الإعلام الجديد في سوريا صعوبات وتحديات وافتقاد لمحتوى موحد

الإعلام الجديد في سوريا صعوبات وتحديات وافتقاد لمحتوى موحد

بقلم .

من المفترض أن يكون لمنظومة الإعلام الجديد والبنى التي تؤسس عليه دور مؤثر في سيرورة المجتمع وتصحيح مسار العمل الإعلامي. في وضع سوريا التي تشهد حراكاً منذ أكثر من أربعة أعوام وبسبب منع السلطات تواجد المؤسسات الإعلامية لنقل ما يجري من أحداث، كان أمام السوريين تحديات كبيرة في إيصال صور وأخبار الحراك عبر شبكات “الإنترنت” ومواقع التواصل الاجتماعي من خلال  صحافيين وناشطين وصحافيين مواطنين، في محاولة لتوفير فرص نقل الأحداث بعيداً عن منع ورقابة السلطة.

 واقع الإعلام لم يخلو -مع إطالة أمد الحراك- من الاصطدام بصعوبات لم تساهم بالمعنى الحقيقي في خلق محتوى إعلامي موحد يصب فيه الإعلام الجديد، بالإضافة لتحكّم المنظمات الداعمة بمنهجية تلك المؤسسات، ما أدى لآلية تشتت في تنظيم العمل الإعلامي، وتكاثر وجود أناسٍ لا يملكون الخبرة الإعلامية الكافية في الإدارة.

يرى الكثير من الصحافيين السوريين أن “الإعلام الجديد” لم يتبلور ويعبر بشكل مهني وحرفي عن الحالة السورية التي تتخللها تناقضات يرافقها تهويل ومبالغة في الكثير من الأحيان. فيما يؤكد البعض أن ظاهرة الميديا الحديثة برغم ضعف إمكانياتها استطاعت التفوق على “ماكينة” إعلام النظام المعتمدة على “بروباغندا” لصورة السلطة الممارسة للقتل والدمار لدرجة أن منظمة “مراسلون بلا حدود” وضعت سوريا ضمن قائمة الدول الأكثر خطراً على الصحافيين منذ بداية الحراك عام 2011.

رؤى متباينة

انتشرت منذ بداية الانتفاضة السورية وسائل إعلام عدّة كالصحف والمجلات والإذاعات والتلفزيونات ومواقع إلكترونية اهتمت بالثورة السورية، لكنها ركزت في مضمونها ومحتواها على المادة “الخبرية”، تبعها تعمق في تحليل المضمون من قبل بعض الصحف المطبوعة. حسب “كمال أوسكان” سكرتير تحرير مجلة “صور” التي تصدر في “غازي عنتاب” التركية، ويعيد وجود الصعوبات التي تواجه عملهم الإعلامي كصحافيين وناشطين إلى الظروف التي تمر بها سوريا، وعلى رأسها انهيار الدولة، بالإضافة إلى تعدد الفصائل العسكرية المسيطرة على الأرض، “الأمر الذي أجبر الكثير من الإعلاميين للخروج من سوريا والعمل في دول الجوار، بسبب استهدافهم من غالبية التشكيلات العسكرية”.

و يرى الصحافي “عبسي سميسم” رئيس تحرير جريدة (صدى الشام) أن “الإعلام الجديد” تأثر بسياسة الجهات الداعمة وبيروقراطيتها المفرطة، وعدم قدرتها على تقييم المحتوى بشكل دقيق. وأن تلك المنظمات لم تتمكن من تحقيق نتيجة فعالة على صعيد تطوير الإعلام (الجديد) في سوريا، “بالرغم من الأموال الطائلة التي صرفت على ذلك، تزامناً مع إهمال الإعلاميين المهنيين بالاعتماد على النشطاء وأناس من غير أصحاب المهنة”.

يتفق الصحافي “أركان” (اسم مستعار) (يعيش في دمشق) مع ما ذكره “عبسي” بأن هناك جهود منظمة تعمل على إقصاء الصحافيين الأكاديميين من مؤسسات الثورة في سوريا، ما جعل بعض الصحافيين يعملون في مجالات أخرى بعيدة عن الإعلام. “ومن المدهش أن يصبح لدينا عشرات الصحف والإذاعات دون أن يستمع إليها أحد في الداخل، بينما كان الأجدى دمج جهود تلك المؤسسات في بوتقة واحدة، وإطلاق مؤسسات أكبر، وبطاقّات وإمكانيات أفضل”. ويضيف: “الصحافي في الداخل ليس له أي قيمة إذ لم يقم بالرضوخ للممول، بينما الدعم والتمويل والرعاية تذهب فقط للنشطاء المتواجدين في دول الجوار بالدرجة الأولى”.

حديث “أركان” يأتي نتيجة معاناته في التواصل مع جهات عدة، وهو يقدم مشاريع إعلامية تفيد الداخل السوري: ” لقد أرسلت أكثر من عشرين طلباً للعمل في مؤسسات إعلامية سورية، تم رفضها جميعاً، كما عملت بشكل تطوعي خلال الثورة السورية، أنجزت عشرات التقارير والمقالات والتحقيقات التي نُشرت في صحف (الإعلام الجديد)، وتواصلت العديد من المؤسسات معي لنقل المعلومات ولكن دون مقابل، بينما يتلقى أناس غير مختصين في الإعلام بالخارج رواتب (خيالية)”.

السلب والإيجاب في عمل المؤسسات الإعلامية

لا نستطيع حصر الواقع الإعلامي الحالي في السلب بكل جوانبه، وإلا فقدنا الأمل بإعلام مستقبلي ناضج يكون عكس ما عشناه في ظل النظام على مدى أربعين عاماً يقول “أوسكان” وهو خريج كلية الإعلام، إن جزء من تقليص الدور الفعال لتلك المؤسسات نابع من الصورة الموجودة على الأرض، وعدم قدرة المنظمات والمؤسسات على العمل وتشكيل نواة إعلام حقيقي، “إلا أنه بعد مرور أكثر من أربعة أعوام من زمن الثورة، بدأت مرحلة الفرز، حيث لم يعد بمقدور من لا يملك طاقات إعلامية مهنية في عملية الاستمرار، الأمر الذي يجعلنا ربما نرى مستقبلاً أفضل للإعلام”.

أما “سميسم” يرى أن الوصول لإعلام مهني يتطلب دراسة متعمقة من قبل المنظمات الداعمة لمحتوى ومضمون العمل الإعلامي لتلك المؤسسات السورية، والوصول لشريحة واسعة من الجمهور المستهدف، مع وضع مشاريع إعلامية متكاملة، لا مشاريع تكون غايتها “الاسترزاق” وتأمين مصدر الدخل المالي فقط، وإلا سنخلق إعلاماً سيئاً لايوازي قدسية الثورة السورية.

بخلاف تلك النظرة “السلبية” ترى “ميس كات” الإدارية في راديو “روزنة”، بأنهم في الإذاعة يملكون سياسة “مستقلة” في العمل بعيدة عن تدخل الداعمين في السياسة العامة أو في نظام العمل والإدارة. “عمل الداعمين يقتصر على تقديم الخبرات الهامة لتطوير إمكانيات فريق العمل ككل، من الإدارة حتى المراسلين”.

عن سياسة مجلة (صور) يقول “كمال”: “لا أستطيع الحديث عن مدى تأثير الممولين على مؤسستنا، كون المجلة ليست ممولة من جهات داعمة، بل تصدر عن مركز المجتمع المدني والديمقراطية في سوريا، الذي يتحمل تكاليف إعداد وطباعة وتوزيع المجلة”.

وجهة نظر “أركان” مختلفة في موضوع الممولين للإعلام الجديد قائلاً: “قبل أن أتحدث عن تأثير الممولين. لابد من معرفة أن الشعب السوري في مناطق عدة بالداخل، يعاني من أزمة الكهرباء والاتصالات، لذا من الصعب الحكم بأن تلك الوسائل لها تأثير، في ظل عدم استطاعة المتابعة في سوريا بشكل كبير”.

استمرارية العمل وظروف الحرب

ظروف الحرب في سوريا لم تمنع الكثير من وسائل الإعلام البديل الاستمرار بالعمل، خاصة تلك التي تعمل بالخارج، مع بعض الوسائل التي تحدت الواقع وهي تعمل من الداخل، فمثلاً هناك جرائد تطبع في عدة مناطق ومدن سورية. كما أن إدارة مجلة “شار” التي تطبع باللغتين العربية والكردية افتتحت مكتباً لها في مدينة “قامشلو” التابعة للحسكة، فيما كانت تطبع بمدينة “غازي عنتاب” التركية قبل أن تتحول طباعتها إلى الداخل بسبب منع دخولها عبر الحدود من قبل السلطات التركية.

إن استمرارية العمل الإعلامي بحسب “كمال” أمر مبشر بـالخير في ظل الظروف التي تعيشها سوريا، إذ يعتبر أن كثير من وسائل الإعلام البديل مازالت في بداية مسيرتها، وتحتاج المزيد من الوقت والإمكانيات حتى تتمكن من السير نحو الاحترافية، “فنحن تخطينا أكثر من عشرين عدداً دون انقطاع، وقمنا ببناء شبكة من المراسلين والصحافيين في جميع المحافظات، واعتمدنا أنواع صحافية تخدم وتناسب تطور الواقع الإعلامي، كالتقارير والتحقيقات الصحافية والقصص الخبرية”.

تؤكد “ميس” أن عمل الراديوهات في مثل هذه الظروف ليس بالأمر السهل، خاصة وأن غالبية تلك الإذاعات تعمل من الخارج، ما يصعب عملية التواصل مع المراسلين بشكل مباشر في ظل الظروف الأمنية التي تعيشها سوريا، “لذا اعتمدنا في إذاعة روزنة التي تبث من العاصمة الفرنسية (باريس)، ولديها مكتب في تركيا على تقارير وقصص وبرامج يتم انتاجها من قبل مراسلي روزنة المتواجدين داخل سوريا، ومراسلون من دول الجوار”. مضيفةً أن الصعوبات في عمل المؤسسة لا يختلف عن صعوبات باقي المؤسسات بعدم تواجد جميع الأفراد في مكان واحد، عدا عن ظروفهم الحياتية الصعبة، وتغير أماكن تواجدهم بسبب القصف والاشتباكات اليومية. وتتابع أنه من الصعب تقدير مدى تأثير تلك الوسائل، “لأننا نعتمد بقياس المتابعين فقط على قراءة وسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال تفاعل المستمعين عبر الإنترنت”.

السلامة المهنية والأمنية

فَقّدَ نحو ثلاثمئة صحافي وناشط إعلامي ومواطن صحافي حياتهم في سوريا، كما اعتقل المئات بسبب نشاطهم الإعلامي، الأمر الذي يظهر حاجة ملحة لاطلاع الصحافيين والناشطين على أسس السلامة المهنية والجسدية من قبل المنظمات الداعمة، التي يرى “أركان” أنها –المنظمات الداعمة- تهمل هذا الجانب بشكل كبير. وتؤكد “ميس كات” أيضاً على دور السلامة الشخصية للناشطين والصحافيين وتقول: “نقوم في إذاعة (روزنة) بتدريب المراسلين بشكل دوري على الحماية الأمنية والجسدية من خلال دورات تدريبية، وتذكير المراسلين دوماً بأن حياتهم أهم من العمل، كما نقوم بتأمين أجهزة مناسبة للحماية، تتناسب مع الوضع القائم في سوريا، بالإضافة لدعم مراسلينا في حال تعرضهم للاعتقال أو الإصابة أو الخطف بما نمتلك من وسائل، وهو ما حصل عدة مرات منذ بداية انطلاق الإذاعة وحتى اليوم”. وتضيف: “لمراسلي المؤسسة حقوقهم بحسب قانون البلد الذي سُجلت على أراضيها روزنة الإعلامية، ويعمل المراسلون بصفة صحافيين مستقلين، يتم التعامل معهم بموجب (فواتير) عمل تضمن حقوقهم وترعى ظروفهم”.

أهم الاحتياجات التي يجب أن تتوفر لوسائل الإعلام البديل بحسب “ميس” تتمثل في الانتشار الأوسع داخل سوريا، وتزويد دعم السوريين بخبرات أجنبية، ليس فقط في النطاق الصحافي، وإنما ضمن نطاق التعامل وإيصال المعلومة بشكل صحيح”.

 دور “الإعلام الجديد” أو “صحافة المواطن” يأتي كبديل للإعلام السائد من حيث المحتوى والمضمون والإنتاج والسياسة، بالإضافة للقرب من الجمهور. بينما يكون الهدف الأساسي لهذا الإعلام هو الوقوف في وجه السلطات الشمولية وممثلاً عن الجماعات المهمش ومعززاً لروابط المجتمع. وتبقى أمنية غالبية الصحافيين السوريين والناشطين، بأن يكون لهذا الإعلام دور مستقبلي في سوريا تسودها الديمقراطية.

شارك المقالة: