اقتصاد الحرب وانتعاش التطرف (1)

اقتصاد الحرب وانتعاش التطرف (1)

صبر درويشصبر درويش

كاتب وصحفي سوري. يكتب في عدد من الصحف العربية. من آخر أعماله تحرير كتاب “سوريا: تجربة المدن المحررة”.

بقلم .

مدخــل

خلال الفترة الممتدة منذ بدء تشكيل المجاميع العسكرية المعارضة نهاية 2011، وحتى اليوم نهاية 2014، فشل العديد من هذه المجاميع العسكرية المعارضة في سوريا من الاستمرار وتحديداً بعد اعتماد سياسة تجفيف منابع الدعم من قبل الجهات الممولة بداية عام 2013، وفي هذه الأثناء التي عجزت فيها العديد من التشكيلات العسكرية المعارضة من الاستمرار، تمكنت تشكيلات أخرى –غالبيتها ذات طبيعة سلفية جهادية متشددة- من الاستمرار، والأخطر من ذلك أنها تمكنت من استقطاب أغلب مقاتلي التشكيلات العسكرية المنحلة.

تميزت هذه التشكيلات المتشددة، وبخلاف باقي التشكيلات العسكرية الأخرى، باستحواذها على مصادر تمويل كبيرة ومتعددة الجهات، شكلت بمجملها خزاناً ماليا لا ينضب، تمكنت هذه التشكيلات من خلاله من تمويل عملياتها القتالية ضد قوات الأسد، وأهم من ذلك تمكنت من تمويل المقاتلين المنضوين تحت إمرتها.

تقف خلف توسع وتضخم التشكيلات السلفية الجهادية في سوريا عدة عوامل، تتمفصل جميعها مع بعضها وتشكل المناخ الغني الذي أسهم في تمدد التشكيلات العسكرية المتشددة، وقد يكون من أبرز هذه العوامل، العامل الاقتصادي وتحديداً ما بات يعرف باقتصاد الحرب في سوريا، بالإضافة إلى عوامل أخرى كتجفيف منابع الدعم بالنسبة للتشكيلات العسكرية المعتدلة، والتخاذل الدولي وتلكؤه في وضع حد للحرب في سوريا، كما وسنشير في الدراسة إلى دور تنظيم الإخوان المسلمون السوري في “أسلمة” الحراك الشعبي والدور الذي لعبه هذا التنظيم في إنعاش التشدد وأيديولوجيا الاسلام السياسي بشل عام، ولا ننسى أيضاً دور عنف نظام الأسد والفاشية التي مارسها ضد المنتفضين، وهو عامل لعب دوراً مهماً في إزكاء مناخ الغضب والكراهية والرغبة في الثأر، وهو كل ما كانت تحتاج إليه التيارات الجهادية لتجند من خلاله الشبان وتنشر عقيدتها بين أوساطهم.

سنتناول في هذه الورقة مجموعة هذه العوامل ونرى كيف شكلت مجتمعة المناخ الغني لتمدد التيارات الجهادية واستحواذها على أغلب المشهد السوري.

أ‌- تداعيات الحرب على الاقتصاد السوري

حتى نهاية عام 2012، وبحسب العديد من الدراسات الاقتصادية[1]، خسر الاقتصاد السوري حوالي 1.5 مليون فرصة عمل، وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة في سوريا بشكل دراماتيكي، فوصل معدل البطالة وبحسب الاحصائيات المتفائلة إلى حوالي 35%، وهو الأمر الذي انعكس سلباً على الظروف المعيشية لحوالي 6.060 مليون شخص، وكان أغلب الذين فقدوا عملهم خلال هذه الفترة هم من الشباب وتحديداً في المناطق التي يتصاعد فيها حدة الصراع. وفي حلول منتصف عام 2013 سيقفز معدل البطالة إلى حوالي 54.3%، وهو ما سينعكس على حياة أكثر من 12 مليون سوري.

لم يولد الفقر في سوريا بعد أحداث آذار 2011، بل إن ما حدث هو تفاقم للفقر وتضخم لأعداد المهمشين بعد هذا التاريخ، فبحسب التقرير الإنمائي للأمم المتحدة لعام 2007، فإن 12% من السوريين كانوا يرزحون تحت خط الفقر، وان ثلث السكان، أي 33.6% يعيشون تحت خط الفقر الأعلى[2]، بينما يشير التقرير إلى أن تركز الفقراء في المناطق الريفية، وتحديدا شمالي البلاد وشرقها. فإذا كانت معطيات الفقر هكذا قبل تفجر الصراعات في سوريا سنة 2011، فكيف أصبحت هذه المعطيات بعد هذا التاريخ؟.

في ظل الصراع الدائر قدر عدد “الوافدين” الجدد إلى حياة الفقر مع نهاية 2012 بحوالي 3.1 مليون سوري[3]، من بينهم حوالي 1.5 مليون دخلوا دائرة الفقر الشديد، بعد أقل من عام على هذه الأرقام قفز عدد الفقراء وحتى منتصف عام 2013 إلى حوالي 8 مليون سوري، منهم 4.4 مليون دخلوا دائرة الفقر المدقع، وهو ما يشير إلى أنه بحلول النصف الأول من العام 2013 كان حوالي نصف سكان سوريا يرزحون تحت خط الفقر المدقع والفقر الشديد[4]؛ ومع نهاية عام 2013 واشتداد حدة الصراع واحتدام المعارك على أغلب الجغرافية السورية بات كل ثلاثة سوريين من أصل أربعة يصنفون كفقراء وشديدي الفقر، أي أنه مع نهاية 2013 سيتحول ثلاثة أرباع السوريين إلى فقراء ومعدمي الدخل. وبحسب تقرير المركز العربي لبحوث السياسات بات حوالي 54% من السوريين فقراء، وحوالي 20% شديدي الفقر[5].

تركزت مؤشرات الفقر أساساً في المحافظات التي كانت تعاني بالأصل من معدلات فقر عالية، فأتت محافظة إدلب في رأس القائمة بمعدل فقر وصل حتى 83%، وأتت بعدها محافظات دير الزور وريف دمشق والرقة ودرعا، بينما محافظات اللاذقية وطرطوس والسويداء فأتوا في أسفل القائمة بأقل تأثراً بالفقر من غيرهم من المحافظات، كما تشير الخارطة ادناه[6].

Untitled1

وحتى نهاية عام 2013 قدرت الدراسات الاقتصادية حجم الخسارة في الاقتصاد السوري بحوالي 143.8 مليار دولار امريكي، بينما خسر حوالي 3 مليون سوري وظائفهم، واضطر حوالي نصف السكان إلى مغادرة أماكن سكنهم، في موجة نزوح ولجوء هي الأضخم من نوعها في التاريخ الحديث.

لقد أدت مجريات الصراع الدائرة في سورية منذ ما يقرب من الأربعة أعوام إلى تدمير الاقتصاد السوري تدميراً شبه كامل، وهو ما يعني تدمير البيئات الاقتصادية والاجتماعية لملايين السوريين الذين خسروا في ظل هذه الحرب أعمالهم وممتلكاتهم ومصادر رزقهم، وتحول الاقتصاد السوري بالكامل إلى اقتصاد حرب، يشكل الاجرام والتهريب والاتجار بالسلاح والانسان وسرقة أموال الاغاثة والمساعدات.. إلخ، مصدر الدخل الرئيسي لملايين السوريين، وفي الوقت الذي تشكلت فيه طبقة محدودة الحجم من المستفيدين من هذا النمط من الاقتصاد والذين غالبا ما يدعون بأمراء الحروب، تحوّل الملايين من الشبان السوريين إلى عاطلين عن العمل وغير قادرين على إعالة أسرهم.

تعكس الخسارات الكارثية في الناتج المحلي الاجمالي جانبا من هذا التدهور في الاقتصاد السوري[7]، وبحسب الجدول رقم (1)، سنلاحظ أن إجمالي الخسارة في الناتج المحلي الإجمالي السوري وصلت حتى 1758 مليار ليرة سورية أي حوالي 86.25% من الناتج المحلي الاجمالي حتى نهاية عام 2013. وهو انهيار اقتصادي لم تشهده الاقتصاديات الحديثة على مرّ العقود الماضية، حيث انخفض الناتج المحلي الاجمالي نهاية عام 2013 حوالي 41% مقارنة مع سنة 2010.

القطاعات الرئيسية التي أسهمت في الخسارة المتراكمة للناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة لعام 2000 حتى نهاية كانون الأول 2013. بمليارات الليرات السورية. جدول رقم (1)
حجم الخسارة (مليارات الليرات) النسبة من إجمالي الخسارة %
التجارة الداخلية 465 22.8%
قطاع النقل والاتصالات 358 17.5%
صناعات استخراجية 293 14.4%
صناعات تحويلية 249 12.2%
الخدمات الحكومية 198 9.7%
الزراعة 195 9.6%
المجموع 1758 86.25%

هشمت الحرب الدائرة القطاع الصناعي بشكل شبه كامل وتحديداً في المدن الكبرى التي شهدت أعنف المعارك كمدينة حمص وحلب وريف دمشق؛ ففي منطقة الشيخ نجار في حلب أغلق أكثر من 90% من المنشآت الصناعية، وفي المنطقة الصناعية في عدرا بريف دمشق أغلق 40% (مع نهاية 2014 كانت جميع المنشآت في هذه المنطقة مغلقة بالكامل)، و20% من المنشآت الصناعية أغلقت في منطقة حسيا الصناعية، بينما في دير الزور باتت جميع المنشآت الصناعية خارج الخدمة الفعلية[8].

والأمر هو كذلك أيضاً بما يخص القطاع الزراعي والذي عانى من أضرار بالغة بسبب ظروف الحرب التي دمرت الأرض وسيلة الانتاج الأساسية ودمرت معها المعدات الزراعية عداك عن الصعوبات التي واجهت المزارعين في الوصول إلى حقولهم وإيصال منتجاتهم إلى الأسواق، وبحسب “تقرير صدر عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «FAO»  وبرنامج الغذاء العالمي «WFP» أن الأزمة التي تعيشها سوريا كبّدت قطاعها الزراعي خسائر تقدر بـ 1,8 مليار دولار أمريكي، كما أوضح التقرير أن الصراع تسبب في دمار كبير للبنية التحتية ونظم الري، وأن المزارعين يواجهون صعوبات في جمع المحاصيل بسبب انعدام الأمن ونقص الوقود”[9].

وتوزعت الخسارات الإجمالية التي تكبدها الاقتصاد السوري حتى نهاية عام 2013 والمقدرة بـ 143.8 مليار دولار[10] على الشكل التالي: وصلت خسارة الناتج المحلي الاجمالي إلى حوالي 70.879 مليار دولار، ووصلت خسارة أضرار مخزون رأس المال (ويشمل ذلك المؤسسات العامة والخاصّة المدمّرة والمعدّات، والأبنية السكنية وغير السكنية..) حوالي 64.805 مليار دولار، بينما وصل حجم الزيادة في النفقات العسكرية وبشكل تقديري (بسبب غياب البيانات) حوالي 8.142 مليار دولار، كما هو مبين في الجدول 2.

الخسائر الاقتصادية الإجمالية بملايين الدولارات الأميركية (بالأسعار الجارية) جدول (2)
2011 2012 2013 الاجمالي
خسارات الناتج المحلي الاجمالي 6658 27145 37075 70879
أضرار مخزون رأس المال 9193 29684 25928 64805
الزيادة في النفقات العسكرية 960 4171 3011 8142
الخسارة الاجمالية 16812 60999 66014 143826

فرضت هذه الظروف الكارثية تعديلات جذرية على السلوكيات الاجتماعية والأخلاقية للأفراد، وتحت ضربات الجوع والحاجة، اضطر الكثير من السوريين والسوريات إلى تقديم العديد من التنازلات المريرة، وفي كل الحالات لم تكن هذه الخيارات سوى حلول جزئية لمواجهة الأزمة الاقتصادية المتصاعدة والتي أدت إلى انتشار المجاعة في العديد من المناطق المحاصرة في سوريا. لقد “قاد التدهور والتدمير الاقتصادي إلى فقدان الكثير من فرص العمل، وإلى تدهور في ظروف العمل، ومن ضمن ذلك الانخفاض في الأجور والتعويضات، الأمر الذي حرم ملايين الأفراد والأسر من مصادر دخلهم الأساسية[11]“. وكان البحث دائما يجري عن مصادر دخل إضافية، تسد رمقاً من الاحتياجات المتزايدة للأسر الفقيرة، فانتشرت السرقات، وهدرت الحقوق تحت ضربات الجوع، وانتشرت أشكال من النشاطات الاقتصادية الغير قانونية، وبدء التحلل يتسلل إلى أوساط السوريين.

وبالاستناد إلى ما تقدم فقد كانت أهم نتائج تداعيات الحرب على الاقتصاد السوري وعلى معيشة السكان: “ترك حوالي نصف السكان مكان إقامتهم المعتاد بسبب النزاع، وغادر سورية 12 % من سكانها مع نهاية عام 2013 ، منهم 2.35 مليون شخص غادروا كلاجئين و1.54 مليون شخص كمهاجرين. وما يقارب من 6 ملايين إنسان أصبحوا نازحين داخليا بعيدا عن منازلهم وأحيائهم جراء العنف، والتشرّد، والخوف، والترهيب. وأكثر من 11 مليون شخص خسروا دخهم الأساسي بسبب خسارة 2.67 مليون فرصة عمل خلال الأزمة. وأكثر من نصف قوة العمل غدت عاطلة عن العمل و 75% من السكان يعيشون في دائرة الفقر منهم 20% من السكان يعيشون في فقر مدقع حيث لا يستطيعون تأمين غذائهم الأساسي إذ ارتفعت أسعار الغذاء ثلاثة أضعاف منذ بداية الأزمة. ومن أكثر الآثار مأساوية أن حوالي 3% من السكان تعرضوا للقتل أو الإصابة أو التشوه”[12]. وهي نتيجة كارثية أضاع فيها السوريون تنمية حوالي الأربع عقود، وستكلف أجيالاً كثيرة من السوريين لتعويض خساراتهم التي لا تعوض.

في ظل هذه الظروف البائسة، اندفع المئات من الشبان للانخراط بالعمل العسكري المسلح، تحت إمرة العديد من التشكيلات العسكرية المعارضة، والتي امتلكت مصادر تمويل شبه مستقرة، أتاحت لها صرف رواتب لهؤلاء “المقاتلين”، وفي كثير من الحالات، كان الانضمام لهذه التشكيلات، يأتي بدافع من الأوضاع الاقتصادية المتردية والتي لم تترك من خيارات أمام الأفراد، وأجبرتهم على الرضوخ للشروط التي راحت تمليها عليهم قيادات هذه التشكيلات العسكرية والتي كانت في غالبيتها تشكيلات متطرفة تنتمي لما بات يعرف بالتشكيلات السلفية الجهادية السورية.

فهذه التشكيلات كانت قد حافظت على مصادر تمويلها المختلفة إزاء تجفيف منابع الدعم للتشكيلات العسكرية المعتدلة، وتمكنت من التوسع بالاستناد إلى غياب البدائل والشروط الاقتصادية المريرة التي أجبرت العديد من الشبان للالتحاق بها هرباً من الجوع والفاقة، باعتبار ذلك أهون الأمرّين.

المراجع:

[1]– المركز السوري لبحوث السياسات، الأزمة السورية: الجذور والأسباب الاقتصادية والاجتماعية، كانون ثاني 2013، ص11.

[2]– المرجع السابق، ص 52، كما يمكن مراجعة التقرير الانمائي للأمم المتحدة لعام 2007، متوفر باللغة العربية.

[3]– المرجع السابق.

[4]– المركز السوري لبحوث السياسات، الأزمة السورية.. التقرير الفصلي الثاني نيسان حزيران 2013.

[5]– سورية هدر الانسانية، تقرير يرصد الظروف الاقتصادية والاجتماعية في سورية، تقرير الربعين الثالث والرابع (تموز – كانون الأول 2013)، 2014، ص7. عن المركز السوري لبحوث السياسات.

[6]– سورية هدر الانسانية، ص 40، مرجع سابق.

[7]– سورية هدر الانسانية، تقرير يرصد الظروف الاقتصادية والاجتماعية في سورية، تقرير الربعين الثالث والرابع (تموز – كانون الأول 2013)، 2014، ص11.مرجع سابق.

[8]– المرجع السابق، ص 15.

[9]– جريدة عنب بلدي، القطاع الزراعي في سوريا.. تراجع كبير ينذر بكارثة قومية، العدد 88 – الأحد 27-12-2013.

[10]– سورية هدر الانسانية، تقرير يرصد الظروف الاقتصادية والاجتماعية في سورية، تقرير الربعين الثالث والرابع (تموز – كانون الأول 2013)، 2014، ص 25-26.مرجع سابق.

[11]– المرجع السابق، ص 22.

[12]– المرجع السابق، ص 52.

معلومات المادة

الايجابية: ملهمة.

شارك المقالة: