تهجير عرقي أم انتهاكات؟ تل أبيض أم كري سبي!


25 حزيران 2015

محمد ديبو

باحث وشاعر سوري. آخر أعماله: كمن يشهد موته (بيت المواطن، ٢٠١٤)، خطأ انتخابي (دار الساقي، ٢٠٠٨). له أبحاث في الاقتصاد والطائفية وغيرها، يعمل محرّرا في صحيفة العربي الجديد.

  • - اسمها "تل أبيض".
  • - لا اسمها "كري سبي".
  • - حررتها وحدات حماية الشعب من داعش.
  • - لا حررتها قوات الحماية الشعبية وفصائل من الجيش الحر (بركان الفرات) والتحالف الدولي ضد داعش.
  • - حصلت إبادة بحق العرب من قبل الكرد في تل أبيض
  • - لا لم تحصل، ولا يمكن اتهام كل الكرد بل وحدات حماية الشعب وهي تضم كل مكونات المنطقة ( كرد، عرب، آشوريين..).
  • - أنتم قومجيين كرد
  • - أنتم قومجين عرب

هذا غيض من فيض الخلافات بين الكرد والعرب في سوريا والتي ظهّرها مؤخرا تحرير مدينة "تل أبيض – كري سبي" من داعش على يد تحالف حمل اسم "بركان الفرات" تشكلت قواه الأساسية من قوات الحماية الشعبية التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي ( أغلب قواها أكراد) و"ثوار الرقة"، و"كتائب شمس الشمال" و"جبهة الأكراد"، بتغطية جوية من قوات التحالف الدولي لضرب داعش.

مع هزيمة داعش وتقدم العسكريين نحو المدنية، تناقلت وسائل الإعلام و التواصل الاجتماعي معلومات غير مؤكدة حتى اللحظة بدقة تقول بأن قوات الحماية الشعبية تقوم بتهجير العرب السنة من بعض القرى العربية في منطقة الجزيرة ومن مدينة تل أبيض بغية فرض واقع ديمغرافي جديد، الأمر الذي دفع العرب ومكونات أخرى إلى تكثيف كتاباتهم لفضح ما يجري ليرد الكرد بالمقابل نافين حصول أية مجازر أو تهجير، حيث استخدم كل طرف وقائع الماضي والحاضر والمقالات والبيانات الصادرة عن هذه الجهة أو تلك لإثبات حججه، بالتوازي مع خطاب غريزي تكفيري تحقيري تجاه الآخر حفلت به ساحات وسائل التواصل الاجتماعي، عبّرت عنه مفردات مثل "الانفصاليين الكرد" و "المجرمون الكرد" و"المستوطنون العرب" و"شوايا البعث" و"البيئات الحاضنة لداعش" وسط ضمور للعقل الإنساني الذي كان حضوره الأقل لدى الطرفين، لنكون في نهاية المطاف أمام حدث أظهر المسكوت عنه في الخطاب الكردي العربي، وبيّن عمقه وخطره و مدى التوتر والجهل الكامن لدى الطرفين. والأخطر مدى التشنج القابل بلحظة ما للتحول إلى حرب مقابل قلة البحث عن مشتركات للعيش عبّر عنها قلة من الطرفين، بالتوازي مع تقدم الثنائيات الثانوية (عربية كردية، سنية بمواجهة أقليات) على الثنائية الأساسية للثورة: حرية شعب بمواجهة سلطة مستبدة، ما جعل الخلاف يصب بصالح المستبد في نهاية المطاف.

ثلاث روايات!

بدأت المشكلة من انتشار أخبار مكثفة على بعض وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي عن قيام وحدات حماية الشعب بتهجير ممنهج للعرب من تل أبيض والقرى العربية، مستغلين غطاء محاربة داعش، حيث نقلت وكالة "الأناضول" التركية عن لسان الناشط المحلي والعضو في المجلس المحلي لتل أبيض وعضو لجنة توثيق انتهاكات وحدات حماية الشعب الكردية "أحمد الحاج صالح" أن "الانتهاكات بدأت في 13 حزيران/ يونيو الجاري، حيث قامت الوحدات بتهجير كامل أهالي قرية زحلة، (14كم جنوب تل أبيض)، والبالغ عددهم نحو 500 نسمة"، متابعا أنهم "أجروا اتصالات مع قيادات الوحدات ليوعزوا لعناصرهم بالكف عن تلك التصرفات، وتلقوا منهم وعوداً بعدم تكرار الأمر .. بينما كنا ننتظر وقف الانتهاكات، تفاجاءنا بدخول عناصر الوحدات إلى قرية "قره شرف" (35 كم غرب تل أبيض)، وتهجير سكانها البالغ عددهم ألف نسمة، وسرقة محتويات البيوت بشكل كامل".

وتابع الحاج صالح قائلا: "في نفس اليوم أبلغت الوحدات الكردية أهالي قرى مدلج، والطيبة، وجهجاه (37 كم غرب تل أبيض)،  بإخلاء منازلهم، والذهاب إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة داعش في الرقة، مهددة إياهم بالاعتقال في حال عدم الامتثال لأوامرها، ما اضطر أهالي تلك القرى البالغ عدد سكانها حوالي ألفي نسمة للجوء إلى تركيا"، وهو الأمر الذي تابعه "الحاج صالح" على صفحته التي لا تزال تنشر الانتهاكات الحاصلة في المنطقة، والتي يحصل عليها من مصادره وفق شبكة علاقات داخلية لناشطين أخذوا على عاتقهم توثيق ما أسموه "انتهاكات وحدات الحماية الشعبية".

متطوعات من وحدات الحماية الشعبية يوزعن الخبز على الفيسبوك. المصدر: صفحة الناشط أحمد الحاج صالح
متطوعات من وحدات الحماية الشعبية يوزعن الخبز على الفيسبوك. المصدر: صفحة الناشط أحمد الحاج صالح

الأخبار التي نشرت استفزت العرب على وسائل التواصل الاجتماعي فبدأت حملة  ضد هذه الممارسات تميّز الكثير منها بخطاب شوفيني ضد الأكراد وقليل منها بخطاب عقلاني يدعو للهدوء و البحث عن الحقيقة، ليرد الكثير من الكرد أيضا بطريقة قومية شوفينية تتهم العرب بأنهم دواعش أو بأن غضبهم هذا يأتي لحزنهم على هزيمة داعش، إذ قال الأكاديمي "سربست نبي": "الكل صار ينوح ويتباكى على العروبة المنتهكة في بلدة قصية. الشيوخ والملالي والشيوعيون والبعثيون والجهاديون والليبراليون العرب كلهم في جوقة واحدة ضد الكورد لأنهم حرروا بلدة في عمقهم التاريخي والجغرافي استعربت في زمن ما، من إرهابيي داعش"، في حين قال "بكر عوان" (Bakr Awan): "داعش أخدت نص بلاد الشام والرافدين، وعملت ولاية بـ ليبيا وعملت تفجيرات بالسعودية، وعم تهدد الأردن، ووصلت اشتباكاتن مع حزب الله ع حدود لبنان، والكل يتابع بصمت. ولما وصلت الشغلة على تل أبيض، كلو صار وطني وقومجي ووحدوي ما بدون تقسيم، أي قولوها بصراحة : لا لتقسيم الدولة الإسلامية والتفرّط بالحلم الموعود".

بعيدا عن صراعات ساحات وسائل التواصل الاجتماعي، وبعودة على ما يحدث على الأرض، نحن إزاء ثلاث روايات:

الأولى: أن هناك تطهيرا عرقيا ممنهجا من قبل وحدات حماية الشعب ضد القرى العربية بهدف خلق واقع ديمغرافي يجعل من الكرد أكثرية في مناطق الحكم الذاتي الذي ينوي حزب الاتحاد الديمقراطي (تتبع له وحدات حماية الشعب) بسط سيطرته عليها لخلق واقع جديد. وهي الرواية التي يقولها اليوم عدد لا بأس به من العرب، في حين ينفيها الكرد جملة وتفصيلا، إذ يقول الكاتب الكردي "بدرخان علي" لحكاية ما انحكت: "أرفض بشكل مطلق هذا التوصيف "تطهير عرقي كردي ضد العرب" كواقعة في تل أبيض خصوصاً ، وفي شمال سوريا عموماً ،لأسباب عدة . أولها أن معظم أكراد المنطقة تم تهجيرهم بالفعل. حين تنوي قومية أو طائفة تهجير نظيرتها،  من الأولى أن تمسك بالأرض، أرضها هي بالأول. ولكن هذا ليس متوفراً. وما هو متوفر هو نقيضه بالضبط. فالغالبية العظمى من أكراد تل أبيض وريفها هجروا على دفعات بدأ من تموز 2013 على يد فصائل مسلحة أغلبيتها إسلامية التوجه".

الثانية: أنه لا يوجد هناك أي تطهير عرقي، وأن ما جرى من نزوح للأهالي هو بسبب المعارك الدائرة أو بسبب من داعش التي أقدمت على تهجير أهالي هذه المناطق قبل خروجهم منها، حيث كتب الأكاديمي العربي "برهان غليون" على صفحته على الفيسبوك: " فالحرب الضارية في المناطق الشمالية مثلما هي في كل مناطق سورية كافية بذاتها لدفع الناس إلى ترك مناطقهم والرحيل إلى أي بر أمان"، وهو يتفق بذلك مع بدخان علي إذ قال: "ومن خلال متابعتي توصلت مبدئياً إلى أن خوف الناس من المعارك كان عاملاً أساسياً للهروب والنزوح، سيما هناك طيران جوي مشارك لا يرحم، ورأى الناس بأعينهم صور الدمار الشامل في كوباني –عين العرب وغيرها جرّاء القصف".

الثالث: أن قوات حماية الشعب وهي تدخل المناطق العربية تحت إطار قوات بركان الفرات، تقوم بالبحث عن أنصار داعش وعن كل من تعاون مع داعش بهدف محاكمته. إلا أنه أثناء تطبيق عملية الاجتثاث يجري الكثير من التجاوزات التي يجري تضخيمها على أنها تطهير عرقي، وهو ما يؤكده الباحث والكاتب "بدرخان علي" لحكاية ما انحكت حين يقول: "أي إجراء أمني احترازي لضرورات عسكرية  بحتة أو لشبهات بحق أشخاص ساندوا داعش ( وعددهم غير قليل)  أو يشتبه أنهم ساندوا، بحيث يصبح توقيف أي شخص للتحقق منه جزءاً من عملية "التطهير العرقي  الكردي ضد العرب" المزعومة، وتهمل كل الأعمال المشجعة من قبل وحدات الحماية الكردية وحلفائها في "الجيش الحر. أعني هناك مبالغة كبيرة وسهولة إطلاق مصطلحات الإبادة والتهجير والتطهير".

فتاتان من القامشلي تشاركان في حملة جيجاك نحن أخوة. المصدر: صفحة جيجاك نحن أخوة على الفيسبوك
فتاتان من القامشلي تشاركان في حملة جيجاك نحن أخوة. المصدر: صفحة جيجاك نحن أخوة على الفيسبوك

بعيدا عن تصنيف ما يحدث على الأرض، ثمة أمرا يبدو أقرب للتأكيد أن هناك تجاوزات كبرى حدثت من نوع منع أهالي من العودة إلى قراهم أو احتجاز مواطنين أو سياراتهم ومواشيهم، وهي أمور وثقها الناشط "أحمد الحاج صالح" عبر صفحته على الفيسبوك، ومنها: "تهجير أهالي قرية زحله جنوبي تل أبيض، و"تهجير قرية قره الشرف في شمال عين عيسى ونهب القرية بالكامل، و"قتل المهندس الشاب خليل العياف من قرية ضبعه في ريف عين عيسى الشمالي، و تهجير قرية العذيه واعتقال ثلاثة رجال مسنين منها"، و "نهب سيارات ومبالغ ماليه كبيره من قرية المهره ل حمد.ع وعبد.ش"، و"مصادرة قطيع أغنام من قرية الواويه ل علي.ع".

وما يجعل كلام أحمد قريبا للثقة هو نشره التجاوزات التي تقوم بها وحدات حماية الشعب إلى جانب ما يقوم به الجيش الحر، إذ كتب بتاريخ 17 يونيو 2015 أن: "أحد عناصر الجيش الحر في مدينة تل ابيض ويدعى م.ب يقوم بالاعتداء على مواطنين من قرية العيساوي بالضرب ويصادر منهم سيارة وكذلك يعتدي على المواطن أ.ن بالضرب ويصادر منه سيارة فان"، إلى جانب ذكره إيجابيات وحدات حماية الشعب حين تحدث، ففي تاريخ 17 يونيو 2015 كتب بوستين أحدهما إيجابي بحق الوحدات، وآخر يسجل انتهاكاتهم، ففي الأول قال: "قوات الحماية الشعبية تقوم بتوزيع الخبز مجانا من فرن الإسكان في تل أبيض المدينه اليوم وبمعدل 200 ل.س لكل عائلة"، وفي الثاني قال أن  "قوات الحماية الشعبية في منطقة شمال شرق عين عيسى تقوم بمصادرة ونهب ممتلكات المواطنين الواقعة بين غربي كورمازه وشرق جهجاه حيث قامت أول البارحة، والبارحة واليوم بمصادرة 56 دراجة ناريه في هذه المنطقة "موثقة أسماء أصحابها ومواصفاتها" .."، إضافة إلى دفاعه الدائم عن الكرد أنفسهم، إذ كتب بتاريخ 24/6/2015: "لا لتهجير الكرد من الرقة"، ووثق انتهاكات داعش بحق الكرد، إذ كتب بنفس التاريخ: "تنظيم الدولة يبلغ الكرد المدنيين بمدينة الرقة الذين راجعوا ديوان العشائر بإمهالهم 72 ساعة للنزوح إلى تدمير التهجير تهجير في تل ابيض تهجير وفي الرقة تهجير".

استنادا لكلام "أحمد" يبدو واضحا أن ثمة انتهاكات جسيمة قد حدثت. وهو أمر يعترف به الكرد أيضا، إذ يقول "بدرخان علي": "نعم سمعت ببعض الانتهاكات من أشخاص متواجدين قريبين من المنطقة. لكنها انتهاكات وليست عملية تطهير كما يقال بسهولة . أي انتهاك لأي إنسان مدني هو يجب أن يوثق ونعمل جميعاً على إنصافه".

ولكن يبدو ( وهو أمر ليس واضحا بما فيه الكفاية أيضا) أن بعض هذه التجاوزات تحدث في إطار سعي قوات بركان الفرات ( الجيش الحر ووحدات الحماية الشعبية) إلى معاقبة كل من تعاون مع داعش بطريقة تذكر بعملية اجتثاث البعث في العراق، بعيدا عن رؤية السياق التاريخي للأمر فالناس الذي كانوا تحت هيمنة داعش ليسوا بالضرورة متعاونين مع داعش، خاصة أن البعض اضطر للحصول على شهادات سواقة أو تصاريح عمل بهدف أن يستمر بالعيش، ما يعني أن ليس كل من تعاون مع داعش أو أخذ ورقة عمل معها هو داعش. وهو ما يجب الانتباه له جيدا، وهو ما عبر عنه بعض الكتاب الأكراد، إذ دعا الكاتب الكردي "دارا عبد الله" عبر صفحته على الفيسبوك إلى "عدم اتباع سياسة "اجتثاث داعش" عشوائية وظالمة، التي ستؤسس لإبادة أهليَّة للسكان العرب السنة، مدينة تل أبيض هي مدينة ذات غالبيّة سكانيَّة عربيَّة سنيَّة، ويجب التعامل بحذر بالغ مع هذه المعطى الواقعي الأهلي الحساس، خصوصاً في ظل العنف البالغ الذي يستهدف هذا المكوّن منذ ثلاث سنوات في سوريا والعراق"، وهو ما دعا له "الحاج صالح" أيضا حين قال: "من تقومون الآن بتهجيرهم أو سجنهم أو مصادرة ممتلكاتهم فرضت عليهم قوات الاحتلال الداعشية شروطها وقوانينها وأجنداتها، فحملوا منها شهادات السواقة التي فرضها التنظيم ووضعوا على دراجاتهم نمرة فرضها التنظيم.... ليس كل الذين التزموا قوانين تنظيم الدولة بدواعش ..".

 إن سعي "وحدات حماية الشعب" والقوات العربية المشاركة في بركان الفرات للتدقيق في كل من تعاون مع داعش أو ساهم سابقا في تهجير الأكراد أو العرب من مناطقهم، يدفعها أحيانا للمغالاة في الإجراءات ما يسبب انتهاكات جسيمة تحتاج لجان مختصة للقول إن كانت تنتقل من ضفة "الانتهاكات" إلى ضفة "التهجير" فعلا أم لا، خاصة أن أحداثا من نوع "منع عودة الأهالي" حتى لو كان الأمر بالنسبة لقرية واحدة، فهو قانونا يسجل تحت اسم "تطهير عرقي" إن لم يسمح لهم لاحقا بالعودة. وهذا أمر لا يمكن تأكيده ولا نفيه اليوم بدقة رغم وجود إشارات وإشارات مضادة له اليوم، إذ يقول الباحث "رستم محمود" لـ "حكاية ما انحكت" حول هذا الأمر: " لا يمكن الحكم على وجود تهجير ممنهج دون تقارير رصينة عن ذلك، لكن أيضا لا يمكن نفي ذلك دون دخول جهات مهنية ورصينة. على أن الأمر أقرب للنفس لسببين مركبين: لم يعرف ذلك من قبل عن الوحدات الكردية، لا سلوكا ولا إيديولوجيا، الأمر الآخر يتعلق بمشاركة أعداد وفيرة من وحدات عرب المنطقة إلى جانب الوحدات الكردية"، الأمر الذي يعني أن على كل يقول بحدوث تطهير عرقي أن يقدم تقارير موثقة حقوقيا وقانونيا ليصار إلى تقديمها للمحاكم الدولية كنوع من جرائم حرب. دون ذلك يبقى الأمر مجرد كلام على ورق، وهو مهمة كل الديمقراطيين السوريين (كردا وعربا)، وهو ما بدأت جهات سياسية من المجلس الوطني الكردي والائتلاف الوطني لقوى المعارضة العمل عليه، رغم أن السؤال يبقى مشروعا عن مدى قدرتهما على القيام بذلك فعلا في ظل معاداة حزب الاتحاد الديمقراطي المهيمن على الأرض لهما، وفي ظل معلومات تقول بأن وحدات حماية الشعب تمنع الائتلاف من الدخول، حيث كتب "أحمد الحاج صالح" بتاريخ 23/6/2015 أن "وحدات حماية الشعب تمنع وفد الائتلاف للمرة الثانية اليوم من الدخول إلى تل أبيض"، وهو أمر حال كان صحيحا سيثير شكوكا حول "وحدات حماية الشعب" وسيوجه أصابع الاتهام لها أكثر، خاصة أن أخبار الاعتقالات عن البوابة الحدودية للعائدين، وتهجير القرى التي ينقلها "أحمد" لا تزال قائمة، إذ كتب بتاريخ 24/6/2015: "قوات حماية الشعب تداهم قريتي"واسطة المكسور"و.."صخرة الخدام" في ريف عين عيسی الشرقي الشمالي جنوب تل ابيض 30كم وتهجر كامل أهالي القريتين وتقوم بنهب موجودات منازلهم"، و "قوات حماية الشعب تقوم باعتقال الشاب"مهند حمد الرومي "من البوابة الحدوديه23/6/2015 السا عه 12 ظهرا"!

وسائل التواصل: نذر حرب أهلية!

إذا كان الذي حصل على أرض الواقع من انتهاكات غير مؤكد عما إذا كان يمكن تصنيفه ضمن إطار "تطهير عرقي" أو "آثار معارك" أو سياسة "اجتثاث داعش"، ويحتاج لجان تحقيق مختصة، فإن ما جرى على وسائل التواصل الاجتماعي من تراشق ومسبات وتحقير ينبئ بما تخفي النفوس وبحجم الرؤية السلبية للآخر لدى كل طرف، وبحجم التحولات التي جرت عليهما منذ بداية الثورة، بحيث تقدّم الصراع القومي بينهما على صراعهما ضد النظام إلى درجة القابلية للتحوّل إلى الحرب الأهلية، وهو ما عبر عنه بدقة الكاتب الكردي "هوشنك أوسي" في مقال له بصحيفة الحياة، إذ قال: "شهدت صفحات التواصل الاجتماعي، خلال الأيّام الماضية، حالة من التراشق بالتخوين والشتائم والتشويه بين بين الكرد والعرب السوريين، لدرجة غير مسبوقة، مثيرة الذعر ..هؤلاء المتصارعين على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، لو كانت في أيديهم بنادق وقنابل، لاستخدموها ضدّ بعضهم البعض!. .. فصحيح أن حالة الاحتراب الكلامي السالفة الذكر، كانت ضمن الفضاء الافتراضي (فيسبوك، توتير) لكن صحيح أيضاً، أن هذه الحالة المرضيّة، تعطي مؤشّرات جد خطيرة عن تنامي ما يمكن تسميته بـ"الفاشيّات المتربّصة والمتوثّبة" لدى الطرفين، بصرف النظر عن الخوض في؛ من كان "الفعل" ومن هو "رده".

ولكن هل كلام هوشنك حقيقة أم مبالغ به؟

لنذهب إلى وسائل التواصل ونختار عينة. يقول "سالم عمر" في أحد تعليقاته: شدو الهمه يا أحرار سوريا. قبل ما تتقسم سوريا ..لم يعد هناك وقت ..أردوغان بوضع صعب ..والأكراد يتمددون لتقسيم سوريا وأمريكا الداعم الأكبر هي وإسرائيل لإقامة دويلات في سوريا وتقسيمها.. العالم كله يقاتل سنة سوريا"، في حين يقول آخر تحت اسم "أبو وحيد": "سينقلب السحر على الساحر. الأكراد وعبر مر الزمان يحاولون تصوير أنفسهم أنهم مظلمون وأصحاب قضية مظلومة أما بعد تصرف الهمج YPG فقد ضرو بقضيتهم والمستقبل سيرونه أسود، ولن يجدوا من يدعم قضيتهم وللأسف يخلطون بين العرب وداعش، ونحن لانخلط بين تيار مشعل تمو رحمه الله وبين ال YPG. لن نسكت على الظلم". ويقول "تركي مصطفى": "يقتضي الأمر محاربة العصابات الكردية. وإلا احتلالهم لتل أبيض سيكون أمرا واقعا"، في حين قال "جوان سوز" من الجانب الكردي: "أطلب من وحدات حماية الشعب (طبعاً حسب الموانة) استبدال علمها، بعلم " داعش" كي يتقبّله بعض جيراننا وشركائنا العرب مع جزيل الشكر"، في إشارة إلى أن العرب يهيمون بحب داعش!

لافتة مرفوعة في حي القابون في مدينة دمشق. المصدر: صفحة تجمع ثوار سوريا على الفيسبوك
لافتة مرفوعة في حي القابون في مدينة دمشق. المصدر: صفحة تجمع ثوار سوريا على الفيسبوك

في الحقيقة إن هذا النوع من السجال على وسائل التواصل الاجتماعي يعطي فكرة على أن ما قد يحصل على الأرض أمر قابل للتحقق ( ومن الطرفين)، فإذا كان الإقصاء وصل إلى هذه الدرجة افتراضيا، فماذا لو امتلك هؤلاء السلاح على أرض الواقع، حيث يعترف "جوان سوز" قائلا: "قمت بحذف 5 أصدقاء عرب من قائمة الصداقة، أرجو ألّا يعتبر مارك ذلك تطهيراً عرقياً وتهجيراً ممنهجاً بحق أصدقائنا العرب وشكراً لتفهمكم" في حين يرد آخرون بضرورة إقصاء كل الكرد واتهامهم بأنهم انفصاليون، الأمر الذي يوضح أن ما يجري الحديث عنه على الأرض، حتى لو لم يحصل، فإن القابلية لحصوله قائمة لأن هذا الاحتضان الرمزي الافتراضي له يعطي مؤشرات خطيرة في هذا السياق، خاصة أن الافتراضي أضحى واقعيا بكثير من الأحيان، بل ثمة ترابط كبير و واسع بينهما، حيث بات الحدث يجد صداه واقعا وافتراضا في آن، ففي "كفرنبل" رفع المتظاهرون لافتة ضد حزب الاتحاد الديمقراطي تصوّره على هيئة كلب إلى جانب ثلاثة كلاب يمثل أحدهما النظام والأخر إيران، في حين كتب الناشط "عمر إدلبي":  الحقوق المشروعة لأي مكون سوري محل احترام؛ أما التطهير العرقي بقصد التقسيم فهو عداء سافر للثورة وسوريا؛ ولن يمر" وذلك إلى جانب صورة للافتة مرفوعة في حي القابون الدمشقي من قبل "تجمع ثوار سوريا"، كتب عليها: " إجرام byd بحق عرب الجزيرة وتهجيرهم مقدمات للتقسيم وسكوتكم جريمة أكبر يا معارضتنا". بالمقابل تقوم وحدات حماية الشعب والناشطون الكرد بتناقل صور لوحدات الحماية وهي توّزع خبزا على المواطنين والمهجرين (كردا وعربا) في محاولة للرد على الاتهامات ضدهم، وهو ما يعتبره بعض العرب محاولة للتغطية على الأمر، في حين يرد الكرد بأن العرب يحققون أجندة تركية، ليرد العرب بأن حزب الاتحاد يقف إلى جانب النظام عمليا، لنكون أمام أسئلة: عن حجم التدخل الخارجي في هذا الأمر، وعن تشابكه مع الخارج من جهة والنظام من جهة أخرى، وعما إذا كان هناك من يدفع نحو الأمر؟

لوحة مرفوعة في مدينة كفرنبل. المصدر: صفحة لافتات كفرنبل على الفيسبوك
لوحة مرفوعة في مدينة كفرنبل. المصدر: صفحة لافتات كفرنبل على الفيسبوك

أطراف خارجية أم داخلية!

يتهم الأكراد بعض العرب، وخاصة الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والمجلس الوطني الكردي بأنهم أسرى اللعبة التركية، وأن ما جرى من توجيه الاتهامات لوحدات حماية الشعب بالتطهير العرقي تم بدفع وتحريض تركي بغية تشويه سمعة الأكراد ومنعهم من تحقيق إدارتهم الذاتية، كي لا تجد أنقرة نفسها أمام أمر واقع، إذ يقول "بدرخان علي" لحكاية ما انحكت: أنّ "حكام تركيا باشروا باللحظة الأولى لتحرير تل أبيض من داعش بإطلاق تصريحات من أعلى المستويات تعبر عن توتر عالٍ جداً لمجريات الأحداث، وروجوا لرواية التطهير العرقي ضد العرب والتركمان، مع تضخيم مقصود لحجم الثقل السكاني للأقلية التركمانية الصغيرة جداً في تل أبيض".   وهو ما عبّرت عنه عبارات كثيرة موجهة لموثقي انتهاكات الوحدات من نوع: "كم تقبض من تركيا؟" التي تذكر بعبارة النظام لمعارضيه كم تقبض من الخارج وقطر وحمد وتركيا؟

من الجهة المقابلة، نفس الاتهامات يسوقها العرب لحزب الاتحاد الديمقراطي ومشروعه في الإدارة الذاتية، بأنه شريك فعلي للنظام، وأن ما كل يقوم به عمليا يصب في مصلحة النظام مستمدين رؤيتهم من وجود النظام حتى اللحظة في القامشلي والحسكة، وعدم وجود أية معارك حقيقية بين الطرفين، ناهيك عن اندراج الحزب في محور إيراني روسي له موقفه المعارض من الثورة السورية، الأمر الذي يدفعنا لمحاولة قراءة هذا البعد الخارجي وتداخله الداخلي لفهم ما يحصل حقا؟

لا يمكن لأي محلل رصين إلا أن يقر بوجود الأجندة التركية في الشمال السوري، خاصة بالنسبة للدائرين في فلك الائتلاف الوطني الذي تدعمه أنقرة ودول الخليج، الأمر الذي يعني أن أنقرة ستعمل كل ما بوسعها لأن لا تجد نفسها أمام واقع كردي جديد، خاصة أن حزب الاتحاد الديمقراطي هو الفرع السياسي السوري لحزب العمال الكردستاني الذي دخلت أنقرة معه في حوار سياسي مع زعيمه المسجون عبد الله أوجلان، ما يعني أن أنقرة تمانع خلق واقع كردي جديد في سوريا. وفي هذه الحالة إن وجود موثقي انتهاكات وحدات حماية الشعب في أنقرة، يدفع الكرد تلقائيا للشك في مصداقيتهم، ما يجعل الأمر ينعكس سلبا على قضيتهم، خاصة أن وكالة الأناضول نقلت عن أحمد الحاج صالح قوله: "إن "هيئة الإغاثة التركية (İHH)، والجيش التركي، كانا الحاضرَين الإنسانيَّين الوحيدَين، اللذين أغاثا الفارين من بطش الوحدات الكردية"، وهو أمر يتوجب على العرب أخذه بعين الاعتبار لأن الحساسية الكردية من الأتراك أمر واقع وتاريخي.

من جهة أخرى، إن حزب العمال الكردستاني هو الحزب الأم للاتحاد الديمقراطي يعمل على توظيف الساحة السورية في صراعه مع السلطة التركية أيضا، حيث تشير المعلومات المتوفرة بأن نسبة كبيرة ممن يقودون وحدات حماية الشعب  المقاتلة على الأرض هم أكراد أتراك، حيث قال الكاتب "ياسين الحاج صالح" في مقال له في صحيفة الحياة: "أن غير قليل من مقاتلي «وحدات حماية الشعب» وقادتها هم من كرد تركيا. هذا ظاهر لزوار عين العرب - كوباني، وأكده فهيم طاشتكين في مقالة له نشرت أخيراً في راديكال التركية (نشرت «الحياة» ترجمة عربية لها يوم 17 حزيران - يونيو الجاري)، تقول أن 500 كردي تركي قتلوا في سورية في القتال ضد داعش؟ لا بد من أن عدد المقاتلين الكلي أكبر بأضعاف كي يكون عدد الضحايا 500".

يضاف لذلك أن سلوك "حزب الاتحاد الديمقراطي" في سوريا إشكالي جدا، فالنظام يقول أنه قدم له السلاح، والحزب أطلق الرصاص على متظاهرين كرد ضد النظام، وهو لم يحارب النظام الذي لا يقصف مناطق إدارته في حين يقصف كل مناطق الإدارة الذاتية الأخرى، الأمر الذي يرجح أن ثمة اتفاقا ما بينه وبين النظام.. هذه الممارسات تجعل مصداقية الحزب قليلة ( إن لم نقل معدومة) لدى القسم الأكبر من المعارضة التي ترى فيه "بعثا كردستانيا". والتسمية للشاعر الكردي سليم بركات الذي قام العرب مؤخرا بإعادة تداول مقال سابق (نشر عام 2012) له حمل عنوان "سوريا وأكرادها"، كنوع من الرد على حزب الاتحاد الديمقراطي، ناهيك عن ضيق صدر الحزب نفسه بأكراد آخرين، حيث يمنع أي فصيل كردي بقوة السلاح من التعبير عن نفسه، في الوقت الذي يسعى لفرض مشروعه الخاص في الإدارة الذاتية لخلق واقع جديد، يدفع العرب لتصديق كل ما يقال عنه، حيث يقول الباحث "رستم محمود" لحكاية ما انحكت: "للوحدات الكردية هدفان مركزيان، السيطرة على المجتمع الكردي السوري، والمساهمة في الصراع الكردي الكلي مع تركيا"، نافيا إمكانية قدرته على السيطرة على كل المناطق الشمالية من سوريا.

الصراع الخارجي هذا وعلاقة الأطياف الداخلية السورية ( كردا وعربا) به، لا يعني أن الخارج هو سبب كل شيء، فالأزمة أساسا ذات جذر داخلي يبدأ من المظلومية التاريخية ضد الأكراد من قبل البعث الذي كان يظلم كل السوريين عموما رغم أن ظلمه على الأكراد كان شوفينيا مضاعفا، وهو الأمر الذي تكرر جزئيا بعد الثورة حيث لم يلق الأكراد حتى اللحظة عموما صدى لطروحاتهم إذ عجز الطرفان العربي والكردي الموجودين في المعارضة حتى اليوم عن بلورة رؤية لحل المسألة الكردية، خاصة أن هناك أطياف معارضة تحمل إرثا "بعثيا" لايعترف بحقوق الأكراد أيضا.

وهناك أيضا، بعض القضايا الداخلية، التي تثير حساسية الطرفين، وتلقي بظلها على ما يحدث اليوم، بل لا يمكن فهم ما يحصل اليوم بدقة بعيدا عنها، وهي:

- ثمة تصوّر لعدد غير قليل من الكرد عن كردستان الغربية، أي الجزء الكردي من سوريا. وهذا التصوّر يعبر عن نفسه بضرورة أن يكون هناك تواصل ذاتي بين المناطق الكردية، بحيث يحكم الأكراد أنفسهم ذاتيا في هذا الإقليم، حيث كتب "جوان سوز" بتاريخ 14 يونيو 2015: "الكُرد لا يفعلون كل هذا بدافع الانتقام ولو أرادوا ذلك، عشرات الآلاف من العرب يعيشون في عفرين وقامشلو وغيرها من المدن الكُرديّة السوريّة، وهم ليسوا عاجزين عن ذلك، كل ما يهمهم الآن هو إيجاد ممر كُردي آمن يمتد من قامشلو إلى عفرين". ولكن مشكلة المناطق الكردية في سوريا أنها غير متصلة جغرافيا، وهو أمر يقول به الكرد قبل غيرهم، الأمر الذي يطرح سؤالا: عن كيفية تحقيق هذا الأمر في ظل وجود مناطق عربية تفصل بين المناطق الكردية؟ هذه الرؤية تجعل الكثير من العرب يصدقون ما يقال عن التطهير العرقي.

- بدءا من عام 2013 بدأت عمليات تهجير ضد الكرد والعرب من تل أبيض نفسها على يد داعش، في حين يقول الكرد أنها تمت على يد داعش وقوى إسلامية ومعارضة عربية أخرى، حيث يقول "جوان سوز" في 14 يونيو 2015: " قبل تخوّين الكُرد ونسب بعض التهم المفبركة إليهم، عليكم أن تخبرونا لماذا تم طرد السكان الكُرد منها قبل سنتين؟ ولماذا تم سلب ونهب ممتلكات الكُرد؟ ولماذا قمتم بإحراق القرى الكُردية في الريف الغربي لـ كري سبي؟ ولماذا كنتم تعتقلون المسافرين الكرد من كوباني إلى الجزيرة بتهمة الموالاة لحزب الاتحاد الديمقراطي ؟ في حين أنكم كنتم تقاتلون ضمن صفوف الكتائب الإسلامية الراديكالية التي تطالب بإسقاط النظام " العلوي " وطردتم الكُرد من " سري كانييه / رأس العين " في حين قال "بدرخان علي": " فالغالبية العظمى من أكراد تل أبيض وريفها هجروا على دفعات بدأ من تموز 2013 على يد فصائل مسلحة أغلبيتها إسلامية التوجه. قرى الأكراد في الريف خاوية على عروشها تماماً، والأحياء الكردية في تل أبيض محتلة من قبل داعش وعناصرها ومؤازريها . وفي بعض الحالات جرى بيع بعض المنازل بموجب عقود شراء وبيع بين "داعش" وصاحب البيت الجديد باعتبارها غنائم!". و يؤكد أن "وقائع التهجير هذه موثقة في تقارير الأمم المتحدة لعام 2014 وليس من بنات أفكاري أقدمها لمواجهة المزاعم الحالية عن" التطهير العرقي الكردي ضد العرب" علماً أن تهجير الأكراد بدأ قبل بروز تنظيم داعش وعلى يد فصائل جهادية إسلامية يصنفها البعض "معتدلة" و"ثورية" وهذا أيضاً له معنى . في هذا الصدد  يمكن الرجوع إلى " تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية" الصادر عن الأمم المتحدة رقم  A/HRC/25/65تاريخ  12 February 2014  الفقرة هاء، حيث تصنف لجنة الأمم المتحدة الخاصة بسوريا ماجرى بحق الأكراد في تل أبيض والرقة وتل عرن وتل حاصل- الأخيريتين تابعتان لحلب- تحت بند التهجير القسري"

هذا الأمر الموّثق عمليا، يحتاج إلى قراءة لمعرفة إن كان التهجير تم فعلا من قبل داعش ومن يواليها أم أن الأمر تم فعلا بتواطؤ من القوى المعارضة التي تدور في الفلك التركي أيضا، لأن الكرد يأخذون على العرب عدم الإشارة إلى تهجيرهم السابق في حين أنهم يتهمون الكرد اليوم بتهجير العرب، حيث كتب "سربست نبي" على الفيسبوك: " الكل بات حريصاً على قيم حقوق الإنسان والتعايش المشترك التي لم تخطر ببال أحدهم يوم هجّر الآلاف من الكورد من بلدتهم قسراً ونهبت بيوتهم وأحرقت. في نظر الكل داعش والنصرة باتتا قوتين للحفاظ على وحدة سوريا واستقرارها، والقوات الكوردية هي المقسمة والمدمرة... العقل العروبي يضع نفسه بنفسه في قفص الاتهام".

  • منذ بدء الثورة السورية ثمة نشاط واضح للكرد بإطلاق الأسماء الكردية على القرى التي سبق للبعث وعربّها وهذا حق لهم لا جدال به. ولكن ذهب البعض أبعد من ذلك من خلال إطلاق أسماء كردية على بعض القرى العربية أيضا، الأمر الذي رأى فيه البعض محاولة لتكريد المناطق العربية بعد أن كانت المناطق الكردية تتعرض للتعريب على يد البعث سابقا. هذا الأمر تجلى فيما جرى حول "تل أبيض" التي يطلق عليها الكرد "كري سبي"، وهو أمر يرفضه بعض الكرد إذ يقول "رستم محمود": "مرة أخرى، هي "تل أبيض" وليست "كري سبي"، هي بلدة عربية، بهويتها وأغلبيتها السكانية، بماضيها وحاضرها ومستقبلها"، ليتابع قائلا لحكاية ما انحكت: "شخصيا لا يهمني البعد التاريخي، هوية المدن بجزء العظم تتآتى من هوية أغلبيتها السكانية ومحيطها الجغرافي الراهن"، في حين يقول "بدرخان علي": في كل الأحوال تسمية "تل أبيض" حديثة لها من العمر أقل من قرن من الزمان. مثل المدينة الحديثة نفسها. وأنا استخدم هذا الاسم "العربي" وليس الترجمة الكردية للاسم "كري سبي" لعلمي أن أهل المنطقة الأكراد أنفسهم يستخدمون تسمية "تل أبيض " دون حرج .إلا مؤخراً بدأ الترويج للتسمية الكردية " كري سبي" لمحاولة التأكيد على كردية المنطقة أو التواجد الكردي فيها وهذا خطأ برأيي".

هذا الأمر جعل بعض العرب يقلقون من أن يكون الأمر مقدمة لإبادة سياسية بحق العرب، حيث كتب "ياسين الحاج صالح" على الفيسبوك: "أنا من قرية من منطقة تل أبيض. سمعت بكري سبي كاسم لتل أبيض من سنتين. المشكلة بتكريد اسم البلدة هي إنها تمهد لإبادة سياسية للسكان العرب، وهم أكثرية كبيرة بالبلدة والمنطقة ككل، مثل ما أسس تعريب أسماء قرى وبلدات كردية لإبادة الكرد سياسيا على يد النظام البعثي، ومثل ما أسس تهويد أسماء قرى وبلدات فلسطينية لإبادة الفلسطينيين سياسيا. اتهام عرب المنطقة أنهم دواعش أو حاضنين لداعش هو من لوازم الإبادة، وبالوقت نفسو استمرار لنهج النظام الأسدي اللي كان يتشكك بولائهم، ويعتبرهم موالين لنظام صدام بالعراق. أول حدا لازم يعترض على هالمسلك برأيي هو الديمقراطيين الكرد"، وهو الأمر الذي رد عليه الكاتب والاستاذ الجامعي "سربست نبي" بالقول: "الجهل بالشيء عزيزي ياسين ليس حجة علينا، فإن كنت تجهل تاريخ المنطقة، أنت وغيرك، فهذا لا ينفي إن للمنطقة هوية تاريخية وقومية. ووجود العرب وغيرهم في تلك المناطق، لدواع سياسية أو طبيعية، لا يعني أنها فقدت هويّتها، أو صارت لها هوية أخرى، مثلما وجود الكورد في دمشق لا يعني بأي حال من الأحوال أن دمشق هي كوردية أو جزء من كوردستان".

  • مشكلة عرب الغمر وأكراد الخارج: ثمة قضية تطل برأسها كلما جرى سجال عربي كردي، حيث يطالب بعض الكرد بإخراج عرب الغمر الذين وطنهم نظام البعث في المناطق الكردية بغية فصل المناطق الكردية عن بعضها البعض. بالمقابل يرد بعض العرب بإعادة كل الكرد غير السوريين ( خاصة الأتراك منهم) إلى البلدان التي قدموا منها، حيث يقولون بأن نزوحهم من دول الجوار كان بقصد خلق واقع جديد، الأمر الذي يجعلنا أمام لغم قابل للتفجير في أي لحظة، وسيبقى كذلك ما لم يتفق الطرفان على إطار لحل هذه المشكلة ضمن الوطنية السورية بحيث تعاد الحقوق لأصحابها وينزع فتيل التوتر بدلا من إبقائه لغما ينتظر من يدعس عليه.

جيجاك نحن أخوة!

لم تكن الصورة سلبية بالمطلق، إذ رغم ما عرض فوق، فإن ثمة أصوات ظلت تدعو للحوار ولمنع الدخول في سجال عقيم، حيث دعا الرئيس الأسبق للمجلس الوطني السوري والأكاديمي "برهان غليون" إلى الهدوء حين قال: "ليس هناك بعد أي تقارير أو تحقيقات جدية تثبت وجود هذه السياسة. لكن حتى لو وجدت لدى بعض التنظيمات، فلا يعني ذلك اتهام الكرد الذين هم ضحية التهجير منذ عقود، ولا ينبغي لأحد أن يفعل ذلك.. وبدل صب الزيت على النار وتهييج المشاعر القومية لدى الأطراف مما لا يمكن إلا أن يخدم الأسد وداعش على حد سواء ويهدد مستقبل سورية ووحدة الشعب السوري، لا بد أن يقوم من لديه القدرة والوسيلة لوصل ما انقطع بين الأطراف، وتبديد الشكوك وإصلاح العلاقات، وهم كثر بين الكرد والعرب على حد سواء"، في حين دعا الكاتب الكردي "فاروق حجي مصطفى": نتمنى أن يتم التأسيس على الروح التضامنية بين مكونات المنطقة .التضامن فقط كفيل بتعرية الحاقدين والشوفينين"، في حين قال "دارا عبد الله" أن "لأهالي تل أبيض وحدهم الحق في إدارة شؤون حياتهم اليوميَّة، واختيار العقد الاجتماعي الذي يناسبهم، والذي يؤمن لهم الحرية الكاملة، والكرامة الإنسانيّة، أي إملاء سلطوي من أيّة قوة عسكرية كردية أو عربيَّة يعتبر تسلطا"، داعيا "القوات المقاتلة إلى الخروج العسكري بشكل كامل من المدينة، وعدم تشكيل أي مظهر عسكري مستفز داخل أحياء المدينة، واختصار التواجد العسكري على أطراف المدينة، بشكل بعيد عن حياة الناس اليوميَّة، بحيث يستطيع الأهالي العودة إلى منازلهم، وعدم الشعور بالضغط والاستفزاز"، وهو ما قاله القائد السياسي لحزب الاتحاد الديمقراطي "صالح مسلم" أنه سيفعله. إلا أن الشكوك المثارة حول الأخير تجعل الجميع يتشكك بكلامه بذات الوقت.

الشاعرة السورية مرام المصري تشارك في حملة جيجاك نحن أخوة. المصدر: حملة جيجاك نحن أخوة على الفيسبوك
الشاعرة السورية مرام المصري تشارك في حملة جيجاك نحن أخوة. المصدر: حملة جيجاك نحن أخوة على الفيسبوك

ويقول بدرخان علي في حواره معنا "هذه الحملة هي التي أحاربها في الأيام الأخيرة، حملة تثبيت وصف "التطهير العرقي وإبادة الأكراد للعرب" وجعله وصفاً طبيعياً وتمرير هذا الوصف عبر ضغط إعلامي مكثف، و محاولات تثبيت تسمية "الصهاينة" وعصابات "الهاغانا" على الشعب الكردي أو جزء منه على الأقل والمقاتلين الكرد، لخطورتها الكبيرة ولا معقوليتها . و ينبغي القول أنه حين أواجه مزاعم "التطهير العرقي الكردي ضد العرب" بوقائع مثبتة عن تهجير الأكراد واقتلاعهم ونهب منازلهم في السنوات الثلاثة الماضية ، فإني أولاً : لا أقول أن ما جرى سابقاً في تل أبيض أو غيرها كان "تطهير عرقي عربي ضد الأكراد" رغم مشاركة  قسم من أهل المنطقة .وثانياً :لا يعني أنه يغطي أي ممارسات كردية تالية من ردود فعل فردية أو جماعية حصلت أو قد تحصل، وصوتي سيكون مرفوعاً بعد التأكد منها من مصادر مختلفة ومحايدة نسبياً وغير مشاركة في الحملة الإعلامية السياسية  ضد الكرد ككرد". ويضيف  "بدل الإنشغال بمحاولة تركيب رواية لا تبدو متماسكة حتى اللحظة عن "التهجير والتطهير" المزعومين الأولوية الآن للعمل على إيجاد بيئة مناسبة ولو على نحو أولي مشجعة على عودة جميع الأهالي إلى منازلهم عبر نزع الألغام التي زرعتها داعش خلفها عن قصد  وتوفير أبسط مقومات الحياة من ماء وخبز وكهرباء وتشكيل مجلس محلي لأبناء المدينة والريف، وتشكيل قوات أمن و حراسة. وثم التفكير بعملية عسكرية من أجل أنقاذ مدينة الرقة من براثن "داعش" على غرار ما جرى في كوباني-عين العرب ، وتل أبيض."

بالمقابل دعا بعض النشطاء إلى إعادة إطلاق حملة "جيجاك – نحو أخوة" وهي حملة سبق وأطلقها ناشطون عرب وكرد لمنع النظام والأجندة الخارجية من دفع الكرد والعرب للقتال فيما بينهم، في حين كتبت الشاعرة السورية "مرام المصري" بأحمر شفاهها على وجهها وعلى ورقة بيضاء عبارة "جيجاك نحن أخوة" داعية الجميع ليغلب الحب على الكره، والعقل على الجهل، إضافة إلى أكراد وعرب واصلوا كتابة العبارة ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، معبرين عن ذلك برفضهم لما يحصل، ومؤكدين على أخوتهم العربية الكردية.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد