لماذا يستمر حصار داريَّا؟


03 نيسان 2016

أعلِنت الهدنة في نهاية شهر شباط 2016، وتوقف حصار جميع المدن والبلدات السورية، إما بإدخال المساعدات الإنسانية من الأمم المتحدة، أو السماح للجرحى بالخروج للعلاج، وذلك وفق عقود وُقعت بين المعارضة المسلحة وميليشيا النظام، انتهى حصار حي الوعر في حمص، وحصار مضايا، والزبداني، وغيرها، وحدها داريَّا لم تزل تختنق مُحاطة بجيش بشار الأسد، ولم يزل مدنيوها دون مساعدات، وممنوع على أي كان أن يدخل أو يخرج من هذه المدينة التي لا تبعد سوى ثماني كيلومترات عن قلب العاصمة دمشق.

المصدر: صفحة المجلس المحلي لمدينة داريَّا، فيسبوك.
من وجوه الدمار في المدينة، المصدر: صفحة المجلس المحلي لمدينة داريَّا، فيسبوك.

"ستالينغراد سوريا" كما صارت تُعرف بعد أن تحولت معظم أحيائها إلى أطلال بسبب القصف الذي لم يهدأ من طائرات النظام طوال أربعة أعوام من الحصار شبه الكامل، ما زال يقطنها عشرة آلاف من المدنيين، وهم مُنذ أن أغلق المنفذ الواصل بين داريَّا ومعضميَّة الشام في تشرين الثاني 2015 يعيشون حصاراً كاملاً، بهدف "إجبار المدينة على الخضوع إلى مصالحة أو هدنة محلية، وتسويقها على أنها (رجوع إلى حضن الوطن)"، كما يصرح أحد أعضاء المجلس المحلي في داريَّا لـ (حكاية ما انحكت). فبعد أن فشل القصف بالبراميل والدبابات لم يتبقَّ أمام النظام سوى سلاح التجويع.

https://www.youtube.com/watch?v=KdAt1GyQdJI&feature=youtu.be

داريَّا التي شهدت أول مظاهرة مناهضة للأسد في 25/03/2011، يعود تاريخها في الحراك المدني إلى عام 2003، عندما قام مجموعة من شباب المدينة بمشروع يمهد للمجتمع المدني بأنشطة بسيطة تتلخص في تنظيف الشوارع ومكافحة الرشوة، وذلك عبر منشورات وزعوها على المدنيين، ما أدى إلى اعتقال معظمهم من قبل مخابرات النظام ومحاكمتهم ميدانياً بالسجن لمدة تزيد عن ثلاث سنوات، وفي بداية الثورة السورية، قدمت المدينة نموذجاً مغايراً من النضال السلمي، وذلك بتوزيع الورود وقناني الماء على عناصر الجيش والأمن في الحواجز المحيطة بداريَّا، وكانت ردة فعل القوات الأمنية بالغة الوحشية في حينه، حيث اعتقلت أبرز وجوه منظمي هذا الحراك، ومنهم إسلام الدباس ومحمد قريطم وغياث مطر الذي قُتل تحت التعذيب، في حين ما زال الباقون قيد الاعتقال.

صورة لداريَّا قبل القصف، المصدر: عدسة شاب ديراني، موقع المجلس المحلي لمدينة داريا.
صورة لداريَّا قبل القصف، المصدر: عدسة شاب ديراني، موقع المجلس المحلي لمدينة داريا.

منذ عام 2012، وبعد أن دخلت المدينة مرحلة التسليح للدفاع عن المدنيين في وجه النظام، لم تنقطع الأنشطة السلمية فيها، بل بقي الجيش الحر حامياً لهذه الأنشطة، وحتى اليوم ما زالت تخرج بين الآونة والأخرى حملات سلمية لفك الحصار والتأكيد على الاستمرار بالثورة، منها المظاهرة التي قام بها أطفال ونساء المدينة في شهر شباط 2016 بعنوان لسنا أرقاماً، ورفعوا لافتة "نحن لسنا أرقاماً، نحن مستقبل سوريا، أنقذونا من الموت والحصار، أنقذوا مستقبلكم"، تلاها تجمع للأطفال على شكل كلمة sos في آذار 2016.

وقفة أطفال داريَّا في آذار 2016، المصدر: موقع سوريَّات.
وقفة أطفال داريَّا في آذار 2016، المصدر: موقع سوريَّات.

هذه المناشدات لا تزال تقابل بتجاهل دولي، وكما يؤكد المجلس المحلي لحكاية ما انحكت، فإن الأهالي يعانون من نقص حاد في المواد الغذائية والطبية، ولا ينقذهم من الموت جوعاً حتى اليوم إلا غنى مدينتهم بالأراضي الزراعية والمواشي، مع ذلك، يواجهون تحدياً في استخراج المياه لسقي المزروعات بسبب الانخفاض الكبير في كمية المحروقات، وانقطاع التيار الكهربائي.

من مظاهرة لسنا أرقاماً، المصدر: صفحة المجلس المحلي لمدينة داريَّا، فيسبوك.
من مظاهرة لسنا أرقاماً، المصدر: صفحة المجلس المحلي لمدينة داريَّا، فيسبوك.

منذ بدء حصارها، قُصفت داريَّا بـ 6600 برميلاً متفجراً، حسبما أعلن المركز الإعلامي فيها، أما الجيش الحر، فإن جميع عناصره من أبناء المدينة، وهو يخلو من االكتائب الإسلامية، هذا الجيش ما زال يمنع النظام من دخول داريَّا التي قدمت وتقدم مثالاً للعمل المدني عبر المجلس المحلي بمكاتبه الشاملة لكافة مرافق الحياة، أمام هذه الحال، لن نجد صعوبة في الإجابة عن سؤال: لماذا تُحاصر داريَّا دون غيرها؟، فللنظام ثأر شخصي مع هذه المدينة التي أفشلت كافة اتهاماته للثورة بأنها إسلامية متطرفة.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد