعددي، مدني، يمكن الحديث عنه في سورية المستقبل؟!. وبالتالي، حين أعلنها السوريون سابقاً “الجمهوريّة السوريّة”، لم يكن ذلك انتقاصاً للعرب أو المسلمين أو السنّة!. فمن يخوّن من يطرح هويّة الدولة للنقاش، عليه أولاّ تخوين من اختار اسم “الجمهوريّة السوريّة” لهذا البلد!.

علم وطني جامع:

بخصوص علم ودستور الدولة، خلال الاحتلالين العثماني والفرنسي، وقبلها حكم الدول والمماليك، مرّ على السوريين الكثير من الأعلام والريات والبيارق، تبعاً لشكل نظام الحكم. ولا يمكن اعتبار العلم الذي فرضه نظام البعث باعتباره علماً وطنيّاً، لأن نظام البعث – الأسد، لم يكون نظاماً وطنيّاً في الأصل. ولئن سورية تعيش مرحلة الثورة والهدّ والبناء، حتى ولو كان البناء على المستوى النظري، هذه الأعلام الكثيرة والغزيرة التي يتم تداولها على الساحة السوريّة، هي من أعراض المراحل الانتقاليّة، أو مراحل التمزقات الاجتماعيّة – السياسيّة الناجمة عن الحروب الأهليّة. ومعلوم أن كل ثورة يمكن أن تفضي إلى حرب أهليّة، وليس كل حرب أهليّة هي ثورة.

في هكذا مراحل، من الطبيعي، أن تنظر كل جهة إلى علمها باعتباره “قدس الأقداس” وليس بوصفه رمزاً يمكن تعديله أو تبديله، طبقاً لضرورة التفاهم والتوافق الوطني. فاختيار الثوّار والمعارضة لعلم الاستقلال، كان ردّة فعل على علم نظام الأسد، بعد أن انزلق الأخير إلى القتل الوحشي. ولأن الثوّار كانوا في البداية، يرفعون علم نظام الأسد!. وعليه، اختيار علم الاستقلال، يملي على المعارضة أن تتبنى قيم مرحلة الاستقلال أيضاً، ومنها تسمية الدولة “الجمهوريّة السوريّة”. إذ من غير المعقول أن تتبنّى المعارضة تسمية نظام البعث للدولة، وترفض علمه. فحين تتبنّى علم الاستقلال، وترفض تسمية الدولة وقتذاك!؟.

أعتقد أنه في سورية المستقبل، سيكون هنالك علم وطني جامع، كما في كل الدول الديمقراطيّة. ويمكن أن يكون هنالك أعلام للأقاليم، كما هو الحال في بلجيكا، سويسرا، وكل الدول الاتحاديّة الديمقراطيّة. شريطة أن تكون أعلام الأقاليم، ناتجة عن تفاهمات وتوافقات محليّة مشتركة. وعليه، العلم الوطني هو الأساس في الدوائر الرسميّة، مع وجود علم الإقليم. في حين تكون الأعلام الحزبيّة والجهويّة فقط ضمن النشاطات والمكاتب والمؤسسات التابعة لهذا الحزب أو ذاك!.

أمّا ما يتعلّق بشكل نظام الحكم في سورية، فسبق لكاتب هذه الأسطر أن أدلى بدلوه بهذا الخصوص. إذ أعتقد أن النظام الفيدرالي، هو الأجدى والأكثر انسجاماً مع التنوّع والتعدد القومي والديني الذي يحظى به النسيج الاجتماعي السوري. ولأن النظام البعثي في سورية، هوّل كثيراً في مسألة الحكم الذاتي أو الفيديراليّة، بخاصّة منها الكرديّة، سواء في العراق أو سورية، تشكّل نوع من الفوبيا الواسعة الانتشار في الأوساط السوريّة، داخل النظام ومعارضته على حدٍ سواء، تناهض الفيدراليّة. إذ يعتبرون الفيدراليّة صنو التقسيم والانفصال أو ما شابه ذلك. وحقيقة الأمر خلاف ذلك تماماً. والأمثلة أكثر من أن نحصيها ونخوض في تجاربها. ويتم رفض الفيدراليّة لأنها تلغي المركزيّة القوميّة التي تدار بها الدولة المركزيّة. ولأن اعتماد النظام الفيدرالي، سيفتح المجال أمام إقرار حقوق الأقليات القوميّة، في إطار الدستور، وإعادة هيكلة وبناء مؤسسات الدولة وفق وعي ديمقراطي مدني علماني جديد ومنصف للمكوّنات الشريكة، وأن ذلك سيفتح المجال أمام اعتبار اللغة الكرديّة لغة رئيسيّة ثانية، واللغة السريانيّة لغة ثالثة رسميّة في البلاد، بعد اللغة العربيّة، لذا، أصحاب الموروث البعثي، يحاولون التنصّل من ذلك، عبر حجّة أن مستقبل سورية يحدده الشعب السوري، بعد إسقاط نظام الأسد، وعبر الانتخابات والاستفتاءات… الخ. بمعنى، يؤكد هؤلاء أن أي انتخابات أو استفتاءات تتعلّق بهويّة الدولة ودستورها، بعد إسقاط نظام البعث، ستكون بريئة تماماً ومطلقاً من الإرث والتراكم البعثي في الذهنيّة والسلوك السياسي والثقافي!. وهذا مستحيل. بل هذا الرفض المتدثّر خلف الخيار الشعبي الديمقراطي المستقبلي، ينطوي على التعويل أو الاستناد إلى أن منطق الأغلبيّات العدديّة القوميّة والدينيّة ستتحكّم بصناديق الاقتراع وتقول: “لا للفيديراليّة. وينبغي احترام العمليّة الديمقراطيّة”. وأشياء من هذا القبيل. كل ذلك، في مسعى التنصّل من استحقاقات “سوريّة بدها حريّة”.

الكثير من النخب السياسيّة والثقافيّة تنظّر في السلوك الوطني وأن المكوّن الفلاني ينبغي أن يكون وطنيّاً، وينخرط تحت سقف دولة المواطنة التي تجمع الكل. وكل هذا التنظير هو افتراضي، لا يستند إلى تجربة عمليّة، أو على ضمانات حقيقيّة تكفل حقوق الأقليّات ضمن دستور دولة الحقوق والمواطنة. ويغفل أو يتغافل هؤلاء على أن الدولة الفيدراليّة هي أرقى أشكال دولة المواطنة والمؤسسات والقانون. ويريد أصحاب هذا التوجّه – التنظير في الوطنيّة ودولة المواطنة، أن يرضخ الناس لتصوّراتهم وتنظيراتهم الافتراضيّة لشكل إدارة الحكم في سورية المستقبل، دون تقديم أيّة تعهّدات يتنازلون فيها عن الدولة المركزيّة المنحازة للأغلبيّة القوميّة والدينيّة والمذهبيّة.

اللامركزية ليست فيدرالية بالضرورة!

في النظام الفيدرالي، يمكن قوننة تعدديّة اللغات في الدولة. فاللغة الرئيسة في الإقليم هي لغة الأغلبيّة القوميّة، مع الحفاظ على حريّة تعلّم اللغات الرسميّة الأخرى على مستوى الدولة ككل. وأيضاً ثمة أمثلة عديدة بهذا الخصوص. فكل نظام فيدرالي، هو نظام لامركزي. ولكن ليس كل نظام لامركزي هو نظام فيدرالي. ففي النظام اللامركزي، يمكن توسيع صلاحيات المحافظات في إدارة شؤونها بحيث لا تصل إلى مستوى الحكم الذاتي. بينما في النظام الفيدرالي الأمر مختلف، بحيث يبقى دور المركز – العاصمة في محصوراً في الأمور والقرارات السياديّة، على الصعيد السياسي والعسكري والاقتصادي. بينما يكون للأقاليم برلماناتها وحكوماتها المحليّة التي تدير شؤون وحياة المواطنين في هذه الإقاليم، بما لا يتعارض ودستور البلاد. حين تعزز التجربة الفيدراليّة في أي بلد متعدد الأقوام والأديان، تزول الحزازات والعصبيّات القوميّة والدينيّة بالتقادم. ففي بلجيكا، لا ينزعج الفلامان، حين يسمّي الوالون مدينة “آنتويربن” بـ”آنفيرس”، بالرغم أنها كبرى محافظات إقليم فلاندرز. وثمّة مدن أخرى تحمل اسمين، فلاماني – هولندي وفرنسي. بينما حين يسمّي الأكراد مدينة القامشلي بقامشلو، يعتبر بعض الأخوة العرب ذلك، “تكريداً” وسعياً نحو الانفصال!؟.

بتقديري، كل تجارب الدولة المركزيّة أو الدولة القوميّة أثبتت فشلها، لأنها كانت على حساب طمس هويّات وشخصيّات المكوّنات الاجتماعيّة (القوميّة والدينيّة…) الأخرى، وهضم حقوقها وتهميشها. وبالتالي، إذا أردنا وضع مستقبل واعد لسورية نصب أعيننا، ينبغي أن نلقي تجربة نظام البعث وتركته وموروثه خلف ظهرنا، ونمعن في تجارب الدول الاتحاديّة الناجحة الخاضعة لسلطة المجتمع، والتي دينها وديدنها خدمة المواطن وضمان حقوقه وحريّته في التعبير عن هويّته وثقافته ولغته ورأيه. والحريّة حين تكون منتقصة، الكرامة أيضاً تكون منتقصة. لذا، كان اسمها ثورة الحريّة والكرامة. ويجب أن تحقق أهدافها في الحريّة والكرامة، وتهدي الشرق والعالم بلداً معافى من تركة دولة البعث – الأسد، وكل أشكال النظم العقيديّة – الآيديولوجيّة.

 

شارك المقالة: