الهلال الاحمر: حكايا أيام الجمر(2)


15 تشرين الثاني 2015

تحدثنا في حلقة سابقة أن مؤسسة الهلال الأحمر تمكنت من إحداث نقاط إسعافية متقدمة في جوبر والمعضمية والقابون في ظل سيطرة المعارضة المسلحة واحتدام المعارك في تلك المناطق التي كانت نقاط حرب حقيقية أو نقاط تماس للحرب بأحسن الأحوال، وذلك بين تاريخي نيسان 2012 وأيار 2013، الأمر الذي جعل متطوعي الهلال على تماس مع حكايات وأحداث لا يمكن لغيرهم الاطلاع عليها، ناهيك عن كون ما حصل معهم هم، يعتبر جزءا من الحكاية السورية التي لم تكتب بعد: حكايات معمدة بالدم والتحدي والإصرار على إنقاذ الإنسان أو ما بقي منه من فم آلة الحرب والجريمة.

بتاريخ 10/10/2012 حدث تفجير في جامع الزيتونة في المعضمية، ما أدى لوصول حوالي مئة وخمسين مصاب إلى نقطة إسعاف المعضمية التابعة للهلال خلال عشر دقائق، مع وجود تسع مسعفين وطبيبين التحق بهم فيما بعد تسع متطوعين من الهلال.

في هكذا حالات يتم تقسيم العمل بسرعة بالغة فللثواني هنا أهميتها إذ يعبر خلالها الإنسان من الموت إلى الحياة، حيث كان يتولى بعض المسعفين عملية فرز الإصابات وفق التالي: الكود الأسود: ميت، الأحمر: عناية مباشرة، الأصفر: بيتحمل ربع ساعة، الأخضر: حالة سلمية، ليتم توزيع الإصابات على المسعفين الآخرين والأطباء لتولي حالاتهم في ظل ضغط شديد كان يؤدي لحدوث أخطاء متوقعة في ظل الضغط الشديد الذي يعملون في ظله، إلا أنها تبقى أخطاء يمكن غفرانها إذا عرفنا مدى الروحية والنبالة والإيثار الذي كان يعمل يتحلى به الجميع، فأحد المتطوعين وهو يعمل على نقل الضحايا والمصابين، وجد ابنه فجأة بين مجموعة الكود الأسود، فبكى لمدة دقيقتين كانتا كافيتين لغسل قلبه من الحزن والحقد، ليعود ويتابع العمل في إنقاذ من تبقى على قيد الحياة، قائلا: الحي أبقى من الميت.

أحد متطوعي الهلال يساعد مسنا في مدينة دوما. المصدر: الصفحة الرسمية للهلال الأحمر في مدينة دوما على الفيسبوك
أحد متطوعي الهلال يساعد مسنا في مدينة دوما. المصدر: الصفحة الرسمية للهلال الأحمر في مدينة دوما على الفيسبوك

متطوع آخر كان يعمل على إنقاذ المصابين وهو يرتدي قبعة، وبعد خمس دقائق من عمله ينتبه إلى أن الدم ينزف من رأسه، وهو غير واع إلى أنه مصاب أمام هول الكارثة التي يراها في أجساد الضحايا ووجوههم الداعية إياه لإنقاذهم، فتم قطب رأسه أربعة قطب ليتابع العمل وكأن شيئا لم يكن.

ولكن إذا كانت نقطة المعضمية تلقت مئة وخمسين إصابة خلال عشرة دقائق، فإن نقطة جوبر تلقت حوالي 215 إصابة خلال أربع ساعات، بوجود طبيب واحد وتسعة متطوعين فقط في البداية، ليلتحق بهم أربعة أطباء وعشرة مسعفين من الأهالي فيما بعد، ما خفف ضغطا عن الكادر الطبي، خاصة أن مستوى الإصابات كان أعلى مما حدث في المعضمية، حيث شهدت نقطة جوبر حالات بتر للأعضاء بسبب الضرورة.

متطوعو جوبر كانوا شهودا على مشاهد تحفر في ذاكرة الإنسانية لما تحمل من قسوة وتحدي واكتشاف لمعدن الإنسان وصلابته في لحظات الأزمات، فأبو يحيى الذي تحجر قلبه وتأقلم مع الموت لكثرة ما دفن من الجثث، إذ كان يدفن يوميا حوالي عشرة جثث، لم يتمالك نفسه حين توفي ابن أخوه فبكى لمدة عشر دقائق ثم حمله وأخذه إلى المقبرة وباشر في إجراءات دفنه.

متطوعو الهلال الأحمر في مدينة دوما. المصدر: الصفحة الرسمية للهلال الأحمر في مدينة دوما على الفيسبوك
متطوعو الهلال الأحمر في مدينة دوما. المصدر: الصفحة الرسمية للهلال الأحمر في مدينة دوما على الفيسبوك

هكذا هي الحياة، استحالت هنا موتا متواصلا تعقبه لحظة تحدي وتصميم على مواجهة الموت دون القدرة على التوقف لحظة واحدة لالتقاط الأنفاس، فكثافته بلغت حدا لا يسمح بتأمله أو الحزن الطويل، ما جعل الدمع ينشف من عيون السوريين دون أن يجف، فكلما ظنوا أن الدمع جف في عيونهم يكتشفون أنهم قادرون على البكاء ولو لدقائق وعلى عجل. هذا البكاء الذي كان متطوعو الهلال شاهدون عليه فيما أيديهم تغوص في أجساد المصابين، مناضلة لإبعاد شبح الموت دون القدرة على إيقاف الألم والبكاء اللذين فاضا عن جغرافية العالم بأسره.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد