يرموك 63: أكثر من إذاعة، أوسع من وطن

يرموك 63: أكثر من إذاعة، أوسع من وطن

يبدو أن قدر الفلسطيني ومأساته لم يقتصرا بأن يكرر نزوحه عاما إثر عام، ونكبة إثر نكبة، بل أن يعيد نسخ تجاربه ومراكمة نضاله جيلا إثر جيل، وكأننا أمام صخرة سيزيف الهابطة إلى أسفل الوادي كلما رفعها الفلسطيني (مضافا له السوري اليوم) إلى أعلى الجلجلة. هذا ما يؤكده قيام “راديو63” الذي يبث من قلب مخيم اليرموك المحاصر بدمشق ومن لبنان وتركيا، بإطلاق برنامج يحمل عنوان “إذاعة 48″ مستمدين الفكرة من ماضي النكبة الفلسطينية عام 1948 حين كانت الإذاعة وسيلة إيصال الأخبار بين العائلات المشتتة، حيث يرسل اليوم – كما في الماضي- أفراد العائلات التي تشتّتت بين سوريا وخارجها أخبارهم لبعضهم. الفقرة اليوم وعلى بساطتها تتقل أخبار الناس لبعضهم أو رسائل التضامن التي تصل من كل مكان في العالم”.

يرموك إلى أبي وأمي في اليرموك – برنامج الإذاعة٤ ٨

الراديو الذي يريد أن يكون ناقلا لحكايا الناس وأخبارهم وأوجاعهم يغدو هنا هو الحكاية، ففيه من التراجيديا والألم والمقاومة في أحلك الظروف ما يجعله واحدا من أولئك الذين يسعى لنقل أخبارهم للعالم، ليجسد معناه قولا وفعلا، ففي فقرة يبثها تحت اسم “زمور الخطر” يستعير صوت زمور الخطر الحقيقي الذي يطلق في مخيم اليرموك حين يحلق طيران النظام في الأجواء ليهرب الناس من القصف، لنكون أمام إذاعة معجونة بدم الواقع دون أن تنفصم عنه.

كيف لا؟

وهي التي تختصر هدفها بأمر واحد هو “الناس”.

 وهي التي تستمد اسمها من اسم المخيم مقرونا برقم 63 وهو رقم نداء الهاتف الذي يحفظه كل أبناء المخيم عن ظهر قلب.

 وهي التي اضطر قسم من كادرها للنزوح نحو ببيلا ويلدا المجاورتين حين دخلت داعش إلى المخيم في أوائل نيسان 2015.

 

من الناصرة إلى مخيم اليرموك-ريم بنا في لقاء مع اليرموك٦٣

 وهي التي أسسها مجموعة من الناشطين المتطوعين العاملين في كافة المجالات (إغاثة، إعلام، سياسة)، والصامدين في مخيم اليرموك وسط القصف والحصار والجوع، رافضين بذات الوقت أي تمويل “فلا شروط مقبولة لنا مهما كانت بسيطة”، رغم كل الصعوبات الأمنية والتقنية التي يعملون في ظلها، حيث تغلبوا على الأخيرة من خلال “الاستعانة بفريق عمل خارج المخيم يقوم بإطلاق البث وإدارته حين لا نستطيع القيام بذلك على أن تكون أولوية البث والقرار فيه لفريق العمل في داخل المخيم” كما يقول أحد المؤسسين لحكاية ما انحكت.

ولدت الإذاعة من واقع أن أغلب وسائل الإعلام التي تنقل الأخبار في سوريا عموما، وفي مخيم اليرموك خصوصا “تحمل طابعا سياسيا أو عسكريا ما، وتنقل الأخبار والمعلومات وفق ما يناسب التوجه السياسي الخاص بالعاملين فيها أو المشرفين عليها”، الأمر الذي دفع النشطاء للبحث بكيفية تخطي هذا الأمر، ليؤدي النقاش إلى ولادة “راديو اليرموك63” كي يكون “أقرب للمدني المحاصر في داخل اليرموك، والمدني الذي هجر منه إلى كل أصقاع العالم”. ولهذا يقدمون أنفسهم بأنهم “إذاعة إلكترونية منوّعة تنطق باسم مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، وتبث من قلب المخيم المحاصر لتنقل أخباره وقصصه، وتعكس صوت المدنيين، وهو لا يتبع لأي جهة سياسية أو عسكرية أو حزبية، يقوم عليها شباب فلسطينيون سوريون مستقلون سياسياً عملوا في مجالات إعلامية واجتماعية وخدمية في اليرموك وخارجه”.

مقابلة مع الفنان الفلسطيني غسان السعدي لراديو اليرموك63

نظرا للظروف السيئة التي يعاني منها المخيم المحاصر اليوم في مستوى أول، والإعلاميين العاملين في الراديو في مستوى ثان، فإن البث يتم عبر الإنترنت فقط ومن الساعة السادسة مساءا وحتى منتصف الليل، ليتم إعادة البث وفق “ما تسمح ظروف خدمة الانترنت يومياً من الثانية عشرة ظهراً حتى السادسة مساءً” كما يقول أحد المؤسسين لحكاية ما انحكت.

تبث الإذاعة الأخبار عبر موجز قصير والأنباء العاجلة، مستفيدة من وجودها داخل المخيم، ومن شبكة علاقاتها الواسعة، كما تستضيف شخصيات سياسية وفنية و اجتماعية في جلسات مفتوحة حين تسمح الأحوال بذلك، دون أن يقتصر الأمر على المخيم، فالراديو يغطي “شؤون مخيم اليرموك بدمشق وباقي مخيمات الفلسطينيين في سوريا، في ظل ما تعيشه هذه المخيمات من ظروف خلال الأزمة السورية”، حيث يعمل على التوسع جغرافياً عبر مراسلين وصحفيين في كل مكان في سوريا وفلسطين والعالم، إضافة إلى قيامه بمهام التوثيق كتوثيقه للمعتقلين الذين استشهدوا تحت التعذيب.

اتخذ الراديو من الفراشة بلونيها الأزرق والأصفر شعارا له، هادفا من ذلك أن  “لا يشير لأي اصطفاف سياسي أو ديني أو مناطقي أو قومي أو حزبي”، متبنيا “جملة أثر المخيم لا يزول”، ليقول “أن مخيمات اللاجئين في كل مكان من العالم تترك أثاراً اجتماعية وسياسية واقتصادية لا يمكن التخلص منها بسهولة”.

راديو63“: أكثر من وسيلة إعلام، وأوسع من أن يكون مجرد راديو، فهو في عمقه يجسد مقاومة الإنسان وتشبثه بالحياة والقول والحرية رغم كل اليأس، محوّلا أي شيء بين يديه إلى أداة مقاومة، فـ “الإنسان حين يجوع يغرز لحمه في أسنان القمر”، كما يقول الشاعر السوري نزار قباني. إلا أن نشطاء اليرموك قرروا أن يطلقوا مساحة فرح وأمل بدل غرز أسنانهم في الهباء أو القمر.

الميديا المتعلقة

شارك المقالة: