سراقب: حيطان وثورة وأمل لا زال يقاوم

سراقب: حيطان وثورة وأمل لا زال يقاوم

هذه المادة ثمرة تعاون بين حكاية ما انحكت وراديو سوريالي

لكل مدينة وقرية سورية حكايتها مع الثورة، حكاية فيها الكثير من العام المشترك مع شقيقاتها الأخريات، وفيها الكثير أيضا من خصوصية كامنة وفقا لكل بيئة وثقافة ولون وطيف من أطياف المجتمع السوري المتعدد والمتنوع، والذي تضيف له مدينة سراقب التابعة لمحافظة إدلب في شمال سوريا، حائط عشاق جديد لازال يقاوم سوادي الدكتاتورية والتطرف في آن.

تشترك سراقب مع شقيقاتها/ المدن الأخريات بانضمامها المبكر للثورة وتظاهراتها ولافتاتها وإصرارها الطويل على سلمية لم تتمكن من المحافظة عليها بسبب قمع فاق التوقعات، وبالسلاح الذي انتشر على حساب المكوّن المدني، وبالصراع بين المكوّن المدني والإسلاموي، وبالثمن الذي تدفعه اليوم  من خلال حملات القصف  بالبراميل المتفجرة شبه اليومي ,وتتميز عن شقيقاتها بخصوصيات مثلت عنوانا لها ولا تزال: من حيطان سراقب الملونة بالشعر والحياة، و التي أخذت اسم دفاتر العشاق، إلى أول مظاهرة يحصل فيها صراع علني بين علم الثورة والراية السوداء للفصائل الجهادية ، إلى جنين مجتمع مدني لازال يقاوم حتى اللحظة، ممثلة بالمنتدى الاجتماعي وتجربة التكافل الاجتماعي وخيمة الأحبة وتجمع شباب سراقب(الفني ),ومجلة زيتون وزيتونة الخاصة بالأطفال، وحراك اليسار وغيره عبر لافتات وشعارات ووجوه شهداء لا تزال تترك آثارها على جدران هدمها العنف الأعمى دون أن يتمكن من هزيمتها.

البداية: ترقب فقلق فكسر لجدار الخوف وانطلاق:

كانت مدينة سراقب قبل الثورة، كأي مدينة سورية أخرى، تعيش على وقع الخوف من الأمن الذي تجسد في المراكز الأمنية المتعددة وبعض العوائل المتعاونة مع النظام والمستفيدة تاريخيا منه، دون أن يكون تاريخ المدينة خاليا من مقاومة الدكتاتورية.

ماميز سراقب منذ ستينيات القرن الماضي هو تلونها السياسي فقد انتمى أبناؤها للتيارات القومية والبعثية والاشتراكين العرب . والشيوعية في فترة لاحقة والإخوان المسلمون مع مطلع الثمانينات . واعتقل أبنائها مع كل حركات القمع التي بدأت مع مجيء الأسد الأب للسلطة .

 فأبناء المدينة نشطوا في ربيع دمشق ولجان إحياء المجتمع المدني و إعلان دمشق ومع مطلع آذار 2011 وقعت أربعة أسر على العريضة التي وجهت لوزير الداخلية . يوم 16 آذار والذي عرف لاحق باعتصام الداخلية، وجد به: “ثلاثة من خلفية إسلامية و واحد من خلفية يسارية” كما يقول منهل باريش ابن المعارض محمود باريش  الذي كان معتقلا لـ”حكاية ما انحكت” و “سوريالي”، حيث اعتقل يومها ابن المدينة “بدر الدين شلاش”، وقد حضر الاعتصام عدد من نشطاء المدينة ومنهم منهل ، حيث قالت المحامية المختطفة “رزان زيتونة” في مقال لها عن هذا اليوم ” لقائي الأخير به ( منهل) كان صباح السادس عشر من آذار يوم اعتصام وزارة الداخلية، حيث قدم إلى دمشق مع أحد أصدقائه ومعهم صور مكبرة لعشرات معتقلي الرأي في سوريا، الصور التي جرى تمزيقها بعد ثوان من بدء اعتصام الداخلية ذلك اليوم”.

حين اندلعت الاحتجاجات في مدينة درعا، بدأ شباب المدينة ومثقفيها وناشطيها الطلابيين والسياسيين  يتفاعلون تضامنا مع درعا عبر حركات وتظاهرات صغيرة بشكل خجول، و لكن تدريجي تصاعدي إلى أن اندلعت أول مظاهرة في المدينة بتاريخ 25/3/211 للتضامن مع درعا وهتف المتظاهرون : “مافي خوف مافي خوف”، وكانت سيارات الأمن تحيط المتظاهرين لكن الأمن يومها لم يقم باعتقال أحد .

 ليحتشد المئات يوم 8- 4- 2011 حيث هتف المتظاهرون “بالروح بالدم نفديكي يا درعا”، و”الشعب يريد محاكمة مخلوف”، وهي المظاهرة التي يقول عنها منهل في حواره مع رزان زيتونة: “أوائل نيسان، كان الأمن موجوداً بكثافة. وكانت المظاهرة تحد سافر لهم. رفعت على الأكتاف . وبدأت بأول هتاف: سلمية سلمية. يا بثينة ويا شعبان الشعب السوري مو جوعان. يومها ولدت من جديد. الأمن من أمامي والبعثيين من ورائي وأنا بين شعبي وناسي. قبلني الأصدقاء وبكى بعض المسنين. كنت أتوقع في أية لحظة رصاصة تخترق رأسي. وأن أبقى ممدداً على أكتافهم. كان شعوراً رهيباً. الولادة الجديدة بالتوازي مع الإحساس بانعدام الحدود مع موت متوقع في أية لحظة”.

 حينها لم يتدخل الأمن بل تدخل “بعض الموالين من سكان المدينة و الحزبيين و حدث صدام بينهم و بين المتظاهرين عندما قام احد المتظاهرين بضرب صورة الأسد بحذائه لتسقط  على الأرض وتضرب بالأحذية” كما يقول باريش لنا، حيث استدعى الأمن العسكري بتاريخ 10 نيسان إلى التحقيق  ثمانين ناشطا من المدنية، لتلتقيهم اللجنة الأمنية المشتركة ولتزور المدينة بعد أيام وتلتقي بعض النشطاء والوجهاء   لمحاولة إيقاف المظاهرات دون جدوى.

في 26 نيسان 2011 أبلغت الشرطة العسكرية أسرة العسكري غسان عبد الكريم العبد أن العصابات الإرهابية قتلته في درعا . وحاول النظام استثمار الحادثة . لكن  الآلاف طردوا الشرطة العسكرية التي أتت لتشييعه رسميا وحدث صدام بين بعض البعثيين والضباط من جهة، وأهل الشهيد والمحتجين من جهة أخرى .

قامت المخابرات باقتحام المدنية في 1/5/2011 و اعتقلت ٣٣ ناشط من المدنية، ليهرب النشطاء إلى البراري لمتابعة نشاطهم من هناك، حيث تقول رزان: ” منذ ذلك الوقت يفترش النشطاء البراري وحقول القمح وظلال أشجار الزيتون، في مدينة معروفة ببراحة أراضيها الزراعية وامتدادها”، الأمر الذي عنى أنّ حركة التظاهرات بقيت محدودة في البداية ( نيسان، أيار) وضمن نطاق ضيق من الشباب بسبب تحرك الأمن والعائلات المستفيدة من النظام ضد المتظاهرين، مما أعاد الخوف الكامن في النفوس لدى البيئات الحاضنة التي كانت متخوّفة وحذرة في آن، إلا أنها كانت تتصاعد ببطء مع كل جمعة لينكسر حاجز الخوف رويدا رويدا ويزداد عدد المتظاهرين الذين تمكنوا من إحداث ثغرات عديدة في الجدران والأسوار التي طوق النظام بها الناس، إلى حين حصول حادثة جسر الشغور بحق عناصر الأمن والجيش في حزيران 2011، حيث قرر الجيش اقتحام مدينة جسر الشغور عن طريق مدينة سراقب، حيث جرى نقاش  بين النشطاء بشأن قطع الطرقات ومنع الجيش من الوصول إلى جسر الشغور أم لا.

الرأي كان بعدم قطع الطريق لكن الشباب أصروا . ورفضوا أن يكتب التاريخ أن دبابات الأسد وصلت إلى جسر الشغور دون أن يمنعها أهل سراقب . فقام الشباب بإغلاق الطريق بالحجارة و حاويات القمامة وحرقوا الدواليب،  فأطلق الأمن والجيش على المحتجين ليسقط شهيدها الثاني “طلال الحاج قاسم” (8/6/2011) ، الأمر الذي أشعل جذوة الاحتجاجات والتظاهرات من جديد، حيث أقدم المتظاهرون وقتها على حرق مقر حزب البعث في المدينة، ولتعود التظاهرات بشكل نصف أسبوعي وبعدها بشكل يومي، حتى تاريخ دخول الجيش إلى المدينة في بداية الشهر الثامن من عام 2011 مدعما بقوات الأمن التي داهمت البيوت واعتقلت حوالي 250 شخص من المدينة ونهبت بعض البيوت والمنازل، وذلك دون أي مقاومة من الأهالي لأنه لم يكن هناك سلاح في حينها، وهو ما دفع الناس للتفكير بالسلاح لحماية المظاهرات، خاصة أن الأمن عاد و اقتحم المدينة بتاريخ 24/9/2014 واعتقل الناشط “مهيار سماق”  من محله في قلب المدينة.

 تصرفات الأمن والجيش استفزت المدينة فاندفعت كلها للتظاهر بعد خروج الجيش ، ولتصبح المدينة كلها ثائرة: تظاهرة إثر تظاهرة تعقبها تصاعد في الشعارات المطروحة من المطالبة بالحرية والكرامة إلى المطالبة بإسقاط النظام، لتقطع المدينة آخر خيوط الخوف، الأمر الذي دفع النظام لتصعيد قمعه فبات يستخدم الرصاص الحي والمدافع في قصف المدينة والتظاهرات لترد المدينة بالتظاهر أكثر وأكثر، إلى أن وصل الأمر إلى مفترق طرق حاد: إما التحوّل نحو السلاح أو إيقاف التظاهر.

 هنا تشكلت أول نواة للجيش الحر، ولتتحد الكتائب تحت اسم “جبهة ثوار سراقب” بتاريخ 1/1/2012، آخذة على نفسها حماية المدينة والالتزام بشعارات الثورة السورية بالحرية والكرامة والدولة المدنية، أي الوصول إلى معادلة “عسكر مهمتهم حماية المدنيين، وحراك مدني يطوّر نفسه وأساليبه ليدير المدينة على أكمل وجه” كما يقول أحد النشطاء، ليستمر الأمر لمدة ستة أشهر تخللها بعض الأخطاء، إلى أن بدأت الأجندة الخارجية والمال بالتدفق، فبدأت تظهر معالم الخلاف بين التيار المدني والعسكري، وخاصة بعد تشكل مجموعة “أحرار الشام الإسلامية” في الشهر السادس من 2012، والتي يقول منهل باريش أن تشكلها يعود إلى قبل ذلك التاريخ، أي “منذ بداية التسليح وظهرت خلية صغيرة لجبهة النصرة وتحدث الأهالي عن وجود شخص أجنبي ( غالباً عراقي ) في المدنية، و لم يكن له أي نشاط يذكر سوى أنه رجل دين و ينتمي لخلفية سلفية، و كان له عدد قليل من الأصحاب والزوار. لكن بعد تشكيل مقاومة مسلحة في المدينة بدؤوا بتشكيل تنظيم سلفي غير ظاهر و غير كبير كان اسمه كتائب “أحرار الشام” و لم يكن يخيف أحد في المدينة لأنه عبارة عن عدد قليل من الشباب حتى بدؤوا بتجنيد عدد كبير و تسليحهم ليحاولوا فرض سيطرتهم على الحراك المسلح بالمدنية و محاوله قمعهم للنشاط و الناشطين المدنيين”، وهو ما تجلى عمليا في المظاهرة التي حدثت بتاريخ 8 شباط 2013 حيث رفع علمي الثورة و “لا إله إلا الله” مع شجار جرى ضمن المظاهرة بين أصحاب المشروع “المدني” وأصحاب المشروع “الإسلامي”، وقد وصف أحد أعضاء مجموعة حطيان سراقب الأمر لـ “حكاية ما انحكت” بالقول أن “الاختلاف في الحقبات بين السلمية والتسلح، ما كان ليبدو واضحاً حتى بروز التيارات الإسلامية المتشددة، كان صعود التطرف يترافق مع هبوط لتأثير الحراك المدني، مترافقاً ذلك مع انقلاب بعض النشطاء من حالة مدنية إلى حالة راديكالية متشددة سواء عسكرية بحتة أو إسلامية، أو التصالح بين الطرفين على المال العام والمنفعة الشخصية”.

توّسع النشاط المدني ومأسسته:

خلال مسيرة الثورة تشكلت العديد من المجموعات والحركات والتنسيقيات والتجمعات العاملة في الشأن المدني والثوري، الأمر الذي عنى أن الثورة أطلقت العنان للمجتمعين المدني والأهلي للتعبير عن ذواتهما بعد عقود من القمع فبدأت المبادرات والنشاطات التي تعلّم الشباب في ظلها كيف ينظمون ويديرون ويطورون عملهم، حيث تأسس مقهى حمل اسم “هرمنا” نسبة إلى الكلمة التي قالها أحد المواطنين التونسيين بعد رحيل بن علي، لنكون أمام فكرة مدى تأثر الثورات ببعضها، ومدى متابعة أهالي المدينة لكل ما يحصل حولهم، حيث تحوّل المقهى الذي أسسه أحد كوادر الإخوان المسلمين إلى مكان عام يلتقي فيه الليبرالي واليساري والعلماني والمتدين لمناقشة كل ما يحصل في المدينة، بدءا من أداء المجلس المحلي الذي تشكل في تلك الفترة لإدارة شؤون الناس، وآلية عمل المحاكم الشرعية ومدى قانونيتها وصحة أحكامها و كيفية إدارة المدينة ومواردها بطرق أفضل، دون أن تتوقف عند طبيعة الدولة القادمة وشكل الحكم، وسط خلاف في تقييم حالة المقهى بين من يرى أنه شكل علامة ثقافية فارقة استعادت مقاهي الخمسينات والستينات ودورها في صنع الحركة السياسية والثقافية، وبين من رأى في هذا الكلام تضخيما ما، إذ قال “إياس قعدوني” من مجموعة حطيان سراقب “لم تكن القهوة ذات حضور سياسي وثقافي، بقدر ما كانت قهوة جميلة تجمعنا كلنا في مكان واحد لنشرب الشاي والقهوة مع الأًصحاب. للقهوة اسم جذاب وبراق ولكن حتى نضع الأمور بنصابها الصحيح ولا نضخم من الوقائع والأحداث، لم تكن القهوة على مستوى المنتديات الفكرية والثقافية التي تخرج بتوصيات لحلول واقتراحات بغرض المشاركة بالعمل العام الاجتماعي والسياسي، إنما كما أشرت سابقاً هي مكان جميل ومميز لدى معظم نشطاء مدينة سراقب”.

في هذه الفترة تكونت العديد من المشاريع مثل “التكافل الاجتماعي” و مشروع “آباء شهداء” الذي اهتم بأبناء الشهداء وعائلاتهم، إلى تنظيم حملات النظافة الدورية في المدينة للتعويض عن نقص عمل المؤسسات بعد رحيل النظام، إلى التنظيم الدوري والمنظم للفعاليات والمظاهرات والاعتصامات، إلى جريدة “زيتون وزيتونة” ومجلة الكواكبي و جمعية الشهيد أسعد هلال، ومنتدى سراقب الثقافي وراديو ألوان وزمام المبادرة ورعاية الطفل، والملتقى الثقافي ( زمام المبادرة )، ونساء من أجل السلام ، وسوريات من أجل التنمية، والكرفان السحري، لنجد أن انحسار الاستبداد تزامن مع عودة المجتمعين الأهلي والمدني الذين عوّضا جزئيا غياب الدولة ومؤسساتها، ناهيك عن المبادرات الفردية مثل “عدسة شاب سراقبي“، و دون أن ننسى “حيطان سراقب” التي قدمت اللون الأبدع والأجمل لسراقب تحت اسم “دفاتر العشاق”، والتي وقفنا عندها في “حكاية ما انحكت” في حكاية خاصة، والتي سنمر عليها هنا بإيجاز وهي بعض التجمعات كأمثلة على سبيل المثال لا الحصر عن النشاط المدني في المدينة.

حيطان سراقب:

رغم أن حطيان سراقب وجدت طريقها إلى وسائل التواصل الاجتماعي بتاريخ 29/7/2012 إلا أنها تعود إلى زمن أبكر من ذلك بكثير، زمن لا يمكن تحديده بدقة، الأمر الذي يجعل منها دون “تاريخ تأسيس” محدد كما يقول أحد مؤسسيها، لكن الجميع يعلم أن صاحب الفكرة هو رائد رزوق وصديقه أحمد الفرج.

لأنها أساسا لم تنشأ “كمجموعة ولم يكن هناك مجموعة بالمعنى الحرفي، كنا عدد من الشباب (رائد رزوق , إياس قعدوني، ليث العبد الله، سومر كنجو) نقوم على هدف واحد وفكرة واحدة، رغم اختلاف الآلية والتنفيذ، فمنهم من كتب الشعر بالخط العربي الجميل، أشعار وكلمات تناسبت مع حالات إنسانية أو رومانسية رافقت بداية الثورة”، ومنهم من رسم للأطفال لأن “سومر كنجو” أحب أن يكون للطفل مساحة تعبيرية حرة … كون الأطفال هم أكبر الضحايا في الأزمة، وكانت محاولة جمالية أيضاً تهدف إلى تغيير الذوق العام”.

كلمات مكتوبة على جدار سراقبي. المصدر: الصفحة الرسمية لعدسة شاب سراقبي على الفيسبوك

كلمات مكتوبة على جدار سراقبي. المصدر: الصفحة الرسمية لعدسة شاب سراقبي على الفيسبوك

الهدف الأساس من الرسوم على الجدران، هو “تمكين الإنسان من التمسك بإنسانيته في ظروف صعبة، وقد حاولت فهمه والتعاطف معه (الفرح له، والحزن مع الآخرين) كتابة عبارات لمدن كانت تحت الموت والقصف والمجازر، كانت محاولة لتأكيد الوحدة والتعايش والتآخي. كنا نعزز وجود الآخر في ثقافة المشاهد، الآخر المختلف بالفكرة والعقيدة والانتماء والمتشابه بالهدف والوطن”، كما يقول إياس الذي أكد لنا أن الفكرة ولدت حين أصبحت الكتابة والبخ على الجدران أمرا شائعا ومألوفا، حيث كانت الكتابات والعبارات لا تزال تعاني مما تركه الاستبداد في الأرواح والنفوس، فإلى جانب العبارات والأشعار الجميلة ظهرت عبارات شاذة ومؤذية للعين والبصر، حتى وإن كانت تنتقد الدكتاتورية وتشتمها، وهو أمر غير مألوف بالنسبة لأهالي مدينة محافظة كسراقب، ناهيك عن كتابة البعض الشعارات على جدران الآخرين دون استئذانهم، الأمر الذي عنى أن “المشكلة تكبر”، ولا بد من حلها، ليفكر كل من إياس قعدوني ورائد بالعمل على “تنقية الروح من خلال البصر بذات الوسيلة”، أي أن يعملوا على توجيه الناس للتعبير عن أفكارهم بشكل صحيح ومهذب، وفي مكان عام مخصص لهذا الأمر، وهو ما كان حيث بدأ رائد بكتابة أشعار لمحمود درويش، سيحافظ على كتابتها طيلة عمر المشروع، في حين تخصص “إياس” بكتابة عبارات مستوحاة من اللحظة حينا، ومما يحصل في المدن الأخرى حينا، وتضامنا مع حدث أو تنديد بمجزرة، لينضم إليهم فيما بعد “سومر كنجو” متخصصا في الرسم للأطفال، و الناشط الاعلامي و الخطاط “ليث العبد الله” لاحقا، مشكلين ما خلدته السينما في عمل حمل اسم “دفاتر العشاق” بتوقيع “إياد الجيرود” و”علياء خاشوق”.

ورغم أن المشروع توقف الآن، بعد ذهاب مؤسسيه إلى المنفى هربا من داعش التي قامت بمحو ومسح كثير من الرسومات، إلا أنه شكل أحد المظاهر المدنية التي لا تزال شاهدا على ما قام به أبناء المدينة الذين لم ييأسوا بعد، إذ لا زال إياس يفكر من منفاه بكيفية تفعيل الفكرة، عبر جعل الأطفال يرسمون ويواصلون حراسة أحلامهم التي تركوها على جدران مدينة باتت واقعة اليوم بين سندان التطرف ومطرقة الاستبداد.

مجلة زيتون وزيتونة:

مرت فترات كثير على مدينة سراقب، انقطعت خلالها عن كل ما يحيط بها، جراء الحصار الأمني: لا كهرباء، لا تلفزيون، لا أنترنت، لا مدارس، لا رياض أطفال.. الأمر الذي عنى أن الأطفال بقوا بلا تعليم أو ترفيه أو مجلات أو لعب هو أبسط حقوقهم.

هذا الوضع دفع مجموعة من الشباب، للتفكير بكيفية إنشاء مجلة أطفال، حملت بعد تفكير ونقاش اسم “زيتون وزيتونة”، علما أن نزوح الأهالي المتكرر ساهم أيضا في دفع الشباب نحو تأسيس المجلة، لسهولة حملها أو توزيعها في أماكن اللجوء الجديدة.

لا يوجد كادر ثابت للمجلة، حيث يشارك في كل عدد حوالي سبع أو ثمان كتاب ومثلهم من الرسامين، إضافة إلى مصمم ومدقق لغوي، ليطبعوا العدد الذي يطبع منه ثلاثة آلاف نسخة ملونة في أرياف إدلب وحلب وحماة، في حين يطبع منها ألف نسخة غير ملونة في الغوطة الشرقية بسبب عدم توافر الحبر.

صورة طفل مع مجلة زيتون و زيتونة ضمن فعاليات الكرفان السحري....المصدر: الصفحة الرسمية للكرفان السحري على الفيسبوك

طفل يحمل مجلة زيتون وزيتونة. المصدر: الصفحة الرسمية للمجلة على الفيسبوك

المصاعب التي تعيق عمل المجلة تتجلى أولا، بصعوبة التواصل مع الكتاب والرسامين، لتوزعهم في بلدان وأماكن متعددة، الأمر الذي يجعل توزيع المواد صعبا، ثم تأتي صعوبة التوزيع في بعض المناطق، سواء بسبب النظام أو داعش، حيث كانت المجلة سابقا تصل حتى مدينة الطبقة في الرقة، في حين أنها لا تصل اليوم بسبب داعش.

المجلة التي توزع مجانا وتتلقى دعما رمزيا من مؤسسة سمارت، أجلت الكثير من مشاريعها جراء الصعوبات والإمكانيات القليلة، مثل المعارض وتعليم اللغة الأجنبية والكمبيوتر للأطفال، آملين أن يأتي زمن أفضل ليحققوا ذلك، داعين النقاد والرسامين والكتاب للمساهمة معهم في المجلة، مشددين على كتلة الشباب، وآملين أن تصل المجلة كل سوريا.

المنتدى الاجتماعي الثقافي: آخر قلعة مدنية مقاومة في سراقب:

بعد طرد الحواجز التابعة لجيش النظام التي كانت تحاصر مدينة سراقب من كل الجهات، أصبح بإمكان أهالي المدينة والنشطاء ممارسة “واحد من أهداف الثورة في الحرية والديمقراطية والمبادئ المدنية”، الأمر الذي دفع مجموعة من النشطاء لتأسيس “المنتدى الاجتماعي الثقافي” بتاريخ 15/11/2012 ، حيث بدأ الأمر من خلال تأسيس روضة للأطفال، ومن إيراداتها البسيطة تم إطلاق المنتدى “لإرساء الحياة المدنية بسراقب” كما يقول الناشط “لهب باريش” لراديو “سوريالي” و”حكاية ما انحكت”.

بعد التأسيس بشهر تقريبا أقدم المنتدى على احتضان أول انتخابات للمجلس المحلي في المدينة، والتي يصفها “لهب” بأنها “أول تجربة كانت في سوريا خلال الثورة”، حيث شارك في الانتخابات حوالي 1300 شخص ( 1000 ذكور 300 نساء) لانتخاب مجلس لم يتح له العمل بسبب مناهضة المسلحين له، علما أن المنتدى يعتبره من أهم إنجازاته وتجاربه في العمل المدني.

لكن رغم ذلك لم يتوقف المنتدى عن النشاط حيث أقدم على استضافة الندوات الشعرية والمسرحيات وندوات طبية ومحاضرات قدمها حقوقيون وفلاسفة ورجال دين معتدلون، إضافة إلى توسيع عمل الروضة ليضاف له مدرسة للأطفال، يدرّس بها مدرسات ومدرسون بأجور قليلة ورمزية جدا ( أربعة آلاف ليرة فقط)، حيث يأخذ القائمون على المنتدى أجور رمزية تكفي لتغطية نفقات المبنى من أجار وكهرباء ومصاريف أخرى، إضافة إلى تحوّل المنتدى إلى ملجأ أوقات القصف حيث يأتي الناس للاحتماء في قبوه.

نشاط يقام ضمن المنتدى الثقافي الاجتماعي

نشاط يقام ضمن المنتدى الثقافي الاجتماعي

حين كان النشاط المدني في أوجه، تحوّل المنتدى إلى مكان يجتمع فيه النشطاء للإعداد للتظاهرات، حيث جرى في أرجائه مناقشة الشعارات وكتابة اللافتات ورسم اللوحات التي سترفع، إضافة إلى كونه مكان اجتماع المجلس المحلي السابق المنتخب لعقد اجتماعاته وطرح أفكاره على الأهالي، ليصبح باختصار ملتقى لكل من يريد العمل والنشاط في المدينة بدءا من التظاهر وليس انتهاءا بحملات النظافة.

يعمل اليوم في المنتدى سبعة عشر فردا بينهم خمسة نساء، دون أي تمويل إلا ما يتقاضونه لقاء قيامهم بتوزيع إحدى المجلات في المنطقة لقاء مبلغ يساعد في سد نفقات المنتدى، إذ لم يتلقوا أي دعم من أي فصيل معارض، علما أن “فنجان القهوة اللي بيشربوه بالفنادق بيعادل تكلفة المنتدى كلو الذي يكلف 200 يورو فقط” كما يقول “لهب باريش”.

المنتدى الذي يعتبر اليوم المكان الوحيد الباقي في سراقب، يطالب بتقديم دعم للأطفال كحقائب ودفاتر، ودعم التجمعات المدنية وتكثيف الدعم لقطاع التعليم عموما، عدا عن مطالباتهم الدائمة بوقف قصف طائرات النظام أولا ودائما، لأنها سبب أساسي في توقف المظاهرات لأن “يوم المافي براميل في قذائف ويوم في سوخوي ويوم في ميغ” دون أن يكون هو السبب الوحيد في توقف المظاهرات بل هناك أيضا “محاولة البعض تسييس المظاهرات”، لتنحصر مطالبهم في نهاية المطاف، بأن ” يبقى المنتدى مفتوح. ما بدنا تطعمونا ولا تشربونا بس بدنا مكتبة كتب. ما عنا غير 150 كتاب”.

يقاوم العاملون في المنتدى اليوم كل شيء: النظام والمسلحون وداعش والفقر والأوضاع الاقتصادية السيئة.. متمسكين بجنتهم (سراقب)، وساعين لأن لا تسقط آخر آثار المدنية في مدينة طالما قدّمت في مظاهراتها ولافتاتها وحيطانها مثالا راقيا عن الحرية وكيفية المطالبة بها.

الصراع بين التطرف والمدنية:

رغم أن حركة “أحرار الشام” الإسلامية كانت موجودة في سراقب كما قلنا فوق، إلا أنها لم تكن تشكل خطرا آنذاك، إلا أنه مع تدفق المال السياسي والخارجي، بدأت الحركة تقوى على حساب “جبهة ثوار سوريا”، فمع بداية الشهر السادس من عام 2012، بدأت الحركة تضيّق على المجتمع المدني، حيث أوقفت العديد من النشاطات الثقافية كطباعة بعض المجلات، وأقامت محاكم شرعية تفتي حسب مزاجها ورغبتها لتحاصر الناس بقوتي السلاح والدين، مساهمة في تقسيم المجتمع بين إسلامي وعلماني، الأمر الذي ظهر  جلياً  في حادثة تمزيق علم الثورة ورفع الأعلام السوداء في شباط 2013، ليزداد الاستقطاب، وتتراجع المظاهرات جراء تداخل الأجندة من جهة والاختلاف حول الشعارات من جهة ثانية، وتزايد عنف النظام عبر القصف بالطيران والبراميل من جهة ثالثة.

ولكن رغم ذلك لم يهزم المجتمع المدني، وذلك لعوامل عديدة أولها تماسك الحركة المدنية ونضالها المستمر ضد الاستبداد، وثانيها انتماء معظم أفراد أحرار الشام لمدينة سراقب، الأمر الذي حال دون تمادي الحركة أكثر في طغيانها وتعديها على الناس، إلى أن دخلت جبهة النصرة إلى المدينة في بداية عام 2013 .

في بداية الأمر لم تتغير أشياء كثيرة في الحياة المدنية للناس لانشغال الجبهة بمحاربة النظام، ولكن عندما استطاعت أن تفرض استقراراً نسبيا بدأت تتفرغ أكثر للناس وتتدخل في شؤونهم الخاصة والعامة، لتتخذ إجراءات تنهي من خلالها عن العمل المدني في مدينة سراقب. وتحت شعار “الخلافة هي الحل” صدرت فتاوى تجرّم أي حراك مدني إلا بفتوى شرعية تحت اسم الجبهة، بالإضافة لفتاوى أخرى تكفر الاختلاف والديمقراطية، لتتحول الجبهة ( أمير سراقب ) فيما بعد إلى ” داعش ” بعد مبايعتها للخلفية أبو بكر البغدادي، وتصعد من إجرامها وعنفها ضد أهالي المدينة، ولتعود “داعش” وتتراجع اليوم جزئيا على وقع التحولات الجارية في الشمال السوري والمتبدلة عموما كل فترة.

صمود الحراك المدني:

رغم كل الصعوبات فإن المجتمع المدني والمقاومة المدنية لم تزل تقاوم في سراقب، منتظرة توقف طائرات الاستبداد عن القصف أو انشغال داعش والنصرة بالمعارك للتعبير عن ذاتها، وهو ما يتجلى بالمنتدى الاجتماعي الثقافي الذي لم يزل يعمل في سراقب، وبالفعاليات التي ينظمها “يسار سراقب” بين الفينة والأخرى مثل حملة “عيش” و حملة “إطلاق نشطاء الحرية”، والتي كان آخرها رسم وجوه شهداء سوريا على جدران المدينة، علما أن أحد النشطاء (وثاب عزو) الذين قاموا بها يقبع اليوم في سجون الاستبداد الإسلاموي الجديد، الأمر الذي يشير إلى الثمن الذي يدفعه نشطاء المدينة حتى اليوم، ورغم ذلك هم مستمرون.. وهذا الأهم.

الميديا المتعلقة

شارك المقالة: